خطبة عن العلم النافع

خطبة عن العلم النافع


خطبة عن العلم النافع

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي جعل العلوم النافعة رافعة لأهلها إلى أعلى الدرجات، كما جعل العلوم الضارة هابطة بهم إلى أسفل الدركات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كامل الأسماء والصفات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أشرف المخلوقات، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والكرامات، نحمدُ الله -تعالى- القائلُ في كتابه: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).[١][٢]



الوصية بالتقوى

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ولُزوم طاعته، وأُحذّركم ونفسي من مُخالفته وعصيان أوامره، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[٣] فاتقوا الله عباد الله تفلحوا في الدُّنيا والآخرة، اتقوه وتعلّموا أحكام شرعه بطلبكم للعلم، فإن العلم هّدى ونور، وتعلّموا وحيه الذي أنزلهُ على رسوله، فالعلم ميراثُ الأنبياء، فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافرٍ من هذا الميراث، بالإضافةِ إلى أنه رفعةٌ لكم في دُنياكُم وآخرتكم.[٤]



الخطبة الأولى

أيُّها المسلون: قد حثّ الله -تعالى- عباده المؤمنين على تعلُمِ ما ينفعهم في دينهم ودُنياهُم، حتى كان من دُعاء النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لربه أن يُعطيه العلم النافع، وأن يدفع عنه العلم غير النافع، بل وحثّ صحابته على هذا الدُعاء بقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (سَلوا اللهَ علمًا نافعًا، و تعوَّذوا باللهِ من علمٍ لا ينفَعُ).[٥]



وقد قسّم نبيّنا-صلَّى الله عليه وسلَّم- العلم إلى نوعين؛ العلم النافع لأصحابه وحامليه، والعلم الضار لأصحابه وحامليه، ويُعرف العلم النافع من الضار بما يترتّب عليه من آثار؛ فالعلوم النافعة تُطهّر القُلوب وتُزكّيها، وتُنمي الأخلاق وتُكمّلُها، وتُرغّب أهلها في المُسارعة إلى الخيرات، وتُحذرهُم من الشُرور والمُنكرات، وتدعُوهم إلى التواضع والإخلاص، وتحملُهم على التواضع ومحبة الناس.[٦]



وفي المُقابل نجد أيُّها الأحبة أنَّ العُلوم الضارة تُدنّس النُفوس، وتُميت الأخلاق عند صاحبها، وتحمله على التكبُّر والغُرور، وتحثُه على فعل الشُّرور، والإعجاب بنفسه مع احتقاره لغيره، وقد يصلُ به إلى الإنتقاص من حق والديه ومن له حُقوقٌ عليه، ومن أفضل ما يستمدُ منه الإنسانُ علمه تلك الفئة التي عاصرت النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وجالسوه، وتعاملوا معه، وهم جيل الصحابة الكِرام رضوان ربي عليهم جميعاً، فهم استناروا بنور هديه، واتبعوا دينه، وتوجيهاته.[٦]



معشر المسلمين: إنَّ من أعظم العلوم النافعة أن يكون المُسلم على بصيرةٍ بتقوى ربه، ويكونُ على درايةٍ بشرعه ودينه، ومعرفة الحلال والحرام، وتعلّم كل ما ينفعه في دينه وكل ما سيُسأل عنه يوم القيامة، بينما نجد الجاهل يتخبّط في غياهب جهله، ولا يتمكن من معرفة ما يُصلحهُ في دينه وآخرته، وقد يقع الإنسانُ في الحرام، كبيع العينة مثلاً؛ لجهله أنه نوعٌ من البيوع المُحرمة، وقد حدث هذا فعلا في السابق؛ حيث وقع أحد الصحابة فيه وهو زيد بن أرقم، فقالت عائشة -رضي الله عنها- لبعض الصحابة أخبروه أن حجّه وجهاده بطلا إلا أن يتوب، وبيع العينة أيها الأخوة يعني أن يبيع المسلم السلعة بثمن مؤجل، ثم يعود فيشتريها نقداً بثمن أقل.[٧]


