تعريف عن أبي محمد القاسم الحريري

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٢٤ ، ١ أغسطس ٢٠٢٠
تعريف عن أبي محمد القاسم الحريري

أبو محمد القاسم الحريري

هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري الحرامي، وهو أديب من أدباء البصرة،[١] ولد الحريري عام 446هـ الموافق لعام 1054م، وهو أحد أكبر الأدباء العرب، كما أنّه صاحب مقامات الحريري، وقد بلغت مقاماته ما لم يبلغه كتابٌ آخر من كتب الأدب العربيّ من السمعة والشهرة، وما إن انتهى الحريري من تأليفها حتّى جاءه الكُتّاب من بغداد بغية كتابتها، كما اشتعل السباق بين العلماء من أجل قراءتها، وقد قيل أنّ الحريري قد كتب بخطّ يده حوالي سبعمئة نسخة من المقامات خلال عام ، ووصلت شهرتها إلى الأندلس حتّى جاء نفر من علمائها ليقرؤوا المقامات علي الحريري، وعادوا لبلادهم ليعلموها للعلماء والأدباء هناك، توفي الحريري في عام 515هـ الموافق ل1122م،[١] وقيل عنه انّه كان حادّ الذكاء وأنّه كان في غاية الفطنة والبلاغة ومؤلفاته تشهد له بذلك، ولو لم يكن له سوى المقامات لكفته.[٢]

حياة الحريري

ولد أبو محمد قاسم الحريري في المشان وهي أحد الضواحي في مدينة البصرة، ولمّا بلغ ذهب إلى مدينة البصرة وسكن في محلة تدعى بني حرام، وهي أحد القبائل العربيّة التي تسكن البصرة، وتأدَّب الحريري في هذه القبيلة، وقد قرأ العربية على يدي علي بن فضال المجاشعي، كما درس الفقه على يدي أبي إسحاق الشيرازي، وسمع الحديث من عدد من المحدثين والحفّاظ، وإضافةً لعلمه الواسع الكثيف وبمكنّه من الأدب العربي وفنونه، فقد كان الحريري من أصحاب الغنى واليسار، وملك ضيعة نخل كبيرة في قريته المشان، كما ملك منزلًا في البصرة قصده الأدباء والعلماء وطلبة العلم، الذي قرؤوا عليه وانتفعوا من علمه، وقد كان الحريري حادّ الذكاء ويمتلك قدرة كبيرة على الحفظ كما كان حاضر البديهة، مشهود له بالفهم والفطنة، فما إن انتهى من طلب العلم حتّى اتجهت إليه جميع الأنظار، وتسلّم بعدها منصبًا في ديوان الخلافة وهو صاحب الخبر، ولم يُعرف زمن معين لتقلده هذا المنصب، ولكنّه ظل به حتّى توفي.[٣]

مقامات الحريري

المقامة هي أحد الفنون العربيّة الأصيلة والتي سبقتها الحكاية والقصة كإحدى أقدمالفنون النثريّة العربيّة وحتّى أنّها سبقت الشعر العربي القديم واحتلت مكانًا كبيرًا في أدب الشعوب، فقد كان العرب يرددون الحكايات ويتناقلونها كغيرهم من الأمم، وكانت تلك الحكايات والقصص تصوّر عاداتهم وتقاليدهم، وفي القرن الرابع الهجري بدأ فنٌّ جديد في الظهور وهو فنّ المقامات، وكانت في جوهرها تحكي تلك الحكايات والقصص ولكنّ ناظميها أبدعوا في تأليفها وتعمّدوا أن يأنّقوا فيها، وقد تضمنت المقامات النوادر والحكايات إضافةً إلى الجوانب الأخرى الأدبيّة والتاريخيّة والحكميّة،[٤] ومن أكثر الأدباء الذين لمع اسمهم في فن المقامة هو أبو محمد قاسم الحريري وفيما يأتي سيتم تناول جوانب من مقاماته:

البطل والراوي في مقامات الحريري

نسب أبو محمد قاسم الحريري رواية مقاماته هذه إلى شخص يدعى الحارث بن همام، فهو الذي يروي أخبار المقامة، وقد جاء في قول ابن خلكان أنّ الحريري قد قصد بذلك نفسه، والحارث هو الكاسب، أمّا الهمام فهو كثير الاهتمام بشؤونه، وما من شخص إلّا هو همام وحارث، وكان بطل مقامات الحريري رجل يدعى أبو زيد السروجي، وهو أحد المتسولين الذين يعتمدون على سحر البيان وحسن الكلام ليجذبوا اهتمام الناس، ويستلبوا عواطفهم، ويستميلوا عقولهم وذلك ليمنحوهم العطايا، واختلفت الأقوال في حقيقة اسم البطل أبي زيد السروجي فهناك من قال أنّه اسم لشخص من وحي خيال الحريري صاحب هذه المقامات، وقد استوحى اسمه من شحّاذ كان قد لقيه في مسجد بني حرام في مدينة البصرة، وقالت بعض الأقوال أنّه شخصيّة حقيقيّة وليست خياليّة، والقول الأقرب للصواب أنّ هذه الشخصيّة هي شخصيّة من خيال الحريري؛ لينسج حولها حيل الأديب المتسوّل.[٥]

وتبدأ مقامات الحريري بلقاء يجمع الراوي الحارث بن همام مع البطل أبي زيد السروجي في مدينة صنعاء، والاثنان في ريعان الشباب، وكان لقاؤهما عندما وجد الحارث أبا زيد وهو يخطب في الناس ويعظهم، فتبع الحارث أبا يزيد وعرف بأنّه مخادع وكذّاب، وبناءً على هذا اللقاء بنى الحريري أولى مقاماته، وسماها "المقامة الصنعانيّة"، وبعدها أخذ الحارث يجوب البلدان ويواصل أسفاره فيلقى أبا يزيد في العديد من الأماكن، كساحات القضاء وأندية الأدباء ومجالس الولاة، ويلتقيان أخيرًا في مسجد البصرة وقد كَبُرَ سنهما وتقدّم بهما العمر، ويقف أبو زيد في جمهور من الناس ليعلن توبته ويندم على ما اقترفت يداه من الذنوب والآثام، ويقرر العودة إلى بلده "سروج" وينصرف إلى الصلاة والعبادة، ويتوقف الحارث بن همام عن السفر والترحال، ويستكين إلى الراحة، وتنتهي المقامة الأخيرة والخمسون من مقامات الحريري.[٦]

الجمع بين القص والحياة البيانية في مقامات الحريري

يجتمع في مقامات الحريري متعة القصّ والحديث وتحقيق الغاية البلاغيّة البيانيّة، وقد بدأ مقدمة أعماله بقوله: "أنشأت خمسين مقامة تحتوي على جد القول وهزله، ورقيق اللفظ وجزله، وغرر البيان ودرره، وملح الأدب ونوادره، إلى ما وشحتها به من الآيات، ومحاسن الكنايات ووضعته فيها من الأمثال العربية واللطائف الأدبية، والأحاجي النحوية والفتاوى اللغوية، والرسائل المبتكرة، والمواعظ المبكية، والأضاحيك الملهية"، وقد غلبت الصنعة البيانيّة على أحداث الحكاية، مما زاد حبّ الناس وإعجابهم بها تلك البراعة الفائقة والقدرة العالية والفذّة التي ألّف بها الحريري مقاماته، فكأّنما المعجم العربيّ قد نُثر بألفاظه ومفرداته بين يديه ليختار منه ما يريد، لينسج تلك الالفاظ بإتقان عجيب وإحكام دقيق.[٧]

ولم يعتمد الحريري علىالمحسنات البديعية والسجع فقط في مقاماته، بل أضاف إلى ذلك أمور معقدة ولكنّه لم يأبه بهذا التعقيد بل تجاوزه بكلّ براعة، ومثال ذلك ما أورده في مقامته السادسة التي حملت عنوان المراغيّة" وكانت عبارة عن رسالة من البديع تتوالى فيها الكلمات لتكون منقوطةً مرّةً وغير منقوطة مرّة أخرى، ومنها قوله: "العطاء ينجي، والمطال يشجي، والدعاء يقي، والمدح ينقي، والحر يجزي"، كما سُميت مقامته السادسة والعشرون بالرقطاء، وقد احتوت على رسالة توالت حروف الكلمات فيها بشكلٍ متبادل بين النقد وعدمه، ومثال ذلك قوله فيها: "ونائل يديه فاض، وشح قلبه غاض، وخلف سخائه يحتلب".[٨]

