كيف تتعامل مع الأب الظالم

كيف تتعامل مع الأب الظالم

اصبر عليه

ما معنى أن تكون الدّنيا جسرًًا للآخرة؟

إنّ ممّا يَميزُ المسلمَ عن غيره من النّاس أنّه أعلى مقدرة منهم على تحمّل الأذى والمشاقّ في سبيل سيرِه إلى مولاه سبحانه، وذاك أمر طبيعيّ؛ إذ المسلم يسيرُ وهو يقينه أنّه سيصل، يسيرُ في الدّنيا ويعلم في مكنونه أنّها دار اختبار وبلاء، وأنّ الرّاحة هناك في الجنّة، فلولا أنّ الدّنيا دار شقاء وابتلاء؛ لما كوفئ الصّابر عليها بالجنّة، فتصير -إن أدرك هذه القضية- كلّ محنةٍ أمامه منحة، ويقرأ قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِين}؛[١]فيلتذّ بكلّ مصيبة أصابته؛ إذ لا جنّة بلا صبر، ولا صبر بلا مصائب.[٢]


إنّ القضيّة الأساسيّة التي لا بدّ من أن يفهمها كلّ إنسان مسلم هي أنّ الدّنيا جسرٌ للآخرة، فإن أدرك ذلك هانت عليه الدّنيا برمّتها، أو بعبارة أدقّ هان عليه الجسر برمّته، تخيّل أنّ رجلًا غنيًّا قرّر منح رجلٍ قصرًا عظيمًا بشرط ألّا يُغضِبَ أحدًا لمدّة دقيقة، أيُعقَل أن يُغضب هذا الشّخص أيّ أحدٍ في هذه الدّقيقة؟ فكذلك المُسلِم، عليه أن يُدركَ أنّ الدّنيا ما هي إلّا لحظة بالنّسبة للآخرة، وعليه أن لا يضيّع قصره العظيم الذي وعده به الملك لأجل استفزازٍ تعرّض له من أحد العابرين على الجسر.[٣]


أظهر له الحب!

هل يعين الحب على دفع الظلم؟

إنّ للحبّ أثر كبير في استدامة العلاقات الحسنة بين الناس، وليس المقصود هو التّظاهر بالحبّ، إنّما المعنيّ هو الحبّ الحقيقيّ الذي ينبني عليه أفعال كثيرة، فانظر بالله إلى سيّدنا محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- كيف أنّه كان يحبّ الخير للنّاس حتّى أحبّه النّاس في الجاهليّة قبل الإسلام فسمّوه الصّادق الأمين، وكانوا يستأمنونه على ممتلكاتهم،[٤] وجعلوا له الكرامة بأن يضع الحجر الأسودَ مكانه يوم أعادوا بناء الكعبة.[٥]


وكذلك سيّدنا أبو بكرٍ -رضي الله عنه- عندما كان يحبّ والده، فإنّه بقي يدعوه للإسلام حتّى بعد أن عميَت عيناه وشاب رأسه، لقد بقي أبو بكرٍ مُصرًّا على إدخال والده في الإسلام حتّى لان له وأسلم، ولولا أنّه أحبّه كلّ هذا الحبّ لما كان سببًا في إسلامه.[٦]


وخلاصة القول، أنّه لا بدّ من حبٍ لديمومة العلاقة السّعيدة المستقرّة بين الوالد وولده، فهذا سيحسّن لا شكّ من طبيعة استجابة واحدهما للآخر، وفي قصّة أبي بكر -رضي الله عنه- مع أبيه خير دليل.[٦]


قدّم النصح والإرشاد إليه

هل يجوز تقديم قول الحقّ على برّ الوالد؟

لقد حثّ الله -عز وجلّ- عباده بأن يتناصحوا فيما بينهم بآداب النصيحة، بل خصّهم بالفلاح فقال جلّ وعلا: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}،[٧][٨] وذمّ أقوامًا لتركهم التّناصح فقال سبحانه: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}[٩] فسمّى ترك التناهي عن المنكر فعلًا، ثمّ ذمّه![١٠] وحثّ الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- المسلمين بالتّناصح وأمر أن يكون هذا التّناصح بين المسلمين بأسلوب حسن، فقال -صلّ الله عليه وسلّم: "منْ أمرَ بمعروفٍ، فليكنْ أمرُهُ بمعروفٍ"[١١][١٢]


