جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٥٣ ، ٢٣ مايو ٢٠١٩
جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان

القرآن الكريم

لقد بعث الله تعالى رسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالهدى والحق، بعثه إلى الناس أجمعين وأيده بالقرآن الكريم حجة معه على الناس ليتفكر أولو الأبصار، والقرآن الكريم هو كلام الله -عز وجلّ- المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بيد يديه ولا من خلقه، قال تعالى في سورة فصلت: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[١]، وقد حفظ الله تعالى كتابه الحكيم من التحريف أو الضياع، فهيأ له أهل رشد وصلاح يكتبونه ويحفظونه ويحققون قدر الله تعالى، فكان كلام الله ولم يزل معصومًا من الخطأ والتحريف والتبديل، وهذا المقال سيتناول الحديث عن جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.

جمع القرآن الكريم في عهد رسول الله

في الحديث عن جمع القرآن الكريم في عهد رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- تجبُ الإشارة في البداية إلى أنَّ القرآن الكريم نزل مفرَّقًا ولم ينزل جملة واحدة، وهذا ما أشار إليه الله تعالى في سورة الفرقان في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}[٢]، وكان الآيات القرآنية تنزل متفرقة فيحفظها رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- من الوحي مباشرة ثمَّ يقرؤها على أصحابه، وكان لرسول الله -عليه الصَّلاة والسَّلام- مجموعة من الصحابة الذين أوكل إليهم رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- مهمة كتابة الآيات القرآنية، فكان إذا نزلت آية جاء إليهم وأملاها عليهم وأمرهم بوضعها في ترتيبها الصحيح كما تلقاها من الوحي جبريل -عليه السَّلام-، وثبت عن رسول الله -عليه الصَّلاة والسَّلام- أنَّ راجع القرآن الكريم مرتين في السنة التي توفِّي فيها أي في سنة 11 للهجرة، ثمَّ توفِّي رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بعد أن أعطى القرآن للصحابة الذين حفظوه في صدورهم وكتبوه على الألواح والحجارة التي كانوا يكتبون عليها، والله تعالى أعلم.[٣]

جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق

بعد وفاة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- واستلام أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- خلافة المسلمين، تنبَّه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى أنَّ عددًا كبيرًا من الصحابة حفاظ القرآن الكريم استشهدوا في معركة اليمامة التي خاضها المسلمون ضد مسيلمة الكذاب في سلسلة حروب الردة، فأشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- أن يجمع القرآن الكريم خوفًا عليه من الضياع بموت الحفظة، فاستجاب أبو بكر -رضي الله عنه- لمشورة عمر وأمر زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن يجمع القرآن الكريم، فذهب زيد يبحث عن حفظ القرآن الكريم وعن الألواح التي كُتب فيها القرآن فحفظه كلَّه في مصحف واحد، وبقي هذا المصحف عند أبي بكر الصديق حتَّى توفَّاه الله تعالى، فأخذه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ثمّ بعد وفاة عمر أخذته حفصة بنت عمر -رضي الله عنها-، وقد قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "أعظمُ النَّاسِ أجرًا في المصاحفِ أبو بكرٍ، إنَّ أبا بكرٍ كان أوَّلَ من جمع القرآنَ بين اللَّوحَيْن"[٤]، والله تعالى أعلم.[٥]

جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان

بعد أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في عهد خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وبعد أنْ تفرَّق صحابة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- في الأمصار البعيدة، دخل أقوام أعاجم في الإسلام وانتشرت القراءات واللهجات المختلفة في القرآن الكريم، فخاف الناس أن يختلف القرآن في لفظه أو كتابته فقام عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بجمع القرآن الكريم وكتابته وقراءته على لهجة ولغة قريش وهي لغة العرب ولهجتهم، وقد جاء عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- في صحيح السنة أنَّه قال: "إنَّ حُذَيْفَةَ بنَ اليَمَانِ، قَدِمَ علَى عُثْمَانَ وكانَ يُغَازِي أهْلَ الشَّأْمِ في فَتْحِ أرْمِينِيَةَ، وأَذْرَبِيجَانَ مع أهْلِ العِرَاقِ، فأفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ في القِرَاءَةِ، فَقالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أدْرِكْ هذِه الأُمَّةَ، قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا في الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ والنَّصَارَى، فأرْسَلَ عُثْمَانُ إلى حَفْصَةَ: أنْ أرْسِلِي إلَيْنَا بالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا في المَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إلَيْكِ، فأرْسَلَتْ بهَا حَفْصَةُ إلى عُثْمَانَ، فأمَرَ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيْرِ، وسَعِيدَ بنَ العَاصِ، وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا في المَصَاحِفِ، وقالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إذَا اخْتَلَفْتُمْ أنتُمْ وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ في شيءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بلِسَانِ قُرَيْشٍ، فإنَّما نَزَلَ بلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حتَّى إذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ في المَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إلى حَفْصَةَ، وأَرْسَلَ إلى كُلِّ أُفُقٍ بمُصْحَفٍ ممَّا نَسَخُوا، وأَمَرَ بما سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ في كُلِّ صَحِيفَةٍ أوْ مُصْحَفٍ، أنْ يُحْرَقَ"[٦]، فالحديث صريح وواضح يدل على أنَّ عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أتى بنسخة القرآن التي احتفظت بها حفصة بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنها- ثمَّ دعا الزبير بن العوام وزيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبر الرحمن بن الحارث بن هشام -رضي الله عنهم- وأمرهم بجمع القرآن الكريم في نسخ متعددة ثمَّ أرسل نسخة من النسخ إلى كلِّ ولاية تابعة للمسلمين، وأمر بحرق كلِّ ما دون ذلك من الكتاب حتَّى يأمن حفظ كتاب الله تعالى من التزوير والتحريف، والله أعلم.[٧]

ترتيب سور القرآن الكريم

بعد الحديث عن جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- جدير بالذكر إنَّ العلماء اختلفوا في أمر ترتيب سور القرآن الكريم، فقال بعضهم إنَّ ترتيب السور كان في عهد رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وقال بعضهم إنَّ بعض السور رتبت في عهد رسول الله وبعضها رتبها الصحابة الكرام، وهذه بعض أقوال العلماء في مسألة ترتيب سور القرآن الكريم:[٨]

  • البيهقي: "كان القرآن على عهد النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مرتبًا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة".
  • ابن عطية: "كثير من السور كان قد عُلم ترتيبها في حياته -صلَّى الله عليه وسلَّم- كالسبع الطوال والحواميم والمفصّل وأنَّ ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فَوَّض الأمر فيه إلى الأمة بعده".
  • الكرماني: "ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب وعليه كان -صلَّى الله عليه وسلَّم- يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين".
  • ابن فارس: "جمع القرآن على ضرْبين: أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين فهذا الذي تولته الصحابة، وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور فهو توفيقي تولاه النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- كما أخبر به جبريل عن أمر ربه".

المراجع[+]

  1. سورة فصلت، آية: 41-42.
  2. سورة الفرقان، آية: 32.
  3. "المراحل التي مرت بها كتابة القرآن وجمعه"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 22-05-2019. بتصرّف.
  4. رواه ابن كثير، في فضائل القرآن، عن عبد خير الهمداني، الصفحة أو الرقم: 57، إسناده صحيح.
  5. "جمع القرآن وترتيبه"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 22-05-2019. بتصرّف.
  6. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 4987، صحيح.
  7. "عثمان بن عفان"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 22-05-2019. بتصرّف.
  8. "ترتيب السور والآيات في المصحف"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 21-05-2019. بتصرّف.