خصائص الشعر في العصر العباسي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٣٧ ، ١٤ أكتوبر ٢٠١٩
خصائص الشعر في العصر العباسي

الأدب في العصر العباسي

مع بداية الدولة العباسية في بغداد على يد المنصور نَشُطت الحركة الأدبيّة في العصر العباسي ولا سيّما بعد قيام الخليفة ببناء القصور والجسور والأسواق، ثم ما لبثت إلا أن عُمِّرت وقيمت بها العديد من المكتبات والمساجد فأمَّها العلماء والأدباء والمهندسون والصُّناع. بالتالي تعاظم شأن بغداد في القرن الرابع وأصبحت مركز الحضارة والمدنية والعلم والأدب وبلغت من الازدهار مبلغها، وظلَّت البادية الرافد لهذه المدن بمواد اللغة والأخبار والأشعار. وتمثلت الحركة الأدبيّة بالنثر والخطابة حيث كانا فنيين حدثيين اقتضتهما طبيعة الحضارة المدنية، ولا يغفل في هذا الجانب أيضًا الشِّعرحيث كان له النصيب الأكبر بهذه الحركة واختلفت موضوعاته باختلاف البيئة، وكانت خصائص الشعر في العصر العباسي متميّزة.[١]

شعراء العصر العباسي

حظيَ الشاعر في العصر العباسي بمكانة مرموقة؛ فكان الخلفاء والأمراء إذا وفد إليهم شاعرًا وأعجبهم شعره أبقوه في حاشيتهم، ونتج عن هذا أن أصبح معظم الشعراء يقيمون في بغداد والبعض الآخر بقي في بلاده ويأتي بالمواسم المختلفة، وهنا انقسم الشعراء إلى قسمين قسم يعيش الحياة المدنية والحضارة والقسم الآخر ما زال يعيش البداوة. أما شعراء المدنية اتخذوا لأنفسهم مذهبًا مخالفًا لمذهب أهل البداوة في نظم الشعر[٢] ونتج عنه تغير في خصائص الشعر في العصر العباسي. وبرز لدينا في هذا العصر الكثير من الشعراء سيلقي المقال الضوء على أهمّهم.

  • البحتري: اسمه الوليد بن عبد الله، ولُقب بالبحتري نسبة إلى جدّه، تلقى علومه الأولى في حلب، وعندما أتقن البحتري الشعر ذهب إلى العراق وقد بلغت شهرته ذروتها هناك، وصاحب فيها الأمراء والخلفاء أصبح شاعر البلاط، وله قصيدة سينية مشهورة يمدح بها الخليفة المتوكل.[٣]
  • أبو تمّام: يُدعى حبيب بن أوس الطائي، هو من أشهر شعراء هذا العصر وكان مثالًا يحتذى به من قبل الشعراء، تميّز شعره بقوة السّبك وكان متميزا باختياره للمعاني الشعرية وكان كثير الاختراع والتوليد فيها، وتميز بالتأنق في البيان لفظًا ومعنى. [٣]
  • بشار بن برد: هو أبو معاذ بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء، كان من فحول الشعراء في هذا العصر، تناول الموضوعات المختلفة بشعره، لكن أكثر ما برع به هو "بالهجاء" وكان يستخدم الألفاظ البذيئة به، وكان معروف عنه بأنه زنديق.[٣]
  • أبو نوّاس: اسمه الحسن بن هانئ بن الصّباح، عُرف عنه بأنه شاعر الخمر فقد كان شاعرًا مَجونًا، وكان لا يترك الخمر ليل نهار ويصفها بشعره بل وصل الحال به إلى أن يضع القواعد والأصول لشربها.[٣]
  • أبو العلاء المعرّي: هو أحمد بن عبد اللّه بن سليمان التّنوخي، جاء المعرّي من بيت علم ورياسة وحكمة، وكان حكيمًا جدا، وغير متمَلِّق فكان إذا مدح أحدًا مدحه لأنه يحمل من الصفات التي تستحق المدح، لُقب برهين المحبسين، وكان متأثرًا جدا بالمتنبّي، وللمعرّي ديوان شعر اسمه "اللزوميات" وشعره بأغلبه شعر فلسفيّ.[٣]
  • المتنبّي: أبو الطّيب المتنبّي، اسمه أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصّمد الجُعفي الكِنْدي الكوفي، وهو من أشهر من السيف على العلم، ويرتبط اسم المتبنّي دائما بسيف الدّولة الحمَداني، فقد كان صديقه المقرّب وكتب المتنبّي الكثير من القصائد في مدحه. [٣]

