تعبير عن السياحة

بواسطة: - آخر تحديث: ١٨:٤٣ ، ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٠
تعبير عن السياحة

ما هي السياحة؟

اعتاد الإنسان على التَّرحال منذ بدء وجوده على الأرض، حيث كان هذا التَّرحال ضرورةً تفرضها طبيعة الحياة، لكنَّه لم ينقطع عن ذلك حتَّى حين اغتنى عن ضروراته ومسبِّباته الملحَّة، فألحَّت عليه الفطرة في التَّنقُّل وحبِّ الاكتشاف في أماكن جديدةٍ بحثًا عن أشكالٍ أخرى للحياة وأنماطٍ جديدةٍ من النَّاس. وتطوَّرت أسفار الإنسان وتنقُّلاته حتَّى اتَّخذت شكلاً من أشكال الرَّفاهيَّة لا يستطيعه جميع النَّاس، لا سيما بعد أن صار السَّفر أكثر تنظيمًا وسرعةً وأعلى تكلفةً، وغدت الأسفار التي يقصد بها الاستجمام واستطلاع وجوه الأرض شكلا من أشكال السَّعادة بما يعرف اليوم بالسِّياحة.


السِّياحة تجربةٌ جميلةٌ، يتعلَّم فيها المرء الكثير ويرى ما في الأرض من جمالٍ بماءها وسمائها وشجرها وحجرها وبشرها، ويتعرَّف عادات الشُّعوب وطرائقهم في الحياة فيستفيد ممَّا يرى، يتأثَّر ويؤثِّر ليعود من رحلاته بشيءٍ جديدٍ أو أشياء تختلف حسب شخصيَّة السَّائح ونظرته للأمور وقدرته على الشُّعور بالجمال. فالسِّياحة مُرتبطةٌ بعنصرين هما السَّائح والوجهة الَّتي ينشدها، وعلى هذين العنصرين تعتمد تجربة السِّياحة كونها جزءًا مهمًّا للسَّائح وللبلاد الَّتي يقصدها معًا، فالسِّياحة عنصرٌ أساسيٌّ في ميزان تفاضل البلدان وتمايزها عن بعضها البعض، كما أنَّها ملهمةٌ للسَّائح الَّذي يحتكُّ بأجواءٍ مختلفةٍ تقدِّم له كلَّ جديد.


بالإضافة إلى ارتباط السِّياحة بمعارف واسعةٍ، فإنَّ علاقة السِّياحة بالعلوم الأخرى وثيقة الصِّلة، كعلم الجغرافيا الَّذي يدرس تضاريس البلدان ومواقعا وما يميِّزها عن سواها من ماءٍ وجوٍّ ويابسةٍ، كما ترتبط بعلم التَّاريخ الَّذي يبحث في تاريخ البلدان والمراحل الَّتي مرَّت بها، ويُعنى بمعالمها الأثريَّة الَّتي تجعل الكثير منها مقصدًا للمسافرين، كما يهتمّ المُسافرون بالأرصاد الجوية وعلم المناخ لبحث إمكانيَّة السَّفر إلى مكانٍ ما، ممَّا يجعل السَّائح على اطلاعٍ واسعٍ واهتمامٍ دائمٍ بكلِّ ذلك.


لا يمكن أن يستمتع المرء في سفره ما لم يقصد مكانًا مناسبًا فيه من أسباب الرَّفاه والمتعة الكثير وفيه من مكوِّنات الجمال والسِّحر المثير، كما أنَّ النَّاس في أهوائهم مُختلفون وفي طبائعهم مُتمايزون، فما يعجب واحدهم لا يعجب جميعهم، والذَّوق والطَّبع الخاص لكلِّ فردٍ يجعل له نظرةً خاصَّةً فريدةً كبصمة اليد يحتكم إليها في سعادته وحزنه وفي رضاه وغضبه عمَّا يرى ويسمع، وهذا كلّه يؤثِّر في انتقاء الوجهة المقصودة لكلِّ فردٍ.

تحدث عن أنواع السياحة

للسِّياحة مقاصد عدَّة تختلف حسب غاية السَّائح المرجوَّة من سفره، فمنها ما يكون للعلاج من علَّةٍ وللاستجمام بغرض الاستشفاء، حيث يقصد المسافر المُنتجعات الصِّحيَّة في العالم كالهند، أو يقصد المستشفيات التي تعرف بمستوى طبابةٍ عالٍ كأميريكا وأوروبا، ومن السَّفر ما يكون لزيارة المحميَّات الطَّبيعية كتلك الَّتي في أفريقيا، وقد انتشرت وازدهرت هذه السِّياحة في السِّنين الأخيرة لا سيّما وأنَّ هذه المحميات مُهدَّدة بالانقراض. فيقصدها السِّيَّاح لمشاهدة الحيوانات القليلة والنَّادرة الَّتي لم يروها في بلدانهم الأصليَّة.


