تعريف المقامة

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٠٢ ، ٢٠ أكتوبر ٢٠١٩
تعريف المقامة

الفنون النثرية في العصر العباسي

ازدهرت الثقافة في العصر العباسي وتنوّعت؛ نظرًا لاختلاط الأجناس العربية بغيرها من الفرس والهنود، وانفتاح الثقافات وازدهار العلوم وظهور المصنفات العلمية والأدبية المختلفة التي تحمل طابعًا علميًا ذا أسس ومعايير معروفة، وشهد العصر العباسي ألوانًا من الفنون النثرية العربية التي أسهمت بدورها إلى جانب النتاج الشعري العظيم في تشكيل ذخيرة وافرة من إبداعات أهل ذلك العصر، ولعلّ من أبرز تلك الفنون النثرية التي شهدها العصر العباسي، الخطابة، والرسائل، والتوقيعات، والمناظرات[١]، وكلها تحمل طابعًا علميًا بحتًا يقوم على الجدية والفكرة المباشرة، إضافة إلى فن المقامات التي جمعت إلى طابعها المعرفي آخر هزليًا يتمثل في الجانب القصصي الخيالي الذي تقوم عليه أسس هذا الفن الذي ستوضح دلالاته، وفنياته في تعريف المقامة لاحقًا.

تعريف المقامة

بما أن المقامة قد عُدّت من أبرز الفنون النثرية في العصر العباسي، فلابد من الوقوف على تعريف المقامة ومفهومها، حيث تشير المقامة في أصل اللغة إلى الجماعة من الناس والمجلس الذي يجتمعون فيه[٢]، وقد اشتق من هذا المفهوم آخر يبين تعريف المقامة كما اصطلح عليها النقاد والدارسون، فهي تعني: فن أدبي نثري، يقوم على أسس القص والسرد الحكائي، وتدور في معظمها حول الكدية، ويتخذ كاتبها لها راوٍ وبطل وبعض الشخصيات الثانوية، وفيها يحتال البطل لكسب المال والفرار به، وتصاغ في قالب لغوي محكم، يضج بالمفردات الجزلة، والمعاني العميقة، وهي مشحونة بكثافة لغوية جعلت منها مادة أساسية لتعليم اللغة للتلاميذ في العصر العباسي.

هذا بالإضافة إلى ما أرسته من أصول تفرعت عنها ألوان فنية من النثر العربي فيما بعد كفني القصة والرواية، في وقت لم يكن النثر فيه يحظى بتلك الشهرة البالغة التي حازها الشعر بألوانه، عدا عن كونها إبداعًا عربيًا أصيلًا، يحمل في مضمونه مكنونات المجتمع العباسي الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ويحمل معاناته في طلب الرزق وتأمين سبل الحياة، ويرجع أصل هذا الفن إلى ما عرف بسجع الكهان، وأحاديث ابن دريد، وقد استلهم بديع الزمان الهمذاني منه هذا الفن، فكتب مقامات عديدة منها: المقامة البغدادية، والمقامة المضيرية، والمقامة البصرية، وقد تابعه الحريري في هذا الفن مبتدعًا من مقاماته، التي عرف واشتهر بها، خمسين على غرار الهمذاني ومنها: المقامة الصنعانية والمقامة الاسكندرية، وقد اتخذ أصحاب المقامات من أسماء الأماكن أو المأكول والمشروب أسماء لها، حتى كأنها تحمل سمة ذلك المكان وأهله، وحاجتهم الأساسية التي باتت مطلبا صعبًا يشق الحصول عليه.[٢]

عناصر المقامة

ثمّة تقارب واضح في البُنية الفنية بين المقامة والقصة، لاسيما فيما يتعلق بما تقوم عليه من أسس وعناصر، تمنح المقامة والقصة قوامها الأساسي، فكلاهما يقوم على مزيج من الأحداث الأساسية والثانوية، التي يقوم بها عدد من الشخصيات،وهذه العناصر هي:

