ما هي أهمية الفلسفة

ما هي أهمية الفلسفة


أهمية الفلسفة للفرد

كيف يمكن للفرد توظيف الفلسفة في حياته؟

تكمن أهمية الفلسفة بالنسبة للفرد في قدرتها على تمكينه من تحقيق العديد من الأمور، أهمها:


تحصيل السعادة والتعامل مع الظروف الصعبة

إنّ تاريخ الفلسفة منذ أيام سقراط إلى ما بعد نيتشه يسعى بشكل رئيسي للبحث عن حياه تُعاش بشكل أفضل وعن السعادة بالنسبة إلى الفرد[١]، وبناءً على هذا فقد أكّد المتخصصون في تاريخ الفلسفة أن المهمة الأصلية للفلسفة هي تحصيل السعادة، يقول المفكر المغربي سعيد ناشيد في كتابه الذي يحمل عنوان التداوي بالفلسفة: "إذا لم تنفعك الفلسفة في مواجهة أشد الظروف الحياة قسوة وضراوة فمعناه أن قراءتها مجرد مضيعة للوقت؛ وذلك لأن أهمية الفلسفة تتلخص في كونها تعلم الإنسان مهارة تحسين أسلوب الحياة".[٢]


هذا ما يعنيه آلان دو بوتون في كتابه عزاءات الفلسفة "الفلسفة كعلاج نفسي"، حيث كانت الفلسفة بمثابة العزاء لأي شخص يواجه تحديات في حياته الشخصية، ولقد استقى بوتون هذه العزاءات من حياة الفلاسفة وفلسفاتهم مثل فلسفة سقراط، فمن خلال سيرة حياة سقراط الفلسفية استطاع بوتون أن يقدم عزاءً لكل شخص له رأي مخالف لما هو سائد في المجتمع.[٣]


لكن التساؤل الذي أثار الجدل بين المفكرين هو: ما هي علاقة التفكير الناقد بالقدرة على الحياة؟ تتلخص الإجابة على هذا السؤال في نقطتين رئيسيتين، وهما: أنّ الأهم من قيمة الأشياء بالنسبة لنا هو طريقة تفكيرنا في هذه الأشياء، أما الثانية هي أنّ الشقاء ليس سوى خيبة أمل وعدمية سيؤديان في نهاية المطاف إلى اللامبالاة في الحياة، وفقدان قيمة العيش.[٢]


إعمال العقل والتأمل

الفلسفة هي مرشد الإنسان إلى إعمال الفكر والفهم العميق للنفس الإنسانية، وما يُميّز الفلسفة عن باقي العلوم أنه لا يمكن تنمية القدرة على الحياة دون تنمية القدرة على التفكير، وهذا ما أكده علماء النفس على مدار العصور؛ لأن تفكير الإنسان هو ما سيُقوّم سلوكه، ويقصد الفلاسفة بالتفكير على وجه التحديد التفكير الناقد أو بمعنى آخر التفلسف، وقد أكد المتخصصون في علم البيولوجيا أنّ ما يُميّز الإنسان عن سائر الكائنات هو العقل، لذلك يتوجب على الإنسان إعماله من خلال التفكير والتفكّر.[٢]


ممارسة التفكير الناقد

يقوم التفكير الناقد بنزع الطابع الأسطوري أو السحري عن الأفكار، فإنها تحمينا من خيبة الأمل، وذلك لأن فعل التفلسف يقوم بشكل رئيس على التفكير الناقد الذي يمحص الأفكار والمفاهيم، وبالتالي سواء تعلق الأمر بالتاريخ أم الحب أم الثورة أم السعادة أم الألم أم حتى الموت، فإنّ الإنسان يكتسب القدرة على العيش السعيد عندما يحقق أقل قدر ممكن من الأوهام والآمال، عندها سيحمينا التفكير الناقد من خيبات الأمل، فمنذ أيام أفلاطون وصولًا إلى آلان دو بوتون أسّس الفلاسفة لمفهوم الحياة الفاضلة، وهي الحياة التي يعيشها الإنسان بأقل قدر ممكن من الألم؛ وذلك لأن الفلسفة تساعد الإنسان على تحقيق أعلى قدر ممكن من السعادة والتعامل مع مختلف الآلام.[٢]