إذن، فعلى المسلم أن ينبّه المسلم حتّى وإن كان أباه، فإنّ الشّرع الحنيف حثّ على التّناصح بالخير، ولكنْ ينبغي أن يُحفظ للأب مقامُه فيكون الاحترام الكبير وبرّ الوالد ظاهرًا من الولد لوالده، ولا ينبغي أن يستمرّ الولد بالنّصيحة لو رأى من أبيه نفورًا أو عدم تقبّل، وإنّ عليه في تلك الحالة أن يلزم الصّمت ولا يجادل أباه أبدًا.[١٣]


حاول التعرّف على أسباب ذلك الظلم

هل صحيح أنّه "إذا عُرِفَ السَّبب بَطُلَ العَجَب"؟

إن من أهمّ الخطوات لحلّ أيّ مشكلةٍ في هذه الدّنيا هي التّعرّف على بيئة هذه المشكلة كمعرفة أسباب خروجها، والأشخاص المتبنّين لها والرّوافد التي تعزز قيامها وما إلى ذلك من أمور، وقد كانوا يقولون في المثل: "إذا عُرِفَ السَّبب بَطُلَ العَجَب"، فلرّبما كان جهل الإنسان بحادثة معيّنة أو بشيء معيّن متعلّقٍ بتلك المشكلة، هو الذي تسبب في كلّ ما أشكل عليه فيما بعد، ولو أنّه عَلِمَ الظّروف التي خرجت فيها هذه المشكلة لهان عليه حلّها بقطع الرّوافد التي تغذّي هذه المشكلة.[١٤]


فمثلًا، لو أنّ إنسانًا رأى أباه يخشى من المستقبل كثيرًا فإنّ عليه أن يعلم سبب هذه المشكلة، فإن أدركَ أنّ سبب هذه المشكلة هي أنّ هذا الأب يخشى الموت كان علاج هذه المشكلة بأن يحسّن من نظرة أبيه للموت فيوصِلَ لوالده معنى هذه الدّنيا وأنّها جسرٌ للآخرة، وأنّ جزاء المتّقين فيها الجنّة، وهذا سيقطع الخوف عن هذا الأب، وكذلك يكون علاج جميع المشكلات بمعرفة أسبابها ابتداءً.[١٤]


حاول أن تجد متسعًا للحديث معه!

ما أهمية الحديث مع الأب الظالم؟

إنّ من أنواع التّضحية الجليلة أنْ يضحّي الإنسان بوقته في سبيل الله سبحانه وتعالى،[١٥] فإنّ الإنسان إذا أدرك أنّ الله يحبّ التآخي ويأمر به، وأنّ الرّسول حثّ على نبذ الفرقة والتحاسد حين قال صلّى الله عليه وسلّم: "لا تَباغَضوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَحاسَدوا، وكونوا عبادَ اللهِ إخْوانًا"،[١٦][١٧] إن أدرك العبد هذه الأوامر الرّبّانيّة كان ينبغي عليه أن يضحّي بوقته لأجل إصلاح علاقته بأبيه ولا بدّ لإنجاز أيّّ مصلحة دنيويّة أو أخرويّة من وقتٍ يراق، فالوقت أساس في كلّ شيء.[١٨]


ادع له بالهداية

هل يستجيب الله الدّعاء؟

إنّ للدّعاء من الأثر في الإصلاح الشّيء العجيب، فإنّ الله بعظمته وعزّته وجلاله يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}،[١٩] فإنّ من صفات الله تعالى أنه رقيب على العبد، مطّلعٌ على سرّه وجهره، قريب منه؛ وهذا أرجى بأن يسدل عليهم من عطاياه الوفيرة، ثمّ إنّ الله تعالى هو الغنيّ، فلو أنّ ابن أحد الملوك أراد شيئًا ما وكان من الهيّن على الملك أن يلبّي طلب ابنه، أتُراه سيتباطأ عن تلبية طلب ابنه؟ فما بالُ العبدِ إذا طلب شيئًا هيّنًا من ملك الملوك، أيُعجزه أن يسوقَ الهداية لعبدٍ من عباده؟[٢٠]


تجنب ما يغضبه!