  • الشخصيات: وهي العنصر الاساسي الذي يقوم بافتعال الأحداث، وحبكتها حتى تبلغ ذروتها، وتقسم إلى نوعين:
    • الشخصيات الرئيسة: وهي الشخصيات التي تدور محاور القصة حولها، وهي السبب الأساسي في افتعال الأحداث وتأجيج نارها وهي على الأغلب في فن المقامات تتمثل في شخصيتي الراوي والبطل[٣]، والضحية التي وقع عليها فعل الاحتيال.
    • الشخصيات الثانوية: وهي الشخصيات التي تعين الشخصيات الرئيسية على افتعال الأحداث ووتعطي للمقامة صورة واقعية، وتتمثل في فن المقامة بالأشخاص المحيطين بالبطل والضحية.
  • الحدث: ويتمثل بالسبب الرئيسي الذي بدأت المقامة منه.
  • الزمان: غالبًا ما يكون الزمان مفتوحًا في فن المقامة أو مجازيًا ويلمح في ثنايا المقامة ذاتها.
  • المكان: يختار البطل مكانًا واحدًا ليقتنص فيه فريسته، وعلى أرضه تدور معظم أحداث المقامة ووقائعها.
  • الحبكة: وهي نقطة الذروة التي تبلغها أحداث المقامة حيث تتأزم وتتعقد، وتستلزم الحل.
  • الحل: غالبًا ما تنتهي المقامة بحل جذري، يفضي بانتصار البطل ووقوع الضحية في فخه.

رواد فن المقامة

سبق أن أشير إلى بديع الزمان الهمذاني والحريري في تعريف المقامة، واتضح بأن بديع الزمان الهمذاني هو مبتدع هذا الفن ورائده، واسمه أحمد بن الحسين ين يحيى بن سعيد الهمذاني، ويكنى بأبي الفضل[٤]، نشأ بهمذان إحدى مدن فارس الشمالية، تعلم العربية ودرس الأدب وبرع فيهما، تتلمذ على يدي ابن فارس وأبي القاسم ونهل من علمهما[٥]، وكان أحد كتاب القرن الرابع الهجري البارزين من أمثال الصاحب بن عباد وابن العميد، ابتدع فن المقامة الحكائي، وعرف بها، واتخذ لها عيسى بن هشام راويًا، وأبا الفتح الاسكندري بطلًا لأحداثها، وقد أهل للبطول في مقاماته لما عرف به من مكر وخداع، وقدرة على اقتناص الفرائس، وإيقاعها في فخه بما تحلى به من قرة لسانية وحنكة اجتماعية ساعدته على التخلغل في نفس الضحية، وقد هيأه الهمذاني ليعلن بلسانه عن فصاحته وبراعته البلاغية وتمكنه اللغوي، واطلاعه على قضايا عصره كالكدية وتفشي الجهل وكثرة الاحتيال.

أما الحريري، فهو القاسم بن علي، ولد في مشان بالقرب من البصرة التي انتقل إليها لينهل من علوم اهلها، حتى أصبح أديبًا بارعًا، له عديد من المصنفات الأدبية، مثل: درة الغواص في أوهام الخواص، وله أرجوزة تدعى ملحة الإعراب في النحو، هذا بالإضافة إلى مقاماته التي قيل أنه وضعها لوزير الإمام المسترشد بالله، وقد نالت مقاماته اهتمامًا بالغًا من العلماء والنستشرقين، فقدمت لها الشروح والترجمات، وقد سار في مقاماته على نهج بديع الزمان الهمذاني، إذ بلغ عددها الخمسين كما ذُكر في تعريف المقامة، كما أنها دارت حول موضوع الكدية، وقد اتخذ لها صاحبها راويًا هو الحارث بن همّام، وبطلًا هو أبو زيد السروجي، على غرار مقامات بديع الزمان، إلا أن مقامات الحريري، كانت قد فاقت مقامات البديع لدى كثير من المحققين في الشعر، واللغة وما يتعلق بها من النحو وضروب الاشتقاق.[٦]