حرية التفكير دون قيود

تكمن أهمية الفلسفة بالنسبة للفرد في قدرته على أن يبسط سلطانه على نفسه، ويعيد التفكير في نمط تفكيره، وذلك من خلال ممارسته لحريته في التفكير دون حدود أو قيود. وكما أن للإنسان حاجات جسدية ومادية، فإن هناك حاجات فكرية وتأملية، ولذلك تُمثّل الفلسفة ماهيّة تاريخ العقل وصيرورته المتواصلة نحو تأسيس عقل إنساني كوني، ويُقصد بالعقل الكوني ذلك العقل الذي يمثل أفقًا نظريًّا، الذي يتحقق مع مسيرة التاريخ البشري، ومع الأخذ بعين الاعتبار دينامية القوانين، وروح التشريعات داخل المجتمعات الحديثة، والمجتمعات السائرة في الطريق نحو الحداثة، وهذا جوهر فلسفة هيغل.[٢]


لقراءة المزيد، انظر هنا: لماذا ندرس الفلسفة؟ وما هي الوظائف الممكنة لهذا التخصص.


أهمية الفلسفة للمجتمع

كيف يمكن توظيف الفلسفة في تطور المجتمع؟

أكّد الفلاسفة عبر العصور على أهمية الفلسفة في المجتمع؛ لكونها تسهم في تطوّره في عدة أشكال أهمها:


تشكيل الوعي المجتمعي

تعد الفلسفة المظلة التي تجمع معظم العلوم الإنسانية والطبيعية، ولم تتشكل الحضارات الإنسانية إلّا من خلال توظيف الجهود الفكرية والفلسفية التي بذلها كبار الفلاسفة منذ أيام سقراط وصولًا إلى فريدريك نيتشه، فقد عملوا على تشكيل منظومة وعي مجتمعي مستنير بعيدًا عن الأساطير، ويُقصد بالوعي المستنير؛ ذلك الوعي الذي ينشأ بتطور العلوم الأخرى سواء الطبيعية أم الاجتماعيّة والإنسانية، ممّا يؤثر على حياة الأفراد داخل المجتمعات، ويصبح التفكير المجتمعي تفكيرًا علميًا ناقدًا بعيدًا عن الخرافات والأساطير.[٢]


المساعدة في التخلص من ظلم الإنسان للإنسان

يُعد الفيلسوف الألماني كارل ماركس أشهر الفلاسفة الذين سعوا الى التأكيد على أهمية الفلسفة بالنسبة إلى المجتمع، وذلك من خلال توظيفها لصناعة أفضل ظروف حتى يعيش البشر آمنين في مجتمع تسوده المساواة، فقد كان الفلاسفة اليونان يؤكدون على أن مهمة الفلسفة هي تقديم نظرية في الوجود والبحث في أسبابه، لكن كارل ماركس قدّم نقدًا لهذه المهمة باعتبارها مَهمّة نظرية بعيدة عن الواقع، لذلك أراد ماركس أن يوظف الفلسفة مجتمعيًا؛ للتخلص من الظلم والاضظهاد الذي يتعرض له الإنسان.[٤]


أكّد ماركس أن يجب علينا توظيف الفلسفة لتغيير العالم والمجتمع، وبذلك دافع بكل قوة عن حقوق العمال في ظل المجتمع الرأسمالي الذي كان مجحفًا بحقوقهم مما جعلهم يشعرون باغتراب كبير، وبأنهم مجرد وسيلة لاستخراج فائض القيمة التي تعود أرباحها إلى صاحب رأس المال فقط دون أن يُشارك العمال هذه الأرباح، على الرغم من أنهم أساس تحصيلها.[٤]


في ظل هذه الظروف السيئة أكّدكارل ماركس على توظيف الفلسفة توظيفًا عمليًا، وعلى صياغة منظومة فكرية لتحقيق عيش أفضل في المجتمع الحديث، ليعود العمال الى طبيعتهم الحقيقية كمخلوقات بشرية لا مجرد وسيلة لتحقيق نسبة أرباح أعلى، ومن خلال دراسة كارل ماركس للطريقة التي تطور بها المجتمع توصّل إلى نتيجة بأن هذا المستقبل حتمي، وأنّه جزء من بنيه التاريخ[٤]، وعلى الفلاسفة أن يصوغوا نظريات تخلص العمال من ظلم وإجحاف الرأسمالية التي قدم أعظم دراسة فلسفية ونقدية لها، وبهذا افتتح كارل ماركس معظم كتبه بالتعاون مع الفيلسوف الإنجليزي فريدريك إنجلز بمقولة: "يا عُمّال العالم اتّحدوا"؛ للتخلص من الاضطهاد والظلم.[٤]


لقراءة المزيد، انظر هنا: معلومات عن الفكر الماركسي.


