تعريف الخشوع في الصلاة

تعريف الخشوع في الصلاة
تعريف-الخشوع-في-الصلاة/

الصلاة والخشوع

إنّ تعريف الخشوع في الصلاة لا يتوقف نفعه عند الصلاة فقط وتحقيق مغفرة الذنوب والخطايا، بل يتعدى نفعه إلى الفردوس الأعلى، وذكر الله فضل عباده المؤمنين، وأنّ الخاشعين لهم مكانة خاصة، فقد قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}،[١] وخص عباده الخاشعين بهذا الفلاح، وثمرات الخشوع ليست آخروية فقط بل يتعدى نفعها إلى الدنيا أيضاً،[٢] وكان الخشوع هو المنهج العملي الذي كان يتبعه الحبيب المصطفى إذا أهمه أمر، حيث إنّه كان يفزع إلى الصلاة، فعن حذيفة بن اليمان أنّه قال: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا حزَبه أمرٌ صلَّى".[٣]

تعريف الخشوع في الصلاة

لعظم قيمة الخشوع في الصلاة كان النبي -صلى الله عليه وسلّم- يتعوذ من قلب لا يخشع، حيث إنه ذم غير الخاشعين، وما ذاق الناس مر الشقاء إلّا بالإعراض عن الخشوع؛ ولأنّ الكثير قد يغفل عن معنى الخشوع وجب التطرق لمعناه، وفيما يأتي بيان تعريف الخشوع في الصلاة:[٤]

  • الخشوع لغة: قال ابن فارس: خشع: الخاء، الشين، العين أصل واحد تدل على التّطامن، يُقال خشع إذا تطامن وطأطا رأسه، ويخشع خشوعاً، وقيل معناه: الانخفاض، والسكون، والطمأنينة، والتذلل، والخضوع، ويكون الخضوع في البدن والخشوع يكون في القلب والبدن والبصر والصوت، كما قال تعالى: {خاشعةٌ أبصارهم}،[٥] وقوله: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}.[٦]
  • الخشوع اصطلاحًا: قيام القلب بين يدي الربّ بالخضوع والذل، وقيل: تذلل القلوب لعلام الغيوب، وبالمختصر هو هيئةٌ في النفس، يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع وهناك فوائد للخشوع في الصلاة.[٧]

أنواع الخشوع

بعد ذكر تعريف الخشوع في الصلاة فإن الخشوع من أفعال القلوب، وإذا خشع الصوت أو خشع الوجه أو البصر، فإنّما يكون ذلك من خشوع القلب، ويتسق البيان القرآني في استعماله للخشوع، فكل خشوع في القرآن إنما هو لله تعالى: كقوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}،[٨] وقوله: {وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ}،[٩] وفيما يأتي بيان أنواع الخشوع بعد أن تم بيان تعريف الخشوع في الصلاة:[١٠]

  • خشوع مذموم: وهو خشوع مزيّف وهو خشوع النفاق، وهو خشوع الظاهر دون مواطئة الباطن، وأن يكون ذلك على سبيل النظر إلى الخلق، وتصنع الخشوع من أجل تحصيل محمدتهم، وقد كان جماعة من السلف يستعيذون من هذا النوع من الخشوع؛ وهو خشوع النفاق، وكان بعضهم يقول: استعيذوا بالله من خشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ فقال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع، وكان الفضيل بن عياض رحمه الله وهو من كبار الخاشعين يقول: "كان يكره أن يُري الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه"، وذلك يعني أن يُظهر في ظاهره أعظم مما قام في باطنه وهو تكلف الخشوع، وقد ذكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنّه رأى رجلاً طاطأ رقبته في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة! ارفع رقبتك، ليس في الرقاب إنّما الخشوع في القلوب، ولما ذكر ابن القيم -رحمه الله- أنواع البكاء في كتابه زاد المعاد قال: "والثامن: بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين والقلب قاس، فيظهر صاحبه الخشوع، وهو من أقسى الناس قلبياً، وقد رأى بعضهم رجلاً خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان الخشوع ها هنا!! وأشار إلى قلبه، لا ها هنا وأشار إلى منكبيه".[١١].
  • خشوع محمود: حيث قال ابن القيم: محله القلب، وثمرته على الجوارح وهي تُظهره، فإذا خشع القلب تبعته الجوارح والأعضاء، لأنّه ملكها وهي تابعة له.[١٢].

