خطبة جمعة عن الصبر

خطبة جمعة عن الصبر
خطبة جمعة عن الصبر

مقدمة الخطبة

الحمد لله -تعالى- الذّي حثّ عباده على الصّبر، وجعل الصّبر مفتاحاً للفرج، الحمد لله الذّي أعلى درجات الصّابرين، وأعظّم لهم الأجور، الحمد لله الذّي بشّر عباده الصّابرين بصلوات منهم ورحمة، ووعدهم بأجرهم دون حساب، نستغفره، ونستعين به، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلّا هو وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ونبّيه -صلّى الله عليه وسلّم- خير من صبر على البلوى وعلى الأذى، عليه أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وعلى آله وأصحابه وعلى من اهتدى بهديه إلى يوم الدّين.[١]


الوصية بتقوى الله

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله -تعالى- في السّر والعلن، وطاعته في المَنْشَط والمَكْره، وذكره في الشّدة والرّخاء، والصّبر على طاعته، وعلى معاصيه، وعلى أقداره كلّها، فاتّقوا الله عباد الله، فإنّ تقوى الله رأس الأمر كلّه، قال الله -تعالى-: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).[٢][٣]


الخطبة الأولى

عباد الله، اعلموا أنّ الصّبر من الإيمان كمنزلة الرّأس من الجسد، فمن لا صبر له لا إيمان له، وما أُعطي أحد أوسع وأخيرعطاءً من الصّبر، ومن يطلب الصّبر يُصبّره الله -تعالى-، وإنّ الصّبر لهو الفاصل بين أصحاب العزيمة وبين الجبناء، وإنّ الصّبر لمن سمات الأنبياء والمرسلين ومن مقامات أولياء الله الصّالحين، وقد قال الله -تعالى- في عباده الصّابرين: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا)،[٤] وإنّ أهل الجنّة ما استحقّوها إلّا لأنّهم صبروا وما جزعوا، قال الله -تعالى-: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ* سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ).[٥][٣]


أيّها المسلمون، اعلموا أنّ الله -تعالى- لا يبتلي إلّا من أراد به خيراً، وإنّ الله -تعالى- ليُنزل البلاء على عباده، فمنهم من يتلقّاه بقلبٍ صابرٍ مُحتسب ونفسٍ مطمئنّة، فينعم بالأجر والثّواب والدّرجات العُلى، ومنهم من يتلقّاه بقلب جزع ونفس يائسة، وهذا حرم نفسه من خير وأجر كبيرين.[١]


والصّبر له أقسام ثلاثة: أوّلها وأعظمها الصّبر على طاعة الله تعالى-، بأن يُلزم المرء نفسه على طاعة الله -تعالى- وعلى العبادات، ويؤدّيها كما أمره الله -تعالى- دون نقصان، فلا يتضجّر منها ولا يتذمّر، بل ينتظر أداء الطّاعة تلو الطّاعة؛ لعلمه بما أعدّ الله -تعالى- على التزامه، فإنّ الله -تعالى- وعد المؤمنون أن يكافأهم على كلّ حسنة عشر حسنات، ثمّ يضاعفها لهم إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يُضاعف لمن يشاء، فعطاؤه واسع لا انقطاع له، والصّبر على الطّاعة يجعل المرء يألف العبادة ويحبّها، بل وينتظرها بفارغ الصّبر.[٦]



واعلموا عباد الله، أنّ ثاني أنواع الصّبر هو الصّبر عن المعصية، فإنّ إمساك النّفس عن الوقوع في المعاصي والمنكرات لا سبيل للمؤمن إليه دون الصّبر والاستعانة بالله -جلّ وعلا-، فيبقى العبد متيقّظاً وحابساً نفسه عن كلّ ما يُغضب خالقه، ويحبس نفسه عن الوقوع بها سواءً في خلوته أو في العلن، ويسارع إلى ترك المعاصي، ولا يظلم نفسه بارتكابها، لأنه يعلم ما أعدّه الله -تعالى- يوم القيامة للعاصين الظّالمي أنفسهم. ومَنْ صبر عن ارتكاب المنكرات؛ عزفت نفسه عنها، وكرهها، وكره أصحابها، والمجالس التي يُعصى فيها الله -جل جلاله-.[٦][٧]



قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عندما قال: (حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ)،[٨] فالجنّة محفوفة بارتكاب المكاره، ومن ركبها وتحمّلها وصل إلى الفوز الأبدي الخالد، والنّار محوطة بالشّهوات واللّذات مَنْ ركبها واستلذّ بها هلك في نار جهنّم، ما يدلّ على أنّ أداء الطّاعة والبعد عن المعصية من المكاره والمشاقّ التي يحتاج المسلم إلى كثير من الصّبر معها، ولكنّ من تقرّب من الله -عزّوجلّ- وقويت به صلته زالت عنه تلك المشقّة.[٣]



أيّها المسلمون، إنّ الصّبر يكون أيضاً على أقدار الله -تعالى-، وعلى ما قسمه له -تعالى- على عبده في حياته، وعلى حلو الأقدار ومرّها، فيصبر على الهموم، والأكدار، والابتلاءات، ويتحمّلها دون جزع وسخط من الرّب، فالمرض ابتلاء يحتاج إلى صبر، وقلّة المال ابتلاء يحتاج صبر، وقلّة العمل وحرمان الذّريّة، وضيق الحال، كلّها ابتلاءات موزّعة بين العباد، لا يخلو أحد منّا منها، ولا بدّ من الصبر على البلاء، فهناك الصّابرون الحامدون وهناك الجزعون اليائسون، أمّا الصّابرون فهم مطمئنون مرتاحو البال وإن قلّ رزقهم وعملهم وكثرت مصائبهم، لأنّهم يعلمون حقّ اليقين ما أعدّ الله لهم من رفع لدرجاتهم وتكفير لسيّئاتهم.[٩]


قال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)،[١٠] وإنّ الله -تعالى- يا إخوتي من عدله ورحمته لم يترك المبتلى دون أن يجازيه، حتّى وإن شاكته شوكة أو أصابه صداع يسير في رأسه،[٩] فقد ورد أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وعد من فقد حبيبتيه -أي عينيه- بالجنّة، وهو جزاء عظيم يريح بال المُبتلى.[١١]
ولنا وقفة مع قول الشّاعر:

اصْبِرْ لكـلِّ مصيبـةٍ وتجَلَّدِ واعلم بأنّ المرءَ غيرُ مُخَلـَّدِ

أَوَ ما ترى أنّ الْمصائبَ جَمَّةٌ وترى الْمنيّةَ للعبـاد بِمَرْصَدِ

مَن لم يُصب ممن ترى بمصيبةٍ هذا سبيلٌ لستَ فيـه بأَوْحَدِ

وإذا ذكرتَ مصيبةً تَسْلُو بها فاذكر مُصَـابَكَ بالنبي محمّدِ[١٢]


الخطبة الثانية

الحمد لله -تعالى- الذّي جعل الحياة الدّنيا دار ابتلاء، والحمد له أنّه جعل عِظم الجزاء مع عِظم البلاء، والحمد لله الذّي جعل الأنبياء والمرسلين أسوةً لنا في عِظم صبرهم على البلاء، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، الذّي خلق الموْت والحياة ليبلوَ عباده ويختبرهم أيّهم أحسن وأيّهم أخير عملاً، وصلّ اللهم على سيّدنا محمّد الذّي صبر وشكر، وطُرد من عشيرته فلم يتأثّر، ومات أولاده فدمعت عيناه وقلبه ما كفر، وعلى أصحابه الصّابرين الشّاكرين أفضل الصّلاة والسّلام.



