تأثير العمل التطوعي على الصحة النفسية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٢٣ ، ٢٨ يوليو ٢٠٢٠
تأثير العمل التطوعي على الصحة النفسية

تعريف العمل التطوعي

يعدُّ عملُ الخير من الأمور المبنية على الفطرة التي تنشأ مع الإنسان، وذلك يحتاجُ إلى مقدرةٍ نفسيّةٍ قبل الماديّة لتحقيقه، وما إن يصقلها الإنسانُ ويعتاد عليها حتّى تتحوّل مع مرورِ الزمن إلى أسلوب حياة، وقد لاقت الأعمال الخيريّة في الوقت الرّاهن اهتمامًا كبيرًا إمّا مِن قِبَل الأفراد، أو ضمن مؤسساتٍ تختصُّ بتلك الأعمال، وأصبحت تقع تحت مُسمّى: العمل التطوّعيّ، وعُرِّف العمل التطوّعي بأنّه: عملٌ غيرُ ربحيّ، لا يُقدِّم المالَ مقابَل العمل، يقومُ به الأفرادُ لتحسين مستوى معيشة غيرِهم مِمَّن يحتاجون لبعض المساعدة، وهو على عدة أشكال: فمنه ما يكون فرديًّا يمارسه الفردُ من تلقاء نفسه، ويدفعه إلى ذلك اعتباراتٌ أخلاقيّةٌ أو دينيّةٌ أو إنسانيّة، أمّا الشكلُ الثّاني فمؤسساتيّ: كالجمعيّات الخيريّة؛ حيث يشارك بها مجموعةٌ من الأفراد، ويعدّ أكثرَ انتشارًا وتنظيمًا من الأوّل، وللعمل التطوّعيّ مجالاتٌ كثيرةٌ كالمجال الصحيّ والتعليميّ والاجتماعيّ والحرفيّ وغيره، كما له آثارٌ عديدةٌ تعود بالفائدةِ على الفرد والمجتمع، وسيرد ذكر الأثر النفسيّ فيما يأتي.[١]

تأثير العمل التطوعي على الصحة النفسية

يسعى النّاسُ دائمًا أفرادًا وجماعاتٍ إلى البحث عن سُبل السّعادة والرّاحة في شتّى أمور حياتهم، ولتحقيق السّعادة هنالك العديدُ من الأمور التي تساعد على ذلك، ولكن أهمّها وأوّلها الراحةُ والاستقرار النفسيّ والشعور بالنفع؛ فالكبيرُ والصغير والفقير والغنيّ يسعون إلى تحقيق الاستقرار النفسيّ؛ فذاك من أهمّ الأمور التي تبعثُ في نفس الإنسان السعادةَ وتجعله أكثر إيجابيّة، ومن أهمّ سُبل الاستقرار النفسيّ: العمل التطوّعيّ؛ فللعمل التّطوّعيّ آثارٌ نفسيّةٌ وروحيّةٌ جمّة؛ وذلك من عدّة نواحٍ، أهمُّها: الفطريّة والديّنية وغيرها، ومن أبرز آثار العمل التطوّعيّ على الصِّحة النفسيّة:[٢]

إشباع بعض الحاجات النفسيّة

يتشابه النّاس كلّهم بامتلاكهم العديدَ من الحاجات النفسيّة التي تحتاج إلى إشباعٍ مناسبٍ لها، ولكن يختلفون في طرق الإشباع تلك؛ فمنهم مَن يتّبع طرقًا خاطئةً في إشباعها، فتؤدي بهم إلى المهالك، ومنهم مَن يتّبع طُرقًا آمنةً تؤدي بهم إلى التّوازن النّفسيّ، ومن بينها التطوّع؛ فللتطوّع قدرةٌ كبيرةٌ على إشباع العديد من الحاجات، ومنها: إشباعُ الحاجات الدينيّة والروحيّة: وردَ سابقًا أنّ لكلِّ متطوّعٍ دوافعُ لذلك العمل.[٢]

ومن بين تلك الدّوافع، الدوافعُ الدينيّة؛ فعندما يمارس الإنسانُ التطوّع من منطلَقٍ دينيّ فهو بذلك يشبع تلك الحاجة الدينيّة في نفسه، والتي تحتاج إلى تغذيةٍ دائمة، ويشعر أنّه قام بنوعٍ من العبادات التي لا تقلّ أهميّةً عن غيرها من العبادات الّتي لها فضلٌ كبيرٌ على الفرد والمجتمع، وأيضًا: إشباعُ الحاجة إلى الإنجاز والنّجاح: فكلُّ إنسانٍ بحاجةٍ دائمةٍ إلى الشعور بأنّه شخصٌ ذو نفعٍ وأهميّةٍ في مجتمعه، والعملُ التطوّعيّ يشبع تلك الحاجةَ بشكلٍ واسع؛ فعند مشاهدة الإنسانِ نتائجَ عملِه التطوّعيّ يشعر بأنّه شخصٌ نافعٌ قادرٌ على الإنجاز، وتلك الحاجة تتناسب طردًا مع كميّة إشباعها؛ فهي تنمو بالإشباع وتضعُف بقِلّته.[٢]