الفرق بين مقامات الهمذاني والحريري

كلمة المقامة في أصلها تعني المجلس وقد أطلق اسمها على ما يحكيه الناس في مجالسهم على شكل حكايا لها أصول فنيّة، وبإيجاز فهي حكاية قصيرة فيها شبه حوار درامي، كما فيها مغامرات يقوم راوٍ بروايتها، وسُمّي هذا الراوي في مقامات الهمذاني باسم عيسى بن هشام أمّا في مقامات الحريري فاسمه الحارث بن همام، وأمّا بطل المقامات فاسمه في مقامات الهمذاني أبو الفتح الإسكندري، ومن مقاماته المقامة البغدادية، أمّا في مقامات الحريري فاسمه أبو يزيد السروجي، ويأتي البطل في المقامات بحلّات عديدة فقد يكون ناقدًا سياسيًا أو اجتماعيًّا وقد يكون بطلًا شجاعًا يواجه الأخطار وينتصر عليها، ولربّما كان فقيهًا له باعٌ طويل في مسائلالفقه والدين واللغة، ولكنّ في حالته كلّها هو متسوّل ماكر، يركض وراء ملذاته الشخصيّة، كما هو صاحب شخصية مستهترة، يحتا على الناس بغية الحصول على المال، وقد جعله أصحاب المقامات أديبًا مجديًا في أسلوبه عن ارتجال وبديهة، كما كانت مقامات الهمذاني والحريري هي وصف عام للتقاليد والعادات السائدة في الطبقات الوسطى والطبقات الأدنى منها من المجتمع الإسلاميّ في ذاك الزمان.[٩]

موقف العلماء من مقامات الحريري

وقف العلماء من مقامات الحريري مواقف عدّة، وقد سار الحرير في مقاماته على نهج الهمذاني، فنالت مقاماته إعجاب الأدباء في ذلك العصر، كما شهدوا لها بالبراعة الفائقة من جهة صياغتها اللفظيّة، ولكن لم يخلو الأمر من وجود بعض الناقدين كالأديب الناقد أبي محمد ابن الخشاب البغدادي الحنبلي، وكتب ذلك في كتاب الاعتراض على الحريري، وانتصر النحويّ عبد الله بن بري المصري للحريري من ابن الخشاب، وقد انتقد ابن الخشاب البغدادي مقامات الحريري في تسعة وخمسين موضعًا، مشيرًا إلى أنّ الحريري أمضى الكثير من عمره وهو يختار ألفاظ مقاماته، وقد دلّت على براعته ولكنّه لم يكن مدفوعًا من فطنته الثاقبة فقد أخذ الكثير من مواضعه عن غيره واستعان بهم، كما انتقد الخشاب كثيرًا من مواطن الضعف في مقامات الحريري، وقال ببعدها عن الصواب.[١٠]

وقد دافع ابن بري عن الحريري ضدّ أقوال ابن الخشاب ولكنّ تبريره له كان ضعيفًا لم يدفع النقد عن الحريري، كما أنّ ابن بري اعترف بخطأ الحريري في بعض المواضع، ومن هذه المواضع التي يأخذها ابن الخشاب على الحريري قول الحريري في المقامة الثانية: "تقلب في قواليب الانتساب و يخبط في أساليب الاكتساب"، وقد أخذ عليه في هذا القول استعماله لكلمة قواليب وقال بأنّه خطأ والصواب قوالب فمفردها قالب وهي ككلمتي تابل وجمعها توابل ولا تستخدم كلمة قواليب إلا في الضرورة الشعرية، وقد اعترف ابن بري ضمنيًا بهذا الخطأ ولكنّه برره للحريري بأنّ للسجع وزنٌ أيضًا وضروري كضرورة الوزن في الشعر، وقد ذهب بعض الباحثين بأنّ انتقادات ابن الخشاب لمقامات الحريري كانت قويّة جدًا وعلى قدر عالٍ من الأصالة، على الرغم من كل دفاعات ابن بري ضدها، في حين ذهب بعض الأدباء إلى أنّ انتقادات ابن خشاب للحريري كانت مرّة لاذعة وقد تدخلت بها أهواؤه الشخصية، والحقيقة أنّه بالغ في انتقاداته، وقد اشتدّ في نقده وضخّم الأخطاء التي قال بورودها في المقامات.[١١]