السمات الفنية للمقامة

كشف تعريف فن المقامة عن تلك الفنية الخاصة التي تتمتع بها المقامة كفن أدبي نثري، لا سيّما أنها استحدثت في النثر ونهضت به ليحقق ذيوعًا واسعًا في العصر العباسي وما بعده مقارنة بالشعر، ومن هذه السمات المميزة لفن المقامة:

  • المقامة فن محكي: أي يقوم الراوي العارف دائمًا بسرد مجريات أحداثها، وقد أشير خلال تعريف المقامة،إلى طبيعته الحكائية.
  • البلاغة والفصاحة: فقد كتبت المقامات غايات تعليمية، تقتضي وجود استعراض لغوي ومعرفي كبير.
  • السجع: وهو توافق أواخر الكلمات في فواصل الجمل[٧]، وهو ما يعطي المقامة حسًا موسيقيًا عاليًا يضفي إلى جانها البلاغي قوة وجمالية، ولعل هذه السمة هي ما جعلت هذا الفن على اتصال تاريخي بسجع الكهان الذي أشير إليه في تعريف المقامة.
  • الخيال: ولعله من أبرز السمات المضمونية وضوحًا في المقامة، حيث يعني الكاتب تفكيره ويختلق الأحداث والشخصيات لتقوم بالقصة المطلوبة.
  • المزاوجة بين الفن النثري والفن الشعري: حيث تتخلل الأشعار كثير من المقامات، فتزيدها فنية وإبداعًا.
  • تشمل المقامة عناصر القصة المتكاملة: من شخوص وحبكة وأحداث وبيئة زمكانية.
  • الوحدة الموضوعية: حيث تدور في معظمها حول موضوع الكدية والاحتيال، الذي أشير إليه في تعريف المقامة.
  • تضم في فحواها الفكاهة والسخرية من الواقع.
  • تحمل رسالة للمجتمع: فهي تقدم معظم المقالات حلولًا غير مباشرة لكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية من خلال تسليط الضوء عليها، كما تم توضيحه في تعريف المقامة.

المراجع[+]

  1. محمد محمد عيسى فيض (2008)، أثر الحكام وثقافتهم في تطور الأدب في العصر العباسي (الطبعة الأولى)، السودان: جامعة أم درمان الإسلامية، صفحة 170. بتصرّف.
  2. ^ أ ب إبراهيم أنيس، عبد الحليم منتصر، عطية الصوالحي، محمد خلف الله أحمد (2004)، المعجم الوسيط (الطبعة الرابعة)، مصر: مكتبة الشروق الدولية، صفحة 768.
  3. مرزقان فطیمة (2013)، بنیة القصة في مقامات بدیع الزمان الهمذاني دراسة فنیة (الطبعة الأولى)، مسغانم: جامعة العربي بن مهیدي، صفحة 55. بتصرّف.
  4. أبي الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى (2005)، مقامات بديع الزمان الهمذاني (الطبعة الثالثة)، لبنان: دار الكتب العلمية، صفحة 3. بتصرّف.
  5. بديع الزمان الهمذاني (1923)، مقامات أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني (الطبعة الأولى)، مصر: مطبعة المقاصد، صفحة 5.
  6. القاسم بن علي بن محمد بن عثمان أبو محمد الحريري (1978)، مقامات الحريري (الطبعة الأولى)، مكة المكرمة: دار الباز للنشر والتوزيع، صفحة 5. بتصرّف.
  7. لميس خيف، سلمى هامل (2017)، فن المقامات في العصر العباسي دراسة جمالية فنية للمقامة المضيرية لبديع الزمان الهمذاني أنموذجا (الطبعة الأولى)، الجزائر: جامعة العربي بن مهيدي ، صفحة 58. بتصرّف.