تحليل قصيدة أنا لنازك الملائكة

تحليل قصيدة أنا لنازك الملائكة
تحليل قصيدة أنا لنازك الملائكة

العنوان في قصيدة أنا

إلامَ يرمز الضمير الذي تمحورت القصيدة حوله؟

إنّ شعر التفعيلة في الأدب العربي لا يُمكنُ أنْ يتناسى دور الشاعرة العراقية نازك الملائكة في بلوَرةِ تطوّراتهِ خلال السنوات التي كان بها حديث التكوين، ولا سيما أنّ التجديد الأكبر في قصائدها كان بعد شرارةِ قصيدتها "الكوليرا"، والتي كانت المنحنى الذي تخلّصت فيه نازك الملائكة من ملامح الاتّباعية لتنضم بشكل أوضح إلى الصوت الحداثي في التعبير عن مكنونِ الوجدان من خلال اللغة الشعرية، ولكن النص الذي يتحدث عنه هذا المقال ـ وهو قصيدة أناـ يكاد يكونُ في المرحلة الوسطى بين الالتزام بسمات الاتباعيين من الاعتماد على نمط الشطرين وبحور الخليل في النظم الشعري وبين السمات الحديثة التي حددها الشعر الحر، فالنص يتراوح بين الحساب المخطط للتفعيلات والتكرار الوارد فيها، وبين التناظر المتوازن بين مقاطع القصيدة، وهذا ما يجعلها مترددةً بين النمط القديم والنمط الحديث الذي يمثل الشكل العام للقصيدة.[١]


يأتي عنوان القصيدة بالكثير من المعاني التي يمكن الكشف عن خفاياها من خلال البعد الدلالي، فنازك الملائكة تجعل الضمير محورًا للحديث عن الذات ليكون ارتكازًا للنص، إذ آثرتْ أن تستثمر الطاقة الرمزية الكامنة في هذا الضمير لتنتقل من ضيقِه إلى سعةِ الإنسان البشري مهما كان انتماؤه، حيث تجعل للإنسان ارتباطًا وثيقًا بغيرهِ على مستوى الشعور باللذة أو الألم أو غيرها من المشاعر الإنسانية، ويمكنُ القول إنّ الأبعاد التي يشير إليها العنوان على اختصارِهِ في ثلاثةِ حروف هي أبعاد تنطوي بالدرجة الأولى على الإشارة إلى العالم، بل هي تستخدم أناها بإزاء أنا العالم الخارجي وموضوعاته، بالإضافة إلى أنا النص والموجودات التي كانت حيّةً فيه من خلال الترميز الشعري.[١]


يشير العنوان أيضًا إلى الجذر الرومانسي الذي يربط النص بالمدرسة الرومانسية وسِماتها، حيثُ تُعِدّ الرومانسية الطبيعة عنصرًا أجدر بالعودة إلى الإحساس الذاتي داخل الإنسان، فبعد أن كانت الطبيعة عنصرًا يردُ في الشعر من خلال الوصف أصبح يؤدي دورًا فاعلًا في امتزاجهِ بعواطفِ الإنسان وتأثيرهِ بها، وهذا ما يجعل الشعراء الرومانسيين يهتمّون بالذات وانكاس الطبيعة عليها من الشعور بالحزن أو الكآبة، أو غير ذلك ممّا توحيهِ حسب رؤيته الكونية والتجارب العاطفية التي مرّ خلالها.[١]

الهندسة الشكلية للنص

ما السّمة العامة لبنية النص؟

إنّ البنية الأساسية للنص هي التي تُحدّد نظام الهندسة الشكلية التي سار عليها في توضيحهِ للسمات اللغوية والدلالية والأسلوبية، ولا بد في النهاية من الرجوع إلى محور الدرسة الرومانسية التي يرتكز عليها اتّكاء النص في قدرته التعبيرية، إذ إنّ التمركز حول الذات والذي يشوبه الكثير من الحزن والشعور بالأسى والمرارة لا يفارق البنية العامة للنص،

وتتنقَّل فصول القصيدة جميعها بشكل نسقي يتراوح بين الحضور والغياب، ويمكن القول إنّ تقسيمات النص تؤدي إلى ثلاثةِ مسارات تدور حول الولادة ثم النمو ثم الموت[١]، وتتجلى تلك المعاني جميعها منذ بداية المقطع الأول للقصيدة وتستمر حتى النهاية، حيث تقول نازك الملائكة في بداية النص:[٢]

الليلُ يسألُ مَن أنا
أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ
أنا صمتُهُ المتمرِّدُ
قنّعتُ كنهي بالسكونْ
ولففتُ قلبي بالظنونْ
وبقيتُ ساهمةً هنا
أرنو وتسألني القرونْ
أنا من أكون؟