ضمان التعددية الفكرية ورفد ثقافة المجتمع

بهذا تكون أهمية الفلسفة بالنسبة إلى المجتمع في أنّها تُشكّل حركة فكرية تأملية، وترفد المجتمع بالأدوات اللازمة لتشكيل ثقافة تحترم التعددية وتصون كرامة وحرية الإنسان في التعبير عن آرائه، كما أن الفلسفة تعد المرجعية الأساسية لكل مُصلح اجتماعي من شأنه أن يُغيّر حال المجتمع إلى الأفضل، وهذا ينطبق على الكثير من الصلحين العرب أمثال عبدالرحمن الكواكبي، طه حسين، وزكي نجيب محمود.[٤]


تطور الحضارات والمجتمعات

يُشبّه علماء الاجتماع الفلسفة بالسلم الذي اتخذته الحضارة المعاصرة للصعود والتدرج لتحسين قدرة الأفراد في المجتمع المعاصر على التفكير في مواجهة الأوهام والتصدّي لها، وتحسين قدرته على العيش في مواجهه الشقاء، والتصدي لعنف الإنسان ضد أخيه الإنسان، ويكون وذلك من خلال العمل الدؤوب على استمرارية التأصيل النظري للمفاهيم المتعلقة بمصير الإنسانية والحضارات.[٢]


أهمية الفلسفة للعلم

كيف تتجلى أهمية الفلسفة للعلم؟

أكّد العالم والفيلسوف الرياضي برتراند رسل على ضرورة الفلسفة في تطور الحقول العلمية، ويكون ذلك من عدّة نواحٍ أهمها:


التأسيس لعلم المنطق والمنهجية العلمية

أسّس الفيلسوف اليوناني أرسطو لعلم المنطق الذي عرَّفهُ الغزالي على أنه ميزان العلوم الأخرى، فبعد أن كانت العلوم تفتقد إلى المنهجية التي تنظمها، وتجعلها معرفة علمية أصبحت لاحقًا معرفة مُمنهجة، وسار فرنسيس بيكون على نفس النهج ولكن من خلال منطق استقرائي جديد يؤسس للعلم ويكون بمثابة المعيار، والمرجعية التي يتم من خلالها تحديد العلم من اللا علم.[٥]


التأسيس للنظريات العلمية وتطورها

أكّد الفيلسوف كارل بوبر على أهمية الفلسفة في تقديم الإطار النظري للمنهجيات المتبعة في البحث العلمي الفيزيائي والبيولوجي، والمساعدة في وضع الأسس النظرية للحقائق العلمية وكيفية التوصّل إليها من خلال نظرية تُسمّى "نظرية إمكانية التكذيب" ويُقصد بها: البحث عن الأخطاء الممكنة في النظرية العلمية، وذلك لعدم التوقف عند حد معين، وألا يُسمح لأي عالم أن يدعي امتلاك الحقيقة المُطلقة، واستمرارية تقدم العلم وتطوره.[٦]


بهذا نستنتج أن الفلسفة مهمة جدًا للفرد والمجتمع والعلم، وقد أكّد الفلاسفة المعاصرون على ضرورة توظيفها كمرجعية بحثية في باقي العلوم الطبيعية والإنسانية.


لقراءة المزيد، انظر هنا: علاقة الفلسفة بالعلم.

المراجع[+]

  1. نيغل واربورتون، الفلسفة الأسس، بيروت لبنان:الشبكة العربية للأبحاث والنشر، صفحة 15. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث ج ح خ سعيد ناشيد، التداوي بالفلسفة، بيروت:التنوير، صفحة 8-9-19. بتصرّف.
  3. آلان دو بوتون، عزاءات الفلسفة، بيروت:التنوير، صفحة 6-10. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج نايجل واربورتون، مختصر تاريخ الفلسفة، بغداد العراق:دار الكتب العلمية، صفحة 218-224. بتصرّف.
  5. مجموعة أكاديميين سوفياتيين، الموسوعة الفلسفية، بيروت:الطليعة، صفحة 494-496. بتصرّف.
  6. نايجل واربورتون، مختصر تاريخ الفلسفة، بغداد العراق:دار الكتب العلمية، صفحة 285-290. بتصرّف.