تعبير عن المطر

تعبير عن المطر
تعبير عن المطر

حبات المطر تحتضن الأرض

ما أجمل حبات المطر التي تهطل بوفرة مُحتضنةً الأرض بكل ما فيها من شجرٍ وحجرٍ ونباتاتٍ صغيرةٍ وحيواناتٍ مفترسةٍ وأليفةٍ، بعد أن تكون الأرض قد تعرضت للجفاف بعد صيفٍ قاحل لم يترك لنا بقعةً خضراء على صفحة الأرضِ إلا ويُدمي أحلامها ويُميت رونق أزهارها.

لكن حبات المطر تأتي برحمة الله؛ لتحتضن الأرض كما تحتضن الأم ولدها، وتسقي أنهارها وتملأ آبارها، فتتسلسل رقراقةً من أعلى قمم الجبال الشاهقة مُعلنةً بداية فصلٍ جديد، وهو فصل الشتاء فصل العطاء، وفصلُ الحب، وفصلُ المواساة، وفصلُ غسيل القلوب المتحجرة.

المطر سادن الأحلام

ما أجمل المطر حين يأتي ليُحرس أحلام البؤساء، ويُنهي أحزان المساكين في المساء، حيث كنا نقضيها ونحنُ نفكرُ في أيّ فصل من الفصول سيُولد الأمل وسيكسو الحب القلوب الظمأى إلى ارتواءٍ يأتي من السماء ليسقينا سعادةً ليس منها اكتفاء.

ها قد جاء المطر ليُحقق أحلامنا وليغسل قلوبًا ملأها البكاء، وليروي عطشًا لكلمة حُبٍ، ولهمسةٍ دافئة على قلب أحد الفقراء، فكم من فقيرٍ بات لا يدري من سيهديه العشاء، ومن سيحملُ إليه رغيف الخبزِ الساخن في الصباح الباكر، ليُطعم أطفالًا أرملةٍ أو أم ثكلى لا يسعها إلا البكاء بعد نظرةٍ ترى بها السعادة في عيون فلذات أكبادها.

مع طقطقة حبات المطر على زجاج النوافذ يبدأ البرد بالتسللُ إلى أجساد نزلاء المنازل فيتراكضون نحو الخزانة، ويُخرجون منها الملابس الأكثر دفئًا، أمّا الفُقراء ومن لا يملكون كسرةَ خبزٍ ولا زجاج نافذةٍ مكسور يرقبون من خلفه حبات المطر المتساقطة على وجوههم العارية، فلا خزانة تأوي أحلامهم ولا منازل تضم أجسادهم، فيتوسدون الأرض ويلتحفون السماء.

فهم لا يملكون سوى أرفف وهمية يصفُّون عليها أحلامهم، وينتظرون بزوغ شمسِ يومٍ جديد، لتُجفف ظهورهم العارية، فهؤلاء يكون الدفء ساطعًا في عقولهم من النور الذي يشع في مخيلتهم نحو المستقبل، فكم حلمنا بعودة المطر حاملًا معه أشياءً غادرتنا بلا رجعة وأيقنا أنّها لن تعود، كما لا يعود الرجل طفلًا في رحم أمه محالٌ.

لكن ولأن المطر سادنُ الأحلام، فإننا سنظلُ نحرسُ أحلامنا ونهدهدها ومن طموحاتنا نسقيها، ومن شهد أيامنا نرويها، ومن عبقِ زهورِ الربيع نُعطيها، فنحنُ لن ننسى بأنّ لنا حلمًا لا يُبارحُ أخيلتنا يوم تحقيقه، ولا نكفُ عن التضرع لرب السماء بأن يجعل أحلامنا حقيقة.

إنّ المطر يمنحنا الحياة كلما همَّت بالذبول، فهي لا تذبل فربُ السماء وضع في قلوبنا أملًا لا ينضب، وأعطانا من الخير الكثير فليس من المعقول أن لا يُحقق أحلامنا، فالمطر يحمل معه الخيرات والبدايات الإيجابية.