أيّهما أولى، صوم النّفل أم طاعة الوالد؟

ينبغي على المسلم تجنّب كلّ شيء يغضب والده وإن كان مباحًا أو مندوبًا، يُروى عن الإمام أحمد عن الحسن البصريّ أنّه سُئل عن رجل يصوم التطوع، فسأله أحد أبويه أن يُفطِر؛ فقال الحسن: "يفطر وله أجر البرّ، وأجر الصّوم[٢١] وإذا غضب الأب من الابن يومًا في نقاش أو ما شابه فيجب على الابن حينها أن يسكت ولا يجادل حتّى وإن كان الحقّ معه لا مع أبيه.[١٣]


أحسن إليه

كيف يحسِن الإنسان علاقته بمن حوله؟

لقد منّ الله -عزّ وجلّ- على عباده بأن دلّهم على طرائق لتحسين حياتهم، ومن ذلك أنّه جعل له أمورًًا من شأنها تحسين العلاقة بينهم، فقد أمر الله -جلّ وعلا- عباده بالإحسان، ودلّهم عليه وأنبأهم أنّ من شأن الإحسان أن يرفع البغضاء التي تدخل أحيانًا في قلوبهم، فقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}،[٢٢]


وينبغي ألّا يفوت الإنسان المسلم أن الله تعالى عندما أمره ببرّ الوالدين في أكثر من موضع في كتابه العزيز؛ خاطبك بلفظة الإحسان فقال الله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}،[٢٣] وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}،[٢٤] وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا}،[٢٥]، والإحسان إلى الوالدين يعني برّهما، وحفظهما، وصيانتهما، وإجابة أوامرهما، وطاعتهما في المعروف.

[٢٦]


أصلح نفسك!

كيف يهذّب الإنسان نفسه؟

إنّ من أعظم ما يعين المسلم على حسن طاعة الله -جلّ وعلا- واجتناب نواهيه هو إصلاح النّفس وعصيان هواها، قال الماوردي: "هذب أيها الإنسان نفسك بافتكار عيوبك؛ فإن من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ"،[٢٧] فإنّ الإنسان إن أحسن في تهذيب نفسه علم كيف يسوسها وكانت له سلاحًا مُشرعًا في وجه كلّ ما يصيبه من سوء.[٢٨]


أمّا عن تهذيب النّفس، فإنّما يكون بمجاهدتها على المعروف وزجرها عن غيره، ويكون ذلك بجعلها في موقفٍ وسطٍ بين إطلاقها في شهواتها التي تحبّ، وبين عزلها عن حقوقها ومنعها ممّا أحلّ لها، وكلا الأمرين ذميم، وحقيقٌ بالمسلم أن يجعل نفسه بين بين، فإن أرادت ما تشتهي أُعطيت منه بقَدَرٍ ولم تتطلّع إلى غيره، أو بعبارة ابن الجوزيّ رحمه الله: "فيكون معها كالملك إذا مازح بعض جنده".[٢٩]


فكّر بإيجابية!

هل يؤثر التفكير الإيجابي على النفس؟

إنّه لجديرٍ بالإنسان المسلم الذي يعرف قدره في هذه الدّنيا، ويعرف قدر هذه الدّنيا فيه أن يكون أكثر إيجابيّةً في النّظر، فهو يرى في كلّ منحة منحة، ويضيء شمعة أملٍ من كلّ ألم، وحريّ به ألّا يتسرّع الحكم على الخلق حتّى يتثبّت، وأن يجعل حُسنَ الظّنّ بهم منهجَه حتّى الرّمق الأخير، فإنّ النّظرة الإيجابيّة للأقدار هي في أصلحا حُسنُ ظنٍّ بالله سبحانه، وحسن ظنّ العبد بالله يسوق إليه كلّ خير كما يقولابن القيّم.[٣٠]