وقد استعاذ نبيكُم -صلَّى الله عليه وسلَّم- من العلم الذي لا ينفع؛ وهو العلم الذي يُبعد المُسلم عن خشية ربه، ولا يقوده لطاعته، أو هو العلم الذي لا طائل منه، فهو إن لم يضر لم ينفع، وهو ضار لأنَّه ذلك يحرق وقت الإنسان ويضيعه بدلاً من استثماره فيما ينفعه، وقد سأل نبيُّنا -صلَّى الله عليه وسلَّم- من ربه العلم النافع؛ وهو العلم الذي يُكسب صاحبه خشية ربه، وينفعه في دينه ودنياه، وترى أثره على أفكارك ومن بعدها على أفعالك وتصرفاتك.[٨]



أيُّها الأخوة الكرام: إنَّ العلم غير النافع لا يورث صاحبه الخشية، بل يزيده طغياناً فوق طُغيانه، وجهلاً فوق جهله، ويكون صاحبه أضاع فيه الوقت والجهد ولم يخرج بطائل منه، وأمَّا العلم النافع فله علامات كثيرة وفضائل عدة؛ فهو ما ينصلح به القلب، وينشرحُ به الصدر، وتُزكّى به النفس، وتطيب به الأقوال، وتكرّم الأعمال، ويهدي به الخالق عبده طريقاً إلى الجنة، عباد الله، تحرّوا أعماركم في طلب في طلب العلم النافع تحصلوا على جليل المنافع، لا سيما وقد يسر الله لكم في هذا الزمان سُبله، وهيّأ لكم وسائله؛ فقد شاع العلم في سائر الأقطار، وبلغ ما بلغ الليل والنهار، يسير فوق الرياح، ويسمع في الغدو والرواح.[٩]



أيُّها الموحدون: فلنُقبل على تعلّم الكِتاب والسُنة والتفقهِ فيهما، ولننفق فيهما أعمارنا، فهو والله خير استمثار لها، ولنحرص جميعاً على العمل بما جاء فيهما، وألا يكون علمنا علماً على الألسن فقط، أيُّها الفُضلاء، إنَّ العلم الشرعي سبيل من السُّبل إلى النور، وتكفير السيئات، والزيادة في الحسنات، قال -تعالى-: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).[١٠][٩]



وإن ممَّا جاء في الشعر العربي في فضل العلم وأهله:


رَأَيْتُ العِلمَ صاحِبَهُ كَريمٌ وَلَوْ ولدتْهُ آباءٌ لِئَامُ

وليسَ يَزالُ يرْفَعُهُ إلى أَنْ يُعَظِّمَ أَمْرَهُ القَوْمُ الكِرامُ

ويتْبعُونَهُ في كُلِّ حَالٍ كَراعي الضَّأْنِ تَتْبَعُهُ السَّوامُ

فلوْلا العِلْمُ مَا سَعِدَتْ رِجَالٌ وَلا عُرِفَ الحَلالُ وَلا الحَرامُ



إخوتي فيه الله: إنَّ من ثمار العلم النافع القُرب من الله -تعالى-، ونيل العبد المؤمن فيه درجة المُتقين، ويكون من الوارثين لنبيهم -عليه الصَّلاةُ والسَّلام-، كما أنَّ العلم يُزكّي صاحبه، ويرفعُ من قدره عند الله -تعالى- وبين الناس، وممّا يزيدُ من فضل العلم أنَّ القُرآن لم يقبل المُقارنة بين أهل العلم وغيرهم، لِقولهِ -تعالى-: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)؛[١١] فالعالم يعبدُ ربه على علمٍ وبصيرة، ويُساعد غيره في بيان أحكام الشرع، ويكونون طريقاً لغيرهم في تعريفهم بالله، ليكون علمهم بذلك طريقاً لهم لِدُخول الجنة، والحُصول على نعيمها،[١٢] إنَّ العلم أيها الأحبة حياةُ القُلوب، وشفاء الصُدور، والميزان الذي توزن به الرجال.[١٣]



الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى وأنزل عليه آياتٍ بينات، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته، وألوهيته، ومالَه من الأسماء والصفات، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله المؤيَّدُ بالمعجزات الباهرات، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب الظاهرة والكرامات، وسلَّم تسليماً كثيراً، عباد الله، اتقوا ربكم، وتعلموا العلم الذي يستقيمُ به دينكم، ويُقربكم منه، وقد بيّن النبيّ -عليه الصّلاةُ والسّلام- أنّ أفضل العلم ما كان في الدين، لِقوله: (مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ)؛[١٤] وقد دَلَّ هذا الحديث على أنَّ الذي لا يفقَهُ أمورَ دينه دليلٌ على أن الله لم يُردْ به خيراً حتى ولو تعلَّمَ العلوم الدنيوية وتبحَّر فيها؛ لأنها علومٌ معاشية فقط لا تستحقُّ مدحاً ولا ذمّاً، ووصف الله -تعالى- أصحاب هذه العُلوم بقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ* يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).[١٥]



إخوتي الكرام: إنَّ العلم الذي يكون فقط لأجل الدُنيا وشؤونها وصاحبه غافلاً عن الآخرة لهو علم من العلوم غير النافعة لصاحبها، وقد ورد عن الحسن البصريّ قوله: "والله ليبلُغُ أحدُهُم بدنياه أنَّه يقلِّبُ الدرهمَ على ظُفرِه، فيخبرُك بوزنِه وما يُحْسِنُ أن يصليَ"، فحريٌ بالمُسلم المُتعلم أن يكونَ واعياً بالعلوم التي حوله ووزنها وثقلها الحقيقي وألا ينخدعُ بمظاهرها.[١٦]



الدعاء

  • اللهم إنّا نسألك علماً، وحلماً، وإيماناً، وتقوى، اللهم إنّا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً مُتقبلاً، اللهم إنّا نعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن قلبِ لا يخشع، اللهم إنّا نسألك من الخير كُله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم إنّا نسألُك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى.
  • اللهم إنّا نسألُك الإخلاص في القول والعمل، اللهم آتنا في الدُنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر للمؤمنين، والمؤمنات، والمُسلمين، والمُسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم إنّا نعوذ بك من درك الشقاء، وجهد البلاء، وشماتة الأعداء، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا همّاً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا حاجة من حوائج الدُنيا والآخرة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها لنا يا أرحم الراحمين.
  • اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدُنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مُصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدُنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، واجعله الوارث منا.



المراجع[+]

  1. سورة الزمر، آية:9
  2. عبد الرحمن السعدي (1991)، الفواكه الشهية في الخطب المنبرية والخطب المنبرية على المناسبات (الطبعة 1)، صفحة 245، جزء 1. بتصرّف.
  3. سورة آل عمران، آية:102
  4. محمد العثيمين (1988)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 5، جزء 1. بتصرّف.
  5. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن جابر بن عبدالله، الصفحة أو الرقم:3635، حسن.
  6. ^ أ ب عبد الرحمن السعدي (1991)، الفواكه الشهية في الخطب المنبرية والخطب المنبرية على المناسبات (الطبعة 1)، صفحة 245-247، جزء 1. بتصرّف.
  7. عبد الرحيم الطحان (2010)، خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان، صفحة 25، جزء 65. بتصرّف.
  8. عبد الرحيم الطحان، خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان، صفحة 20، جزء 149. بتصرّف.
  9. ^ أ ب عبد الله القصير (20-10-2009)، "الترغيب في طلب العلم النافع"، ملتقى الخطباء، اطّلع عليه بتاريخ 18/6/2021. بتصرّف.
  10. سورة المائدة، آية:15-16
  11. سورة الزمر، آية:9
  12. حسين وهدان (20-9-2017)، "فضل العلم وأهله (خطبة)"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 18/6/2021. بتصرّف.
  13. "العلم وفضله"، موقع الشيخ خالد المصلح، اطّلع عليه بتاريخ 18/6/2021. بتصرّف.
  14. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن معاوية بن أبي سفيان، الصفحة أو الرقم:1037، صحيح.
  15. سورة الروم، آية:6--7
  16. صالح الفوزان (24-6-2015)، "الحث على تعلم العلم النافع"، ملتقى الخطباء، اطّلع عليه بتاريخ 18/6/2021. بتصرّف.

95 مشاهدة