فقه التعاون في رمضان

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٢١ ، ١٤ أبريل ٢٠٢٠
فقه التعاون في رمضان

مفهوم التعاون

في الحديث حول مفهوم فقه التعاون في رمضان، فلا بدّ أولاً من بيان مفهوم التعاون، فكلمة التعاون على وزن : فعل :سَاعَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً يقول الله -سبحانه وتعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ}[١]، حيث إن الرابطة التي تجمع المسلمين على اختلاف أعراقهم هي التي نصير بها كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر، وبه يحصل التعاون فيما بينهم،-و بدون هذه الرابطة الوثيقة- فإنّ الحال ستكون مثل حالة الجاهلية أو أشد، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ"[٢] وهذه الرابطة ألا وهي رابطة الدين تتلاشى أمامها رابطة القومية و الوطنية و النسب و الحزبيّة و سائر صور التعصب على الباطل، وبذلك تترسّم صورة التعاون بين النّاس قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}[٣]، وسيبين هذا المقال فقه التعاون في رمضان.[٤]

فقه التعاون في رمضان

في الحديث عن فقه التعاون في رمضان، فحينئذ يحسن بيان ما يحصل في شهر رمضان المبارك من التعاون وحسن الصلة بين المسلمين، فيعتبر شهر رمضان العامل الأساس لغرس وتقوية التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع، ومن صور التعاون بين المسلمين في رمضان كثرة المساهمات والمساعدات عند الإفطار كنصب موائد الطعام وغيرها كثير، وأفضل ما يميّز ويكون ظاهرًا من هذه الصور صلة الأرحام والتواصل بينهم بدعوة بعضهم بعضًا على الإفطار، وهذا مشاهد وهو من أوضح صور التعاون بين المسلمين في شهر رمضان المبارك، ويضاف إلى ذلك ما يكون من التراحم والتوادّد بين الأسر و الأصدقاء والأحباب وكلها مشاعر راقية ومعانٍ سامية يسعى الإسلام بتعاليمه لتأصيلها وترسيخها في نفوس المسلمين، وأيضًا يساعد التعاون في شهر رمضان المبارك على وحدة المجتمع وتقوية روابطه وسواعده وتكافله، قال الله -تبارك وتعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[١]، قال الإمام القرطبي -رحمه الله- : "وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى؛ أي: ليُعِنْ بعضكم بعضًا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه، وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الدالَ على الخيرِ كفاعلِه"[٥]، وتتعدّد صور التعاون بين المسلمين في رمضان ومن هذه الصور:[٦]

تفطير الصائمين في رمضان

عند الحديث حول فقه التعاون في رمضان يجب بيان صور هذا التعاون وأسمى صورة فيه هي تفطير الصائمين فيه، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "من فطَّرَ صائمًا كانَ لَهُ مثلُ أجرِهِ غيرَ أنَّهُ لا ينقصُ من أجرِ الصَّائمِ شيءٌ"[٧] ويحتمل الإفطار للصائم في الحديث الذي يترتّب عليه هذا الأجر، إمّا أن يفطّره ولو شربة ماء، والقول الثاني لابدّ أن يفطره حتى يشبعه.[٨]

إطعام المساكين في رمضان

وردت نصوص من الكتاب والسنة تحضّ على إطعام المساكين، وتحذّر من تركهم وعدم الاهتمام بهم، فمّما ورد في السنة النبويّة المطهّرة ممّا يحثّ على إطعام المساكين؛ ما رواه الإمام أحمد في المسند عَنْ عَائِشَةَ أم المؤمنين -رضي الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُرَبِّي لِأَحَدِكُمْ التَّمْرَةَ وَاللُّقْمَةَ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ"[٩]، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؛ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي[١٠]، وممّا جاء في الترهيب من عدم الحضّ على إطعام الطعام للمساكين أو منعه؛ قوله تعالى في ذكر صفات من أوتي كتابه بشماله-: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}[١١]، وقوله -تبارك وتعالى-: {كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}[١٢]، [٦]

التعاون على البر والإحسان

وهذا يظهر جليًّا ويكون واضحًا في شهر رمضان المبارك، فترى النّاس يتسابقون إلى فعل الخيرات ويتسارعون في البرّ والإحسان والخير في هذا الشهر، من إطعام للمساكين، وتقويّة للصلة والألفة والمحبة بين أفراد الأسر والعائلات، وأيضًا من أعظم صور البر والإحسان في شهر رمضان المبارك إفطار الصائمين.[٦]

أهمية التعاون في التكافل الاجتماعي

يظهر أهمية التعاون في التكافل الإجتماعي من خلال معرفة أنّ التعاون من صفات المؤمنين يقول الله -تبارك وتعالى-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }[١٣]وفي الحديث قال -صلى الله عليه وسلم-: "المسلمونَ تتَكافأُ دماؤُهم يسعَى بذمَّتِهم أدناهُم ويُجيرُ عليهِم أقصاهُم وَهم يدٌ علَى مَن سِواهُم يردُّ مُشدُّهم علَى مُضعفِهم ومُتسرِّيهم علَى قاعدِهم لا يُقتلُ مؤمنٌ بِكافرٍ ولا ذو عَهدٍ في عَهدِه"[١٤]، وأقسام النّاس في التعاون: أربعة قال الماوردي - رحمه الله -: "الناس باعتبار ما يقدمونه من معاونة وما يحققونه من معاني الأخوة والتعاون إلى أقسام أربعة:

الأول: من يعين ويستعين، الثاني: من لا يعين ولا يستعين، الثالث: من يستعين ولا يعين، الرابع: من يعين ولا يستعين".[١٥]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب سورة المائدة، آية: 2.
  2. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 4402، حديث صحيح.
  3. سورة آل عمران، آية: 103.
  4. "تعريف و معنى تعاون في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، 13-4-2020. بتصرّف.
  5. رواه الألباني ، في صحيح الترمذي، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 2670، حسن صحيح.
  6. ^ أ ب ت "رمضان يعلمنا التعاون والصلة"، www.alukah.net، 13-4-2020. بتصرّف.
  7. رواه الألباني، في صحيح الترغيب، عن زيد بن خالد الجهني، الصفحة أو الرقم: 1078، حديث صحيح.
  8. "تفطير الصائمين"، al-maktaba.org، 12-4-2020. بتصرّف.
  9. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 3317، حديث صحيح.
  10. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2569، حديث صحيح.
  11. سورة الحاقة، آية: 30-34.
  12. سورة الفجر، آية: 17،18.
  13. سورة النور، آية: 71.
  14. رواه الألباني، في صحيح أبي داود، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 2751، حديث حسن صحيح.
  15. "فضل التعاون في الإسلام"، www.alukah.net، 13-4-2020. بتصرّف.