من الأسفار ما يكون بغرض استكشاف عوالم مائيَّةٍ في البحار والمحيطات، وفيها يُقيم المسافر في السُّفن الفاخرة واليخوت في أثناء رحلته، وهي منتشرةٌ بكثرة في البلاد العربيَّة؛ كشرم الشَّيخ واللاّذقية والاسكندريَّة والعقبة، ومن النَّاس مَن يختار الأماكن السَّاحليَّة ليقيم على شواطئها كمنطقة حوض المتوسِّط ودول البحر الكاريبي والبحر الأحمر وجنوب الخليج العربيِّ وغيرها من المدن السَّاحليَّة ذات الطَّبيعة السَّاحرة. ويرتبط بهذين النَّوعين نوعٌ آخرٌ من السِّياحة مختصٌّ بالغوص في البحار.


قد ينتقي السَّائح الأماكن الأشهر حول العالم ويختارها وجهةً له في رحلةٍ ترفيهيَّةٍ محضةٍ، وهذه الأسفار هي الأكثر انتشارًا حول العالم، حيث يختار الشَّخص الأماكن التي تشتهر بجمال طبيعتها وخصوصيَّة عمرانها وندرة معالمها الأثريَّة لتكون وجهةً له، وثمَّة نوعٌ خاصٌّ من الرِّحلات التَّرفيهيَّة وهو ما يعرف بسياحة التَّأمُّل وهو جديدٌ في العالم، وقد بدأ الترويج له عربيًّا في الأردن وأطلقت أولى فعالياته في البحر الميت، وهذا النَّمط من السِّياحة يناسب كبار السِّنِّ أكثر من غيرهم لما يحتاجونه من الهدوء والسَّكينة.


تطوُّر السِّياحة في العالم في استمرارٍ لا ينقطع، فقد تطوَّرت وسائل النَّقل تطوّرًا كبيرًا عمَّا كانت عليه ولم يتوقَّف الأمر عند ذلك فقط، بل إنَّ أهداف السَّفر قد تغيَّرت عمَّا كانت عليه أيضًا، فقد عرف النَّاس سابقًا السَّفر بغرض الاستشفاء أو بغرض ابتياع ما يعسر عليهم إيجاده في بلدانهم من أشياء لنجد اليوم أسفارًا كاملةً تهدف أوَّلاً إلى حضور المؤتمرات الدَّوريَّة الَّتي ترتبط غالبًا بوقتٍ محدَّدٍ من كلِّ عامٍ، ونجد اليوم أسفارًا كثيرةً ينشدها النَّاس لحضور فعاليَّاتٍ رياضيَّةٍ ضخمةٍ، مثل كأس العالم لكرة القدم والذي يعتبر الحدث الأبرز رياضيًّا حول العالم، ويحظى باهتمام النَّاس بمعظم شرائحهم وطبقاتهم وبيئاتهم.


قد اشتهرت بلادٌ كثيرةٌ بجمالها وسحرها وإقبال الوافدين عليها للسِّياحة؛ كتركيا والمكسيك والصِّين والمملكة المتَّحدة والهند وإيطاليا والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، كما عرفت مدنٌ بعينها بفرادتها كجزيرة بالي في إندونيسيا ومدينة أوساكا في اليابان وبتايا في تايلاند وبرشلونة وبالما دي مايوركا في إسبانيا وميلان في إيطاليا وهونج كونج في الصين وبوكيت في تايلاند وأنطاليا واسطنبول في تركيا وسيول في كوريا الجنوبية وطوكيو في اليابان وكوالالمبور في ماليزيا ونيويورك في أميركا وسنغافورة ودبي في الإمارات العربيَّة وباريس في فرنسا ولندن في إنكلترا وبانكوك في تايلاند، ومعها الكثير من البلدان الَّتي لا مجال لحصرها ممَّا عرفت كمقاصد سياحيَّةٍ ينشدها النَّاس.


تختلف وجهات السُّيَّاح باختلاف غاياتهم من أسفارهم وبتفاوتهم في المستوى الماديِّ، فإنَّ كثيرًا من البلدان تمتنع زيارتها على أصحاب الدَّخل المحدود والحال المتواضعة، ومن هذه البلدان هونغ كونغ حيث تبلغ تكلفة اللَّيلة الواحدة هناك قرابة 137 دولار أميركيّ لتغطية أجور الفندق لشخصين وغيرها من تكاليف، كذلك الأمر بالنِّسبة لهيلسنكي في فنلندا حيث تبغ التَّكلفة قرابة 143 دولار أميركي، وهي تُقارب تكاليف الإقامة في ولاية لاس فيغاس وكذلك في طوكيو-اليابان، ومثلها من البلدان العربيَّة المنامة في البحرين والدَّوحة في قطر ودبي في الإمارات الَّتي تزيد عنها قليلاً في التَّكاليف لتصل إلى 150 دولار، ومثلها لندن في إنكلترا.