الإيقاع في النص

كيف عبّرتْ موسيقى النص عن مكنوناتِه؟

يؤكّد التقسيم الذي سبق الحديث عنه ـ باعتبار النص عددًا من الفصول ـ تلكَ التفعيلاتُ التي اعتمدت عليها نازك الملائكة في كل مقطع، فذلك يؤكّد بأنَّ القصيدة وحدة متكاملة تتعدد فيها الفصول وكأنها دورات متعاقبة، حيث عبّر عن ذلك تعدد التفعيلات تناسُبًا مع النسق العام للمعنى، إذ يمكن القول إنّها بدأت بتفعيلتين كعنصر يفتتح المقطع الشعري، ثم تسير بشعر التفعيلة على نمط ثلاث تفعيلات في سطر واحد، ثم يتكون باقي المقطع من تفعيلتين في كل سطر إلى أن ينتهي بتفعيلة واحدة.[١]


إنّ هذا ما يجعل الرسم العروضي يُشير إلى ولادة المقطع من خلال السطر الأول، ثم ينمو رامزًا إلى أيام حياة الإنسان في صلب المقطع إلى أن يعلن نهايته في التفعيلة الخاتمة، كما يؤكد سؤال الحيرة في نهاية المقطع السابق على الفصل الأول وهو فصل الولادة، أما المقطع الثاني فيشير الفضاء التي ذكرتْه قبل نهاية المقطع إلى الامتداد الصيفي والشعور الحارّ بلوعة الحزن[١]، حيث تقول في القصيدة ذاتها بعد المقطع السابق تمامًا:[٢]

الريحُ تسألُ مَنْ أنا
أنا روحُهَا الحيرانُ أنكرني الزمانْ
أنا مثلها في لا مكان
نبقى نسيرُ ولا انتهاءْ
نبقى نمرُّ ولا بقاءْ
فإذا بلغنا المُنْحَنَى
خلناهُ خاتمةَ الشقاءْ
فإذا فضاءْ!
والدهرُ يسألُ مَنْ أنا


أما الجليد الذي يتوسّط المقطع الثالث فيشيرُ بوضوح إلى كونِ المقطع يرمزُ إلى شتاءِ الإنسان، ذلك البرد القارسُ الذي سيأتي في الغد[١]، فيُبقي النفس على جمر الحيرة فوق الحيرة، وتعود الشاعرة للتساؤل الذي تتمحور حوله قصيدتها، وهو السؤال عن الذات:[٢]

أنا مثله جبارةٌ أطوي عُصورْ
وأعودُ أمنحُها النشورْ
أنا أخلقُ الماضيْ البعيدْ
من فتنةِ الأملِ الرغيدْ
وأعودُ أدفنُهُ أنا
لأصوغَ لي أمسًا جديدْ
غَدُهُ جليد
والذاتُ تسألُ مَنْ أنا


المستوى الدلالي في النص

كيف يمكن تحديد البنية الدلالية لفصول نازك الأربعة؟

يتدرّج المستوى الدلالي في النص من القوة إلى الضعف، فهو يمر بمراحل تُشبه الإشراق ثم العتمة ثم الانحلال ثم الذوبان، ويتّضح ذلك من خلال مقاطع النص لا سيما البداية التي كانت صاخبة وممتلئة بالدفق اللغوي الذي يحمله السؤال الحائر، ثم يبدأ الضعف في الأبيات التي تلي تلك البداية الصاخبة، وتسير حتى الوصول إلى الانطفاء بعد نفق طويل من العتمة التي أوحاها استخدام المفردات المعبرة عن ذلك الجو الحزين، فيتّضح أن ما كان قوةً في البدء هو في النهاية سراب ضائع.[١]


يشير ذلك التدرج إلى الغرض الأساسي من القصيدة وهو الوصول إلى النقطة التي تنتهي فيها الحيرة إلى الحزن والكآبة لانعدام الأمل، حتى ظهر في أبياتها الأخيرة ما يجسد الذوبان والاستسلام[١]، وذلك في المقطع الأخير من النص حيث تقول:[٢]

أنا مثلها حيرَى أحدّقُ في الظلام
لا شيءَ يمنحُني السلامْ
أبقى أسائلُ والجوابْ
سيظَلّ يحجُبُه سرابْ
وأظلّ أحسبُهُ دَنَا
فإذا وصلتُ إليه ذابْ
وخبا وغابْ


من خلال ما سبق يمكنُ القول إنّ الدائرة التي تحوم نازك الملائكة حولها في البدء بالقوة والانتهاء بالضعف كل مرة في النص هي دائرة المعاناة التي تبدو بلا نهاية، كمعاناة سيزيف بصخرته إذ أصبح رمزًا للشقاء، فنازك تلخص تلك التجربة من خلال تعابير مختلفة تشير إلى إعادة الخيبة في كل مقطع، بالإضافة إلى التغني بذلك الألم الذي يصنع الحالة الشعرية الوجدانية التي تؤدي إلى الكتابة، ممّا يُؤكّد انتهاء النص إلى الرؤية الخاصة بالمدرسة الرومانسية التي تمجّد الألم وتجعله مصدر الإلهام الشعري.[١]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر حاتم الصكر ، تحليل نصي لقصيدة "أنا" لنازك الملائكة، صفحة 1- 2 - 3 . بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث "نازك الملائكة: أنا"، بويتس جيت، اطّلع عليه بتاريخ 31/3/2021. بتصرّف.

525 مشاهدة