شعر مدح الرجال

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٢٢ ، ١ مارس ٢٠٢٠
شعر مدح الرجال

شعر المدح

يُعدُّ الشعر أحد أهمّ أعمدة الأدب العربيّ منذ القديم إن لم يكن الأهم، فقد ظهر منذ العصر الجاهليّ إلى العصر الحديث من لا حصر لهم من الشعراء الذين أثرَوا المكتبة العربيّة والأدب العربيّ بملايين القصائد التي تمثّل العصب الأكبر الذي يغذّي الثقافة العربيّة، وقد كان غرض المدح أو المديح غرضًا قديمًا من أغراض الشعر العربي منذ العصر الجاهلي، وقد عُني هذا الغرض بعناية الشعراء فاعتنوا به وضافوا عليه قصائد كثيرة، فكان الشعراء يمدحون الرجل بما فيه من صفات الرجولة والفروسية، وبعد مجيء الإسلام صار الشعراء يضيفون الصفات الإسلامية على الممدوح؛ ليزيدوه بذلك قَبولًا عند سامع هذا الشعر، وسيقف هذا المقال مع قصائد من شعر مدح الرجال.[١]

شعر مدح الرجال

لقد مرّ غرض المدح في الشعر العربي من العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي فما بعده بتطوّرات كبيرة غيّرت من مفهوم شعر مدح الرجال في بعض مفاصله، فبعد أن كان الرجل يُمدح بالكرم والحِلم والسّخاء والمروءة والبأس والعدل وحماية الجار والشجاعة وغير ذلك من الصفات العربية المثالية للرجل الحقيقي الفارس؛ صار الشعراء يمدحون الممدوح بصفات يغلّفونها بلبوس الصّفات الإسلاميّة المشهورة؛ كالتواضع، والورع والتقوى والوقار، وغير ذلك من الصفات التي ترتبط بمفاهيم الدّين الإسلامي السّمح، ولعلّ أكثر من مدحهم الشعراء منذ فجر الإسلام هم الخلفاء؛ إذ كان الشعراء يتكسّبون بمدح الخلفاء، وحتى لو كان الخليفة سيّئ الخُلُق وغير جدير بتلك المدائح فإنّهم كانوا يغالون في مدحه، ولعلّ السّبب في ذلك هو مدحهم لشخصيّة الخليفة فيه لا هو بعينه، فهم يمدحون خليفة المسلمين جميعًا الذي تُعقَدُ عليه آمال الأمّة، فلا أحد يعلم عن شخصيّته الحقيقية سوى المقرّبين منه، وذلك ليبقى كبيرًا في عيون العامّة.

وجسم قصيدة المديح بقي ثابتًا منذ العصر الجاهلي إلى بدايات العصر الحديث، فيبدأ الشاعر بمقدمة طلليّة أو غزليّة -وهو ما يُسمّى النّسيب- يفتتح بها قصيدته ليشدّ القارئ إليه، ثمّ يصف بعدها طريقه إلى الممدوح وهو يركب الإبل أو الخيل إلى أن يصل إلى الممدوح، ثمّ بعدها يدخل الشاعر في صلب القصيدة وموضوعها الأهم وهو مدح الرجل المقصود من نظم القصيدة منذ البداية، فيُسهب الشاعر في وصف صفات الممدوح وخصاله الفريدة وغير ذلك، ومن مندوحة الذّكر القول أنّه في العصور التالية للعصر الإسلامي ومع سكن المسلمين في الحواضر والانتقال من الحياة القديمة إلى حياة الحواضر والقصور فإنّ بعض الشعراء استبدلوا وصف الرياض والطبيعة بوصف الديار والوقوف عليها.[١]

قصائد في شعر مدح الرجال

بعد الوقوف مع شعر المديح ولمحة عنه ونبذة من تاريخ شعر مدح الرجال منذ العصر الجاهلي وإلى العصر الحاضر، وكذلك بعد الوقوف مع جسم قصيدة المديح صار لا بدّ من ذكر بعض القصائد التي فيها شعر في مديح الرجال، وفي هذه الفقرة سيُذكر طرف من قصيدة كعب بن زهير -رضي الله عنه- في مدح سيّد الرجال على الإطلاق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،[٢] وأطراف من قصيدتين في المدح للمتنبّي، الأولى في مدح بدر بن عمار،[٣] والثانية في مدح سيف الدولة الحمداني،[٤] وبعض الأبيات كذلك في مدح سيف الدولة،[٥] وأبيات لعبيد الله بن قيس الرّقيّات في مدح مصعب بن الزّبير رضي الله عنهما:[٦]

  • قصيدة البردة لكعب بن زهير، أو قصيدة بانت سعاد كما تُعرف أيضًا، وممّا قاله فيها في مديح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:[٢]

أُنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللَهِ أَوعَدَني

وَالعَفُوُ عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ

مَهلًا هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَةَ الـ

ـقُرآنِ فيها مَواعيظٌ وَتَفصيلُ

لا تَأَخُذَنّي بِأَقوالِ الوُشاةِ وَلَم

أُذِنب وَلَو كَثُرَت عَنّي الأَقاويلُ

لَقَد أَقومُ مَقامًا لَو يَقومُ بِهِ

أَرى وَأَسمَعُ ما لَو يَسمَعُ الفيلُ

لَظَلَّ يُرعَدُ إِلّا أَن يَكونَ لَهُ

مِنَ الرَسولِ -بِإِذنِ اللَهِ- تَنويلُ

ما زِلتُ أَقتَطِعُ البَيداءَ مُدَّرِعًا

جُنحَ الظَلامِ وَثَوبُ اللَيلِ مَسبولُ

حَتّى وَضَعتُ يَميني لا أُنازِعُهُ

في كَفِّ ذي نَقِماتٍ قيلُهُ القيلُ

لَذاكَ أَهَيبُ عِندي إِذ أُكَلِّمُهُ

وَقيلَ إِنَّكَ مَسبورٌ وَمَسؤولُ

مِن ضَيغَمٍ مِن ضِراءَ الأُسدِ مُخدِرَةً

بِبَطنِ عَثَّرَ غيلٌ دونَهُ غيلُ

يَغدو فَيَلحَمُ ضِرغامَين عَيشُهُما

لَحمٌ مِنَ القَومِ مَعفورٌ خَراذيلُ

إذا يُساوِرُ قِرنًا لا يَحِلُّ لَهُ

أَن يَترُكَ القِرنَ إِلّا وَهُوَ مَفلولُ

مِنهُ تَظَلُّ حَميرُ الوَحشِ ضامِرَةً

وَلا تُمَشّي بِواديهِ الأَراجيلُ

وَلا يَزالُ بِواديِهِ أخَو ثِقَةٍ

مُطَرَّحُ البَزِّ وَالدَرسانِ مَأكولُ

إِنَّ الرَسولَ لَسَيفٌ يُستَضاءُ بِهِ

مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللَهِ مَسلولُ

في عُصبَةٍ مِن قُرَيشٍ قالَ قائِلُهُم

بِبَطنِ مَكَّةَ لَمّا أَسَلَموا زولوا

زَالوا فَما زالَ أَنكاسٌ وَلا كُشُفٌ

عِندَ اللِقاءِ وَلا ميلٌ مَعازيلُ

شُمُّ العَرانينِ أَبطالٌ لَبوسُهُمُ

مِن نَسجِ داوُدَ في الهَيجا سَرابيلُ

بيضٌ سَوابِغُ قَد شُكَّت لَها حَلَقٌ

كَأَنَّها حَلَقُ القَفعاءِ مَجدولُ

يَمشون مَشيَ الجِمالِ الزُهرِ يَعصِمُهُم

ضَربٌ إِذا عَرَّدَ السودُ التَنابيلُ

لا يَفرَحونَ إِذا نالَت رِماحُهُمُ

قَومًا وَلَيسوا مَجازيعًا إِذا نيلوا

لا يَقَعُ الطَعنُ إِلّا في نُحورِهِمُ

ما إِن لَهُم عَن حِياضِ المَوتِ تَهليلُ
  • قصيدة المتنبّي في مدح بدر بن عمّار:[٣]

