كيف أثرت الشعوبية في الشعر العباسي؟

كيف أثرت الشعوبية في الشعر العباسي؟
كيف أثرت الشعوبية في الشعر العباسي؟

كيف أثرت الشعوبية في الشعر العباسي؟

بدأت جذور الشعوبية في الظهور بدايةً في العصر الأموي حين كان الموالي يُعاملون باحتقار، ومع قدوم العصر العباسي، نمت وازدهرت الشعوبية ولاقت بيئةً خصبةً للازدهار خاصةً في الشعر، فانبرى عددٌ من الشعراء يُناهضون العرب ويسخرون منهم ويُمجِّدون الفُرس ويفتخرون بكونهم منهم ويتغنَّنَون بالأمجاد الساسانية، وقد أثَّرت الشعوبية على الشعر والشعراء العباسيين فصبغوا أشعارهم بها وكانت هذه الأشعار وسيلةً لبث الأفكار للناس.[١]

التفاخر بالنسب الفارسي في الشعر

استطاع الفرس أن يقتحموا المناصب العليا في الدولة العباسية وذلك في الجيش والإدارة والولايات، فاحتلُّوا مناصب حسَّاسةً في الدولة، وانتفضوا ليسترجعوا مجد الفرس القديم ودولة الأكاسرة فهم أفضل من العرب الذين عاشوا في صحراء مُقفرةٍ، وممَّا ساعدهم على ذلك إعانة الشعراء لهم،[١] فيقول إسماعيل بن يسار يفخر بقومه:

رُبَّ خالٍ مُتَوَّجٍ لي وَعَمٍّ

ماجِدٍ مُجتَدىً كَريم النِّصابِ

إِنَّما سمّي الفَوارِسُ بِالفُر

سِ مُضاهاة رِفعَةِ الأَنسابِ

فَاِترُكي الفَخرَ يا أُمامُ عَلَينا

وَاترُكي الجَورَ وَانطقي بِالصَّوابِ

وَاسأَلي إِن جَهلتِ عَنّا وعَنكُم

كَيفَ كُنّا في سالِفِ الأَحقابِ

إِذ نُرَبّي بَناتنا وَتدسُّو

نَ سَفاهاً بَناتكُم في التُّرابِ[٢]

وهذا مهيار الدليمي يتفاخر بالأمجاد الفارسية، فيقول:

أُعْجِبَتْ بي بين نادي قَومِها

أُمُّ سعدٍ فمضَتْ تسألُ بي

سَرَّها ما عَلِمتْ من خُلُقي

فأرادتْ عِلمَا ما حَسَبي

لا تخالي نَسَباً يخفِضُني

أنا مَن يُرضيكِ عند النسبِ

قَوْمِيَ استولَوْا على الدهرِ فَتىً

ومَشَوْا فوق رؤوسِ الحِقَبِ

عمَّموا بالشمسِ هاماتِهُمُ

وبَنوْا أبياتَهم بالشهُبِ

وأَبى كِسرَى على إيوانهِ

أين في الناس أبٌ مثلُ ابي

سَوْرةُ الملكِ القُدامَى وعَلَى

شَرَفِ الإسلامِ لي والأدبِ

قد قَبستُ المجدَ من خيرِ أبٍ

وقبَستُ الدينَ من خيرِ نبي

وضَممتُ الفخرَ من أطرافِهِ

سوددَ الفرسِ ودينَ العرب[٣]

التغني بالأمجاد الساسانية والحلم بإعادتها

افتخر الشعراء بأصلهم الفارسيّ، ومن الشعراء أيضًا من يفتخر بنسبه الساسانيّ، ومن هؤلاء الشعراء الخريمي فيقول:

وَإِنَّ أَبي ساسان كسرى بن هرمز

وَخاقان لي لَو تَعلَمين نَسيب

ملكنا رِقاب الناس في الشِركِ كلَّهُم

لَنا تابع طوع القِياد جَنيب

نسومكم خسفاً وَنَقضي عَلَيكُمُ

بِما شاءَ مِنّا مخطئٌ وَمُصيبُ[٤]

وهذا بشَّار بن برد يفتخر بأصله الساساني الفارسي، فيقول:

هَل مِن رَسولٍ مُخبِرٍ

عَنّي جَميعَ العَرَبِ

مَن كانَ حَيّاً مِنهُمُ

وَمَن ثَوى في التُرُبِ

بِأَنَّني ذو حَسَبٍ

عالٍ عَلى ذي الحَسَبِ

جَدّي الَّذي أَسمو بِهِ

كِسرى وَساسانُ أَبي

وَقَيصَرٌ خالي إِذا

عَدَدتُ يَوماً نَسَبي

كَم لي وَكَم لي مِن أَبٍ

بِتاجِهِ مُعتَصِبِ[٥]