حكم الخشوع في الصلاة

لما يترتب على تعريف الخشوع في الصلاة من أحكام متعلقة بالصلاة مثل إعادة الصلاة أو عدم إعادتها، وجب التنبيه بعد تعريف الخشوع في الصلاة إلى حكمه، فهناك بعض العلماء من قال بوجوبه، كما يترتب على ذلك إعادتها، والبعض قال هي من مكملات الصلاة وفضائلها فلا يترتب على ذلك إعادة الصلاة، وفيما يأتي بيان تلك الأراء مع أدلتها بناءاً على تعريف الخشوع في الصلاة:[١٣]

  • القائلين بوجوب الخشوع في الصلاة: ومنهم الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء، وابن حامد من أصحاب الإمام أحمد، والإمام ابن تيمية، وفيما يأتي بيان أدلتهم:
    • {ولا تكن من الغافلين}.[١٤]
    • رَأيتُ عمَّارَ بنَ ياسرٍ دخَلَ المسجدَ، فصلَّى فأخَفَّ الصَّلاةَ، قال: فلمَّا خرَجَ قُمتُ إليه، فقُلتُ: يا أبا اليَقْظانِ، لقد خفَّفتَ. قال: فهل رَأيْتَني انتقَصتُ مِن حُدودِها شيئًا؟ قُلتُ: لا. قال: فإنِّي بادَرتُ بها سَهْوةَ الشَّيطانِ؛ سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: "إنَّ العَبدَ ليُصلِّي الصَّلاةَ ما يُكتَبُ له منها إلَّا عُشرُها، تُسعُها، ثُمُنُها، سُدُسُها، خُمُسُها، رُبُعُها، ثُلُثُها، نِصفُها".[١٥]
    • وقال عبد الواحد بن زيد: "أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل".
    • وباعتبار أن الخشوع واجب فعليه وجوب إعادة الصلاة - كما قرر ابن حامد من المذهب الحنبلي و قال ابن القيم في مدارج السالكين: " فإن قيل: ما تقولون في صلاة من عدم الخشوع، هل يعتدبها أم لا ؟ قيل: أما الاعتداد بها في الثواب: فلا يعتد بها، إلا بما عقل فيه منها، وخشع فيه لربه.
    • قال ابن عباس: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها".
  • القائلين بأنّ الخشوع من سنن الصلاة: ومنهم الإمام النووي، ابن حجر، وفيما يأتي بيان أدلتهم:
    • أنّ الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- أمر بكيفية لسجود السهو لمن سهى في صلاته ولم يأمر بالإعادة، فعن عمار بن ياسر -رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنَّ العبدَ لينصرفُ من صلاتِه ولم يُكْتَبْ له منها إلا نصفَها، إلا ثُلُثَها، حتى قال: إلا عُشْرَها".[١٦]
    • وقد جاء في شرح أصول الفقه الشافعي: أنّ الخشوع من سنن الصلاة، وترتيل القراءة وتدبرها، وتدبر الذكر والدخول فيها بنشاط وفراغ القلب، ولم يُصنَف ضمن الأركان أو الفرائض التي تتطلب إعادة الصلاة، والإمام الرازي جعله شرط صحة لا شرط قبول.
    • وجمهور الفقهاء على أنه لاتجب أعادتها وكانت السنن والأذكار عُقيبها جوابر ومكملات لنقصها.

المراجع[+]

  1. سورة المؤمنون، آية: 2.
  2. "ثمرة الخشوع في الصلاة"، islamstory، 20-12-2019. بتصرّف.
  3. رواه ابن حجر العسقلاني، في فتح الباري لابن حجر، عن حذيفة بن اليمان، الصفحة أو الرقم: 3/205، إسناده حسن.
  4. "من معالم التربية النبوية (1)"، www.saaid.net، 25-12-2019. بتصرّف.
  5. سورة القلم، آية: 43.
  6. سورة طه، آية: 108.
  7. سعيد بن وهب القحطاني (1420ه)، الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 8
  8. سورة الإسراء، آية: 109.
  9. سورة سورة الأنبياء ، آية: 90.
  10. "فوائد من كتاب " 100 سؤال وجواب فى القرآن " لقاسم عاشور"، kalemtayeb.com، 25-12-2019. بتصرّف.
  11. محمد صالح المنجد، [www.saaid.net/book/5/822.doc سلسلة أعمال القلوب]، صفحة 78. بتصرّف.
  12. محمد صالح المنجد، 28 فائدة عن الخشوع في الصلاة، صفحة 6. بتصرّف.
  13. "الخشوع في الصلاة حقيقته و أسبابه"، ahlalhdeeth، 27-12-2019. بتصرّف.
  14. سورة لأعراف، آية: 205.
  15. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج سير أعلام النبلاء، عن عمار بن ياسر، الصفحة أو الرقم: 1/ 55 ، سنده حسن.
  16. رواه الألباني ، في الإيمان لابن تيمية، عن عمار بن ياسر، الصفحة أو الرقم: 28 ، حسن.

59198 مشاهدة