خلاصة القول، إنّ الإنسان في هذه الدّنيا إنّما هو في دار اختبار وابتلاء لا جزاء، وليس مُستَغرَبٌ في دار الابتلاء كثرة مشاكلها وهمومها، بل ذاك هو الطّبيعيّ، ستطحنكَ الدّنيا يا أنتَ بكلّ ما أوتيت من قوّة، نعم، ستتكتّل عليك الهموم و الخطوب وتصيبُك النّوائب بكلّ ما استطاعت، فليس عليكَ أن تستَغربَ هذا، إنّما الغريب فعلًا أن تعيش بها مرتاحًا.[٣١]


فإن أنتَ أدركتَ هذه الحقيقةَ هانت عليكَ بكلّ ما فيها، وطلبتَ بجدٍّ نيل رضا الله -سبحانه- لعلمِك أنّ المُستقرّ الحقيقيّ والسّعادة المرجوّة والرّاحة الأبديّة هناك، فصِرتَ حينها مُحبًّا لوالدكَ داعيًا له بالخير صابرًا على ما قد تناله من الأذى في سبيل ذلك.[٣٢]


المراجع[+]

  1. سورة البقرة ، آية:155
  2. المحلي، جلال الدين، تفسير الجلالين، صفحة 32. بتصرّف.
  3. الواحدي، التفسير البسيط، صفحة 558. بتصرّف.
  4. مجموعة من المؤلفين، فتاوى الشبكة الإسلامية، صفحة 639. بتصرّف.
  5. مجموعة من المؤلفين، فتاوى الشبكة الإسلامية، صفحة 198. بتصرّف.
  6. ^ أ ب محمد رضا، محمد صلى الله عليه وسلم، صفحة 496. بتصرّف.
  7. سورة آل عمران ، آية:104
  8. أَبُو اليُمْن العُلَيْمي، فتح الرحمن في تفسير القرآن، صفحة 7 - 8. بتصرّف.
  9. سورة المائدة، آية:79
  10. السمعاني، أبو المظفر، تفسير السمعاني، صفحة 56 - 57. بتصرّف.
  11. رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن عبدالله بن عمرو، الصفحة أو الرقم:8512 ، صحيح.
  12. الصنعاني، التنوير شرح الجامع الصغير، صفحة 148. بتصرّف.
  13. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين، فتاوى الشبكة الإسلامية، صفحة 1959. بتصرّف.
  14. ^ أ ب عبد السلام هارون، كناشة النوادر، صفحة 76. بتصرّف.
  15. سلمان العودة، دروس للشيخ سلمان العودة، صفحة 58. بتصرّف.
  16. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:7875، حديث صحيح.
  17. الحَمِيدي، ابن أبي نصر، الجمع بين الصحيحين، صفحة 229. بتصرّف.
  18. مجموعة من المؤلفين، مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 143. بتصرّف.
  19. سورة البقرة، آية:186
  20. محمد بن إبراهيم الرومي، ثقة المسلم بالله تعالى في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 17. بتصرّف.
  21. أزهري أحمد محمود، كتاب بر الوالدين، صفحة 8. بتصرّف.
  22. سورة فصلت، آية:34
  23. سورة الأنعام، آية:151
  24. سورة الإسراء، آية:23
  25. سورة العنكبوت ، آية:8
  26. أزهري أحمد محمود، كتاب بر الوالدين، صفحة 6 - 7. بتصرّف.
  27. محمد بن إبراهيم الحمد، كتاب سوء الخلق، صفحة 70. بتصرّف.
  28. علي بن عمر بادحدح، دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح، صفحة 10 - 11. بتصرّف.
  29. ابن الجوزي، صيد الخاطر، صفحة 157. بتصرّف.
  30. سليمان بن حمد العودة، شعاع من المحراب، صفحة 41. بتصرّف.
  31. مجموعة من المؤلفين، مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 361 - 362. بتصرّف.
  32. ليلى عطار، كتاب آراء ابن الجوزي التربوية، صفحة 145. بتصرّف.