وأبو نواس لم يغفل عن ذكر تراث الساسانيين، فيقول:

مَسارِحُها الغَربِيُّ مِن نَهرِ صَرصَرٍ

فَقُطرَبُّل فَالصالِحِيَّةُ فَالعَقرُ

تُراثُ أَنوشِروانَ كِسرى وَلَم تَكُن

مَواريثَ ما أَبقَت تَميمٌ وَلا بَكرُ

قَصَرتُ بِها لَيلي وَلَيلُ ابنِ حَورَةٍ

لَهُ حَسَبٌ زاكٍ وَلَيسَ لَهُ وَفرُ[٦]

التهجُّم على العرب والدفاع عن فارس

هاجم بشَّار بن برد العرب وحياتهم القاسية الوعرة وملابسهم الغليظة وأنسابهم المغمورة، مُعليًا نفسه عليهم ومتفاخرًا بملوك الفرس والعجم، فيقول وقد نافست ابنته عربيةٌ فقيرةٌ: [٧]

تَقولُ اِبنَتي إِذ فاخَرَتها غَريبَةٌ

مُؤَزَّرَةٌ بِالوَبرِ في شَوذَرٍ قَدَد

لَها والِدٌ راعٍ إِذا راحَ عِندَها

بِأَشوِيَةٍ مِن قَلبِ ضَبٍّ وَمِن كَبِد

أَبي نَجلُ أَملاكٍ وَزَورُ خَليفَةٍ

يَلينُ لَهُ بابُ الهُمامِ إِذا وَفَد

طَلوبٌ للِأَيسارِ المُلوكِ إِذا غَدا

وَأَكرَمُ أَيسارِ المُلوكِ مِنَ الصَفَد

وَأَنتِ لَقاةٌ بَينَ خَلفٍ وَأَكلُبٍ

مَتاعٌ لِمَن جازَ السَبيلَ وَمَن قَصَد

وَإِنَّكِ مِن قَومٍ عَلَيهِم غَضاضَةٌ

تَرى غِيَرًا بِالنَفسِ مِن عَيشِها النَكِد

مُعاوِدَةٌ حَملَ الهَشيمِ بِكَفِّها

عَلى كاهِلٍ قَد كادَ يَأوَدُ أَو أَوِد

لَشَتّانَ ما بَيني وَبَينَكِ في التُقى

وَفي الحَسَبِ الزاكي وَفي العَيشِ وَالحَفَد

سَبَقتُكِ فَاِرضَي بِالصَغارِ فَإِنَّما

رُزِقتِ وَلَيسَ الرِزقُ كَالسابِقِ السَنَد[٨]


السخرية بالعرب واستفزازهم

لم تترك الشعوبية شيئًا للعرب إلَّا وسخرت منه، فتعرَّضت لأدواتهم كالعصا ولخصالهم كالكرم، ونقمت عليهم وشتمتهم بالبداوة من جهةِ رعيهم للأغنام. [٩]

فهذا أبو نواس يسخر من العرب بقوله:

عاجَ الشَقِيُّ عَلى دارٍ يُسائِلُها

وَعُدتُ أَسأَلُ عَن خَمّارَةِ البَلَدِ

لا يُرقِئُ اللَهُ عَينَي مَن بَكى حَجَراً

وَلا شَفى وَجدَ مَن يَصبو إِلى وَتَدِ

قالوا ذَكَرتَ دِيارَ الحَيِّ مِن أَسَدٍ

لا دَرَّ دَرُّكَ قُل لي مَن بَنو أَسَدِ

وَمَن تَميمٌ وَمَن قَيسٌ وَإِخوَتُهُم

لَيسَ الأَعاريبُ عِندَ اللَهِ مِن أَحَدِ

[١٠]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب محمد مصطفى هدارة ، اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني هجري، صفحة 398-400. بتصرّف.
  2. "ما على رسم منزل بالجناب"، الديوان.
  3. "أُعجِبت بي بين نادي قومِها"، الديوان.
  4. " ألا هل أتى قومي مكري ومشهدي"، الديوان .
  5. "هل من رسول مخبر"، الديوان .
  6. "لنا هجمة لا يدرك الذئب سخلها"، الديوان.
  7. حسين عطوان ، الزندقة والشعوبية في العصر العباسي الأول، صفحة 173. بتصرّف.
  8. "تقول ابنتي إذ فاخرتها غريبة"، الديوان.
  9. نادية زخروف، سامية صفوان، الشعوبية قي العصر العباسي، صفحة 20.
  10. "عاج الشقي على دار يسائلها"، الديوان.

14 مشاهدة