المطر مثير للحنين والشوق

ما إن بدأت قطراتُ المطر تطرقُ مسامعي حتى بدأت مشاعر الشوق والحنين تتناثرُ في مُحيطي، وتغتالُ مُخيلتي من كل صوبٍ واتجاه، وما إن أغلقتُ عيوني لهُنيهاتٍ قليلةٍ حتى لاحت في مُخيلتي أصواتُ الأحبة الذين ما فارقونا إلَا رُغمًا عنّا، ولو أنّنا كنا نمتلكُ خيارًا لأبقيناهم في أجواف قلوبنا، وهيأنا لهم مضاجِعَ من حرير، ووسائد من الريحان.

لكن الفراق حق والغربة ألم لا ندري متى يكون الشفاء منهما، وكلنا في شأنه مشغول، لا أحد يُبالي بمن يكنُ لهم مشاعر الشوق والحنين ما يكفي لأعوام، فلا عودة من الموت ولا شيء بعده يُعوّض طول الغياب، فهناك حنين وشوق يختبئُ ما بين قطرة مطرٍ وأخرى، وكلما زادت حبات المطر وتساقطت زاد عصف الحنين بنا أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

رائحةُ العطر التي لطالما أسعدتني في زمن اللقاء وغابت عني سنين، أشمها الآن، كما لو كانت الزجاجةُ حديثة الشراء، وليست رائحة العطر ما يجلبه المطر، وإنّما تعبقُ مع تلك الرائحة ذكرياتٌ تتجددُ كل شتاء، وتداعبُ عقولنا حتى تطمس فيها الراحة، وتجعل الشوق رعودًا تضطرب فلا يهدأ ضجيجُها، وتجعل الحنين برقًا يُضيُ سماء الغياب، ويَنفضُ السحاب؛ لتجود بالمزيد من والشوق والحنين.

كم نخافُ من الذكريات، ومن مهيجات الشوق والحنين، إذ نحاول ضحدها وكبح جماحها حتى لا تُعاود اقتحام عقولنا، ومُغازلة عُيوننا بالدمع والأسى، وبصعوبة بالغة نُحقق ما نصبو إليه، أو ما نظن أنّنا حققناه، ولكن ما إن يتساقطُ المطرُ بغزارة وتُفتحُ أبواب الشتاء على مصراعيها حتى تعصف بنا ذكريات الشوق والحنين.

نمشي في شوارع الحي مع وقع حبات المطر على إنارات الشوارع، ونذكرُ يوم كنا في زقاق الحي نبحثُ عن بائع الحلوى لنُهديه أثمن ما لدينا من نقود جمعناها في الأيام المُنصرمة، ليأتي الوقت ونُخرجها من مكامنها لنشتري فيها بضع حبَات.

كما يأخذنا الحنين إلى صوتِ الأمهات حين يُنادينَ على أبنائهن أن قد جاء وقتُ العشاء، وبعدها تنطفئ أنوار المنازل فيغطُ المتعبون في نومٍ عميق، ليُزيلوا عن كواهلهم تعب النهار مستقبلين يومًا جديدًا تشرقُ فيه الأنوار ليضربوا الأرض باحثين عن لقمة عيشٍ يسدون بها الرمق ويعيشون معها عيش الكفاف مع لذة الرزق الحلال.

رائحة المطر تداعب الأنفس

وأخيرًا، لا أعلم عدد المرات التي سمعتُ فيها الشُعراء يتغزلون برائحةِ المطر، ويستنشقونه كما يستنشقون العطر من الزجاجات الفارغة علّهم يمزجون رائحته بخلايا أُنوفهم؛ فرائحةُ المطر لا تتكرر إلّا في فصل الشتاء، وكثيرٌ من الناس لو استطاعوا لملأوا رائحة المطر في زجاجاتٍ مغلقة مثل الرحيق المختوم؛ كي يتمكنوا من استنشاقه كلما شعروا بالحنين إليه، وكم داعبت رائحةُ المطر أُنوف الناس، فنسجوا أجمل العبارات.

11 مشاهدة