تَشكو رَوادِفَكِ المَطِيَّةَ فَوقَها

شَكوى الَّتي وَجَدَت هَواكَ دَخيلا

وَيُعيرُني جَذبُ الزِمامِ لِقَلبِها

فَمَها إِلَيكِ كَطالِبٍ تَقبيلا

حَدَقُ الحِسانِ مِنَ الغَواني هِجنَ لي

يَومَ الفِراقِ صَبابَةً وَغَليلا

حَدَقٌ يُذِمُّ مِنَ القَواتِلِ غَيرَها

بَدرُ بنُ عَمّارِ بنِ إِسماعيلا

الفارِجُ الكُرَبَ العِظامَ بِمِثلِها

وَالتارِكُ المَلِكَ العَزيزَ ذَليلا

مَحِكٌ إِذا مَطَلَ الغَريمُ بِدَينِهِ

جَعَلَ الحُسامَ بِما أَرادَ كَفيلا

نَطِقٌ إِذا حَطَّ الكَلامُ لِثامَهُ

أَعطى بِمَنطِقِهِ القُلوبَ عُقولا

أَعدى الزَمانَ سَخاؤُهُ فَسَخا بِهِ

وَلَقَد يَكونُ بِهِ الزَمانُ بَخيلا

وَكَأَنَّ بَرقًا في مُتونِ غَمامَةٍ

هِندِيُّهُ في كَفِّهِ مَسلولا

وَمَحَلُّ قائِمِهِ يَسيلُ مَواهِبًا

لَو كُنَّ سَيلًا ما وَجَدنَ مَسيلا

رَقَّت مَضارِبُهُ فَهُنَّ كَأَنَّما

يُبدينَ مِن عِشقِ الرِقابِ نُحولا

أَمُعَفِّرَ اللَيثِ الهِزَبرِ بِسَوطِهِ

لِمَنِ اِدَّخَرتَ الصارِمَ المَصقولا

وَقَعَت عَلى الأُردُنِّ مِنهُ بَلِيَّةٌ

نُضِدَت بِها هامُ الرِفاقِ تُلولا

وَردٌ إِذا وَرَدَ البُحَيرَةَ شارِبًا

وَرَدَ الفُراتَ زَئيرُهُ وَالنيلا

مُتَخَضِّبٌ بِدَمِ الفَوارِسِ لابِسٌ

في غيلِهِ مِن لِبدَتَيهِ غيلا

ما قوبِلَت عَيناهُ إِلّا ظُنَّتا

تَحتَ الدُجى نارَ الفَريقِ حُلولا

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ

وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها

وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

يُكَلِّفُ سَيفُ الدَولَةِ الجَيشَ هَمَّهُ

وَقَد عَجَزَت عَنهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ

وَيَطلِبُ عِندَ الناسِ ما عِندَ نَفسِهِ

وَذَلِكَ مالا تَدَّعيهِ الضَراغِمُ

يُفَدّي أَتَمُّ الطَيرِ عُمرًا سِلاحُهُ

نُسورُ المَلا أَحداثُها وَالقَشاعِمُ

وَما ضَرَّها خَلقٌ بِغَيرِ مَخالِبٍ

وَقَد خُلِقَت أَسيافُهُ وَالقَوائِمُ

هَلِ الحَدَثُ الحَمراءُ تَعرِفُ لَونَها

وَتَعلَمُ أَيُّ الساقِيَينِ الغَمائِمُ

سَقَتها الغَمامُ الغُرُّ قَبلَ نُزولِهِ

فَلَمّا دَنا مِنها سَقَتها الجَماجِمُ

بَناها فَأَعلى وَالقَنا تَقرَعُ القَنا

وَمَوجُ المَنايا حَولَها مُتَلاطِمُ

وَكانَ بِها مِثلُ الجُنونِ فَأَصبَحَت

وَمِن جُثَثِ القَتلى عَلَيها تَمائِمُ

طَريدَةُ دَهرٍ ساقَها فَرَدَدتَها

عَلى الدينِ بِالخَطِّيِّ وَالدَهرُ راغِمُ

تُفيتُ اللَيالي كُلَّ شَيءٍ أَخَذتَهُ

وَهُنَّ لِما يَأخُذنَ مِنكَ غَوارِمُ

إِذا كانَ ما تَنويهِ فِعلًا مُضارِعًا

مَضى قَبلَ أَن تُلقى عَلَيهِ الجَوازِمُ

وَكَيفَ تُرَجّي الرومُ وَالروسُ هَدمَها

وَذا الطَعنُ آساسٌ لَها وَدَعائِمُ

وَقَد حاكَموها وَالمَنايا حَواكِمٌ

فَما ماتَ مَظلومٌ وَلا عاشَ ظالِمُ

أَتوكَ يَجُرّونَ الحَديدَ كَأَنَّهُم

سَرَوا بِجِيادٍ ما لَهُنَّ قَوائِمُ

إِذا بَرَقوا لَم تُعرَفِ البيضُ مِنهُمُ

ثِيابُهُمُ مِن مِثلِها وَالعَمائِمُ

خَميسٌ بِشَرقِ الأَرضِ وَالغَربِ زَحفُهُ

وَفي أُذُنِ الجَوزاءِ مِنهُ زَمازِمُ

تَجَمَّعَ فيهِ كُلُّ لِسنٍ وَأُمَّةٍ

فَما تُفهِمُ الحُدّاثَ إِلّا التَراجِمُ
  • أبيات للمتنبّي في مدح سيف الدولة:[٥]

يا سيف دولةِ دين اللَه دُم أبدا

وعش برغم الأعادي عيشةً رغدا

هل أذهَلَ الناسَ إلا خيمةٌ سقَطَت

من المكارِمِ حتى ألقت العمدا

خرَّت لوجهكَ نحو الأرض ساجدةً

كما يَخِرُّ لوجهِ اللَه مَن سجَدا
  • أبيات لعُبيد الله بن قيس الرقيّات في مدح مصعب بن الزبير رضي الله عنهما:[٦]

إنّما مُصعَبٌ شِهابٌ من الله

تَجلَّتْ عن وجهِهِ الظَّلماءُ

مُلكُهُ مُلكُ عِزَّةٍ ليس فيها

جبروتٌ منه ولا كبرياءُ

يتّقي الله في الأمورِ وقد

أَفلَحَ من كان همُّهُ الاتّقاءُ

المراجع[+]

  1. ^ أ ب "الشعر خصائصه وأغراضه وفنونه.. غرض المديح"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 28-02-2020. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ (البردة)"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 28-02-2020. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "في الخد إن عزم الخليط رحيلا"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 28-02-2020. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "على قدر أهل العزم تأتي العزائم"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 28-02-2020. بتصرّف.
  5. ^ أ ب "يا سيف دولة دين الله دم أبدا"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 28-02-2020. بتصرّف.
  6. ^ أ ب "سير أعلام النبلاء / مصعب بن الزبير"، ar.wikisource.org، اطّلع عليه بتاريخ 28-02-2020. بتصرّف.