خصائص الشعر في العصر العباسي

عند الحديث عن خصائص الشعر في العصر العباسي فأنّ هذا يختلف عن الحديث عن خصائص الشعر في أي عصر آخر؛ فالشعر في العصر العباسي بلغ أَوْج ازدهاره وطرأت عليه الكثير من التغيرات ولاسيّما في المعاني أو في بناء القصيدة ككل، وكانت التغيرات ناتجة عن تغيّر الفكر البشري بحد ذاته لما شهده من مظاهر مدنية مختلفة وانفتاحه على البلاد الأخرى مثل بلاد فارس واليونان، فيما يلي سيُعرض أهم خصائص الشعر في العصر العباسي.

  • طريقة النظم: وتعتبر هذه من أهم خصائص الشعر في العصر العباسي حيث كان الشعراء منذ الجاهلية وحتى عصور متقدمة ينظمون القصيدة العربية على شكل محدد مثل الوقوف على الأطلال والبكاء على المحبوبة..الخ، لكنّ الأمر اختلف في العصر حيث بدأ الشعراء بانتقاد الطريقة القديمة بالكتابة، وبدأوا محاولات التجديد للخروج من هذه القيود وأوّل من قام بها هو المتنبّي والمعرّي.[٤]
  • المعاني الفلسفية: تميز هذا العصر بوجود معانٍ جديدة لم يتطرّق لها من سبقهم من الشعراء، وكانت هذه المعاني ناجمة عن اختلاط العرب بالعجم، وبسبب الترجمة، وهنا بدأ الشعراء اقتباس المعاني الفلسفية المختلفة مثل الحكم اليونانية والأمثال القديمة.[٥]
  • البديع: ظهر البديع بشكل كبير بسبب أن طبيعة اللّغة تقبل الاستعارة و الكناية وغيرها من المحسنات البديعية وكان بشار بن برد وابن هرمة هم مَن وظفوها، وانتهى الأمر بابن المعتز الذي كان أكثر العلماء توظيفًا لعلم البديع وألطفهم، مما أضاف لهذا الشعر العذوبة والرّقة.[٤]
  • المبالغة: بالغ هؤلاء الشعراء-شعراء العصر العباسي- مبالغة لم يُسبق لها من أقرانهم من الشعراء القدماء وإن من أكثر ما بالغوا به هو المديح ومن أكثر الشعراء الذين بالغوا بالمديح هو المتنبّي.[٦]
  • التجديد بالأوزان والقوافي: جدّد هؤلاء الشعراء بالأوزان و الأبحر الشعرية وكان هذا بسبب انتشار الغناء فمالوا إلى الأوزان الشعرية الخفيفة التي تتناسب مع هذا الفن وكانت وهذه من أكثر خصائص الشعر في العصر العباسي تميّزًا.[٦]
  • طول القصائد: حيث طالت القصائد في هذا العصر حيث كانت تحتوي القصيدة الواحدة على مئات الأبيات؛ حيث نهجوا نهج الإلياذة والأوديسة ومن الأمثلة على هذا "كتاب كليلة ودمنة".[٦]
  • الوصف: أجاد شعراء هذا العصر بالوصف فكانوا يصفون مظاهر الحضارة من حولهم مثل القصور والتلاع بالإضافة إلى أنهم قاموا بوصف الطبيعة، وأكثروا من الشعر الوصفي وذلك بسبب اتساع مخيلة العقلية العربية بالإضافة إلى تنوع المعاني وتميّزت لغتهم بأنها كانت لغة عذبة رقيقة وتميل إلى الخِفّة.[٦]