وبعد، فإنّ الصّبر شجرة مثمرة، تُؤتي أكلها في الدّنيا قبل الآخرة، وهو تجارة رابحة، وصفقة عادلة؛ لأنّها تكون بين العبد وبين العادل الذّي لا يظلم أحداً، وإنّ الله -تعالى- ابتلى عباده بالموت، وجعله واعظاً لهم، والكيّس الفطن من أدرك حقيقة هذه الدّنيا وأرجع كلّ ما فيها لله -تعالى-.[١٣]



وإنّ من ثمرات الصّبر؛ هوان المصائب والبلايا على صاحبها، فمهما عظُمت بليّة المؤمن وتكدّرت حياته بها، فإنّه لا يسخط، ولا يجزع، وحسْب الصّابرون ثناء الله تعالى- عليهم، ومعيّته لهم، قال الله -تعالى-: (وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِين)،[١٤] وهم يوفّون أجورهم كاملة دون حساب جزاء لهم على صبرهم، ويكفيهم بشرى الله -عزّوجل- لهم بالطّمأنينة، والرّاحة، والسّكينة، فالصّبر ليس أمراً هيّناً ولا يقوى عليه إلّا أولي العزائم، جعلنا الله منهم، وحسْبُهم بشرى الملائكة لهم: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.[١٥]

فاتّعظ أخي المسلم واصبر، واشكر، ولا تجزع، ولا تشكو همّاً أصابك لبشر، وارضَ بما قسمه الله لك تكن أغنى النّاس، وإن أصابك خطبٌ استرجع وقل: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وتذكّر أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك.



الدعاء

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة:

  • اللهمّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، واقض واصرف عنّا شرّ ما قدّرت وقضيت، إنّك تقضي بالحقّ ولا يُقضى عليك.
  • ندعوك يا الله بما دعاك به نبّيك محمّد -صلّى الله عليه وسلّم-، اللهمّ إنّا نشكو إليك ضعف قوّتنا وقيلة حيلتنا وهواننا على النّاس، إلى من تكلنا إلى ضعيف يتجهّمنا أم إلى قريب ملّكته أمرنا، اللهمّ إن لم يكن بك علينا غضبٌ فلا نبالي، غير أنّ رحمتك هي أوسع لنا.
  • اللهمّ اجعلنا من زمرة عبادك الصّابرين القانتين، اللهمّ واحشرنا مع الأولياء والصّالحين.
  • اللهمّ ارزقنا الصّبر على البلاء، وعند ملاقاة الأعداء، اللهمّ اجعلنا ممن تقول لهم يوم الحساب: سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدّار.
  • اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك.
  • اللهمّ إنّا نستغفرك من لحظة ضعف أو سخط أو كلمة خرجت من أفواهنا في حالة غضب، (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).[١٦]
  • اللهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين، ودمّر أعداءك أعداء الدّين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلّ اللهمّ على سيّدنا محمّد المبعوث رحمة للعالمين.


المراجع[+]

  1. ^ أ ب طه الساكت (6/2/2017)، "خطبة قصيرة عن الصبر"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 18/6/2021. بتصرّف.
  2. سورة البقرة، آية:281
  3. ^ أ ب ت عبد العزيز الغامدي (14/5/2016)، "الصبر على البلاء"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 18/6/2021. بتصرّف.
  4. سورة الفرقان، آية:75
  5. سورة الرعد، آية:23-24
  6. ^ أ ب محمد بن عثيمين (1988)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 110، جزء 1. بتصرّف.
  7. محمد الشنقيطي، دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي، صفحة 36. بتصرّف.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:2822، صحيح.
  9. ^ أ ب محمد بن عثيمين (1988)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 112، جزء 1. بتصرّف.
  10. سورة البقرة، آية:155-157
  11. محمد التويجري (2010)، مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة (الطبعة 11)، المملكة العربية السعودية:دار أصداء المجتمع، صفحة 252. بتصرّف.
  12. عبد الله السحيباني (22/10/2018)، "الصبر"، ملتقى الخطباء، اطّلع عليه بتاريخ 18/6/2021. بتصرّف.
  13. أحمد صفوت، جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 120، جزء 3. بتصرّف.
  14. سورة الأنفال، آية:46
  15. مجموعة من المؤلفين، خطب المسجد الحرام، صفحة 48. بتصرّف.
  16. سورة البقرة، آية:250

108 مشاهدة