تزيد هذه التَّكاليف تصاعديًّا لدى دبلين في أيرلندا ثمَّ كراكسا في فنزويلا ثمَّ روما في إيطاليا ثمَّ هانولولو في هاواي ثمَّ أمستردام في هولندا ثمَّ فينيسيا في إيطاليا ثمَّ ستوكهولم في السويد ثمَّ أوسلو في النرويغ، وتزيد عنها كوبنهاغن في الدنمارك ثمَّ نيويورك في الولايات المتَّحدة وصولاً إلى زيورخ في سويسرا، الَّتي تُمثِّل أغلى وجهةٍ سياحيَّةٍ في العالم لتصل تكلفة اللَّيلة الواحدة لفردين إلى ما يقارب 212 دولارًا أميركيًّا.

واجبنا نحو السياحة والأماكن السياحية

لا تتوقَّف أهميَّة السِّياحة بوصفها وسيلةً ترفيهيَّةً ونفعيَّةً للشَّخص السَّائح بعينه، بل إنَّها ضرورةٌ لدعم اقتصاد البلدان ونشر ثقافة كلٍّ منها والإسهام في التَّمازج الحضاريِّ والثَّقافيِّ والتَّأثير الفكريِّ وما يولِّده من إثراءٍ وتنوُّعٍ للمجتمع، فهي ضرورةٌ تُحدِّد أهميَّة البلاد وقيمتها الحضاريَّة، فالبلد الَّذي لا يقصده السَّائحون هو بلدٌ فقيرٌ بالجمال والحضارة وأسباب الرَّفاه، كما أنَّه يخسر الكثير من الإيرادات الَّتي تحقِّقها السِّياحة، فلو نظرنا إلى الدُّول الأنشط سياحيًّا حول العالم، فسنجد أنَّها تحقِّق مبالغ طائلةً من النَّشاط السِّياحيِّ فيها.


حيث سجَّلت إيرادات الولايات المتَّحدة الأميركيَّة 214.5 مليار دولارٍ أميركيّ لعام 2018، بينما سجَّلت إسبانيا 73.8 مليار دولارٍ أميركيّ، وقد حازتا بذلك المرتبتين الأولتين لأعلى نسبة إيرادات سياحيَّة، وتلتهما فرنسا ثمَّ تايلاند ثمَّ المملكة المتَّحدة ثمَّ إيطاليا ثمَّ أستراليا ثمَّ ألمانيا ثمَّ اليابان ثمَّ الصِّين الَّتي جنت 40.4 مليار دولار أميركي في ذلك العام، وهو ما يظهر أهميَّة السِّياحة كمكوِّنٍ اقتصاديٍّ داعمٍ للبلاد يسدُّ الكثير من نفقاتها، وهذا ما يشكِّل دافعًا مهمًّا لتُعنى كلُّ دولةٍ بمعالمها السِّياحيَّة وتطوِّر من عمرانها وخدماتها في سبيل خدمة المواطنين من جهةٍ وسعيًا في تطوير حركة السِّياحة من جهةٍ أخرى.


هي مسؤوليةٌ لا تقع على عاتق الدَّولة بما فيها من مؤسَّساتٍ فقط، بل تقع على عاتق المواطنين كونهم أشخاصًا مُسهمين في عملية البناء والتَّطوير، فلا يمكن أن تقوم قائمةٌ لبلادٍ ما لم يتمتَّع أهلها بثقافة التَّعاون لتحسين كافَّة القطَّاعات والمنشآت والعناية بتفاصيل البلاد ونظافتها وامتثال قوانينها، ممَّا يمثِّل وجهًا حضاريًّا يشجِّع السُّيَّاح لقصد البلدان، فعلى كلٍّ منَّا أن يحمل جزءًا من هذه المسؤوليَّة ابتداءً من شارعه وحيِّه وانتهاءً بنفسِه الَّتي تسهم في تعزيز هذا النَّشاط الفعَّال، فالنَّاس لا يقصدون في أسفارهم الأبنية والعمران والمعالم الأثريَّة وحدها، بل إنَّ منهم من يقصد السَّفر لرؤية نماذج من النَّاس سمع عنها أو عرف عنها فأثارت حماسته وشغفه ليلتقيها لما فيها من فضائل.


قد يتوفَّر للبلاد جمال الطَّبيعة وحضارة المظهر وتطوُّر الخدمات ممَّا يحقِّق عناصر جذبٍ للسَّائحين، لكنَّ انتشار الجريمة بأنواعها من قتلٍ وسرقةٍ واغتصابٍ قد يمنع أيَّ شخصٍ من قصد تلك البلاد ما لم يكن مضطرًّا لذلك، فإنَّ عنصر الأمن والأمان مهمٌّ جدًّا لتشجيع السِّياحة ودعمها، وهو أيضًا مسؤوليَّةٌ جماعيَّةٌ تقع على عاتق المؤسَّسات والأفراد معًا، ممّا يستلزم وعيًا جماعيًّا بها كونها عنصرًا لا ينشط إلَّا بنشاط حضارة البلاد وشعبها لتزيد بدورها وبما تحقِّقه من منافع حضارة البلاد وتقدُّمها وشعبها معًا.