أغراض الشعر في العصر العباسي

بعد الحديث عن خصائص الشعر في العصر العباسي لا بُدّ أن تذكر الأغراض الشعرية التي خرج لها وهي المدح والهجاء والرثاء والغزل لكن بالإضافة إلى هذه الأغراض الشعرية ظهر لدينا أغراض جديدة بسبب -العوامل التي ذكرت سابقًا- وكان من هذه الأغراض الجديدة الشعري الفلسفي والفِكري وكان المعرّي من رواده، وظهر شعر المجون والزندقة وكان متمثلًا ببشار بن برد، وظهرشعر الزُّهد والتأمّل وكان أبو العتاهية ممن كتبوا به، وظهر الشعر الصوفي متمثلًا بالحلّاج.[١]

شواهد شعرية

بعد الانتهاء من الحديث عن خصائص الشعر في العصر العباسي و أغراضه وأهم شعرائه يجب أن يُعرض نماذج شعرية توثق ما قيل آنفًا، والتي ستزيد من فهم المُتلقي لهذا المقال ومن الشّواهد الشّعرية ما يأتي:

  • قال المتنبّي في مدح سيف الدولة الحمداني:[٧]

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ

وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ.

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها

وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

يُكَلِّفُ سَيفُ الدَولَةِ الجَيشَ هَمَّهُ

وَقَد عَجَزَت عَنهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ
  • قال أبو نوّاس في وصف الخمر:[٧]

ألا فاسقِني خمراً، وقل لي: هيَ الخمرُ،

ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ

فما العيْشُ إلاّ سكرَة ٌ بعد سكرة ٍ،

فإن طال هذا عندَهُ قَصُرَ الدهرُ

وما الغَبْنُ إلاّ أن ترَانيَ صاحِيا

و ما الغُنْمُ إلا أن يُتَعْتعني السكْرُ
  • 'ما قاله المعرّي في شعر الحكمة:[٧]

غَيْرُ مُجْدٍ في مِلّتي واعْتِقادي

نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنّمُ شادِ

وشَبِيهٌ صَوْتُ النّعيّ إذا قِي:

سَ بِصَوْتِ البَشيرِ في كلّ نادِ

أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أمْ غَنْـ

نَت عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيّادِ
  • ما قاله أبو العتاهية في شعر الزهد:[٧]

آمَنتُ بِاللَهِ وَأَيقَنتُ

وَاللَهُ حَسبي حَيثُما كُنتُ

كَم مِن أَخٍ لي خانَني وُدُّهُ

وَلا تَبَدَّلتُ وَلا خُنتُ

الحَمدُ لِلَّهِ عَلى صُنعِهِ

إِنّي إِذا عَزَّ أَخي هُنتُ
  • ما قاله ابن الرّومي في شعر الرثاء:[٧]

بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْدي

فجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا عندي

بُنَيَّ الذي أهْدَتْهُ كَفَّايَ للثَّرَى

فَيَا عِزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرة المُهدِي

ألا قاتَل اللَّهُ المنايا ورَمْيَها

من القَوْمِ حَبَّات القُلوب على عَمْدِ
  • ما قاله علي بن الجهم في الغزل:[٨]

عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ

جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري

أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن

سَلَوتُ وَلكِن زِدنَ جَمراً عَلى جَمرِ

سَلِمنَ وَأَسلَمنَ القُلوبَ كَأَنَّما

تُشَكُّ بِأَطرافِ المُثَقَّفَةِ السُمرِ

المراجع[+]

  1. ^ أ ب " الأدب في العصر العباسي"، "www.marefa.org"، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-8. بتصرّف.
  2. "الإستجداء "، "www.almerja.com"، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-8. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث ج ح " شعراء العصر العباسي"، "www.al-hakawati.la.utexas.edu"، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-9. بتصرّف.
  4. ^ أ ب " مميزات الشعر في العصر العباسي الأول "، "www.almerja.com"، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-9. بتصرّف.
  5. " مميزات الشعر في العصر العباسي الثاني"، "www.almerja.com" ، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-9. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث " مميزات الشعر في العصر العباسي الثالث "، "www.almerja.com"، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-9.بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت ث ج "العصر العباسي"، "www.aldiwan.net"، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-10.
  8. "عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ"، "www.adab.com"، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-10.