رسائل الحريري وكتبه

للحريري مؤلفات كثيرة تنوعت بين الرسائل الأدبية والمقامات -تمّ الحديث عنها سابقًا- وبين الكتب والشعر، وقد ضاع الكثير منها عبر الزمن، مع جُلّ ما ضاع من التراث الأدبي الإسلاميّ والعربيّ، وفيما يأتي سيتمّ الحدي عن رسائل الحريري وكتبه وأشعاره:

رسائل الحريري

كان للحريري رسائل أدبية إضافةً للمقامات الأدبيّة، ومع الأسف الشديد فلم يتمّ الاحتفاظ بها في خزانة التراث الأدبي العربي، بل ضاعت مع ما ضاع من التراث العربيّ، ولكن تمّ الاحتفاظ ببعضٍ منها في الكتب العربيّة القديمة ككتاب معجم الأدباء لياقوت الحمويّ الذي سجّل رسالتين من رسائل أبي محمد الحريري، وقد اشتهرت هذه الرسائل في عصر الحريري وما تبعه من عصور، وعُرفت إحدى الرسالتين بالسينية، وذلك لأنّ جميع كلماتها لا تخلو من حرف السين، والرسالة الثانية التي اشتهرت بالرسالة الشينية لالتزام كلماتها حرفَ الشين، وقد استهلَّ الحريري رسالته السينية -التي كان قد كتبها على لسان واحد من أصدقائه وهو يعاتب صديقه- بقوله: ""باسم القدوس أستفتح، وبإسعاده أستنجح، سجية سيدنا سيف السلطان،… السيد النفيس، سيد الرؤساء، حُرست نفسه، واستنارت شمسه، وبسق غرسه واتسق أنسه، استمالة الجليس، ومساهمة الأنيس، ومواساة السحيق والنسيب".[١٢]

كتب الحريري

أمّا عن ما ألفه الحريري من كتب غير الرسائل والمقامات الأدبية، فقد جاءت أسماء مؤلفات الحريري في كتاب الأعلام للزركلي وهي درة الخواص و ملحة الأعراب وكتاب المقامات،[١٣] وفيما يأتي تعريف موجز بكلّ واحد من المؤلفات وبعام نشره:

  • درة الغواص في أوهام الخواص: وقد بيّن الحريري في هذا الكتاب أغلاط الكتّاب باستعمالهم الألفاظ في غير موضعها وغير معناها، وقد طُبع هذا الكتاب في القاهرة في مصر وذلك عام 1272هـ الموافق ل 1855م.[١٤]
  • ملحة الأعراب في صناعة الإعراب: وهذا الكتاب عبارة عن أرجوزة شعرية تحدثت عن أصول الإعراب والنحو في اللغة العربيّة، وقد تمّت طباعته في بيروت وباريس والقاهرة،[١٥] وكانت الطبعة الاولى له في القاهرة في مصر عام 1426هـ الموافق ل 2005م.[١٦]
  • مقامات الحريري: وقد احتوى هذا المؤلَّف على مقامات الحريري الأدبيّة، وانتشر في عام 1873م.[١٧]
  • صدور زمان الفتور وفتور زمان الصدور: وهو كتاب في التاريخ.[١٨]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب " أبو محمد القاسم الحريري"، adabworld.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  2. ".أبو القاسم علي بن محمد الحريري:"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  3. "الحريري"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  4. "المقامات، الفن العربي الأصيل"، www.diwanalarab.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  5. "أبو محمد القاسم الحريري"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  6. "أبو محمد القاسم الحريري"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  7. "الحريري"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  8. "الحريري"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  9. "المقامات بين البديع و الحريری "، www.diwanalarab.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  10. "نقد ابن الخشاب لمقامات الحريري الأدبية"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  11. "نقد ابن الخشاب لمقامات الحريري الأدبية"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  12. "أبو محمد القاسم الحريري"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  13. "الحريري"، shamela.ws، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  14. "أبو محمد القاسم الحريري"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  15. "الحريري"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  16. "ملحة الإعراب "، shamela.ws، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  17. "مقامات الحريري"، shamela.ws، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.
  18. "مخطوطة المقامات الحريرية"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-16. بتصرّف.