أمّا الحاجة الثالثة التي يشبعها التطوّع فهي: إشباع الحاجة إلى احترام وتقدير الذّات: فدائمًا ما يسعى الإنسانُ إلى كسب الاحترام والتقدير من ذاته أوّلًا، والآخرين ثانيًا، والشعورُ بعكس ذلك يوّلد في النّفس الإحساسَ بالعجز والضّعف والشعورِ بالفشل وضعفِ العزيمة وقِلّةِ الشّغف؛ لذلك يحتاج دائمًا إلى ما يبعث في نفسه وفي نفس الآخرين التقديرَ والاحترام لذاته، والعملُ التطوّعيّ من أبرز ما يصقل ويُشبع تلك الحاجة؛ لما لها من نتائجَ عظيمةٍ تستدعي كلَّ الاحترام.[٢]

وكذلك إشباعُ الحاجة إلى الانتماء والحبّ: وفيما يتعلّق بالحاجات الاجتماعية بعد إشباع الحاجات الفيسيولوجيّة الذّاتيّة؛ فمن أولى الحاجات الاجتماعيّة للإنسان حاجتُه للشعور بالقَبول من قِبَل الآخرين وبالانتماء الدّائم إليهم؛ على أن يكون ذلك الشعورُ متبادَلًا؛ فكما يحبّ أن ينتميَ إليهم، لا بدّ أيضًا من شعورهم بالانتماء إليه، وأخيرًا إشباعُ الحاجة إلى المسؤولية: تبقى الحاجةُ إلى الشّعور بالمسؤوليّة من الحاجات المُلحّة في النفس البشريّة، والتّي تحتاج إلى الإشباع أيضًا؛ وذلك ما تسعى إليه المؤسساتُ الخيريّة؛ حيث تزرع في نفس المتطوّعين الثّقةَ بالنّفس وتزيد شعورَ تحمّل المسؤوليّة لديهم.[٢]

توجيه الانفعالات وضبطها

الانفعالات هي ما يُصيب الفردَ من متغيّراتٍ نفسيّةٍ وجِسمانيّة، فالمتطوّعُ من أكثر النّاس قدرةً على ضبط تلك الانفعالات؛ وذلك لتمرّسه واعتياده على ضبطها خلال ممارسة عمله في مجال التّطوّع؛ فتواجه المتطوّعَ الكثيرُ من المصاعب والمواقف التي تحتاج منه كمتطوّعٍ أن يكون قادرًا على ضبط انفعالاته، فمن غير الممكن أن يكون المتطوّعُ إنسانًا عصبيًّا غير قادرٍ على الاستماع لهموم النّاس ومشكلاتهم ومتطلباتهم بحسب ما يقتضيه نوعُ عمله؛ فلا بدّ من ضبط النّفس في تلك المواقف.[٢]

تفريغ الطاقة

في داخلِ كلّ إنسانٍ طاقةٌ هائلةٌ تحتاج دومًا إلى مواضعَ مناسبةٍ لتفريغها، وهي طاقةٌ من النوع المُحايد؛ فمن الممكن تفريغُها في فعل الخير ومن الممكن تفريغها في عكس ذلك وهو الشّر، لذلك يعدّ العمل التطوّعيّ من الأشياء التي تعمل على تفريغ تلك الطّاقة، والتي من الخطأ حبسُها في النفس؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى خللٍ في التوازن الدّاخليّ للإنسان، ويقومبتفريغ طاقته ضمن العمل من خلال المجهود البدنيّ غالبًا والفكريِّ في بعض الأحيان؛ فيشعر براحةٍ جسديّةٍ ونفسيّةٍ تجعله قادرًا على أداء باقي الأعمال الإلزاميّة التي تتطلّبها منه الحياة.[٢]

تعبئة أوقات الفراغ

من أكثر الأشياء ضررًا على الإنسان كثرة أوقات الفراغ؛ فيسعى في ذلك إلى ملئها بشتّى الوسائل، والتي قد تكون غير نافعة، بل قد تكونُ في بعض الأحيان مُحرّمةً وهنا الطّامةُ الكبرى، وبذلك يكون العملُ التّطوعيّ من أبرز الأمور التي تملأ أوقات الفراغ بما يعود بالنّفع على الفرد والمجتمع، وذلك باختياره للعمل الذي يحبّ ويناسبُ ميوله، فيكون العملُ بذلك مفيدًا وممتعًا في الوقت ذاته، ويشغل تفكيره بكيفيّة تنظيم العمل والفعاليات التي يمكن أن يقوم بها لتغطية تلك الأعمال التطوّعية؛ فيبتعد بذلك عن كلّ ما لا يحمل فائدةً أو يودي بالإنسان إلى المحرّمات.[٢]

الرّضا عن النفس

من أبرز النعم التي قد يهبها الله للإنسان الرضا عن النّفس؛ فالإنسانُ الرّاضي إنسانٌ سعيدٌ متوازنٌ قادرٌ على اختيار ما يناسبه في الحياة، ورفضِ ما لا يناسبه بكلّ رضىً وقبول، والعملُ التطوعيّ يجعل الإنسان راضيًا مطمئنَّ النّفس؛ وذلك نتيجة إحسانه للآخرين على اختلاف نوع الإحسان، إن كان إحسانًا بالكلمة الطّيبة أو بالفعل كتفريج كُربة، فيشعر بالرضا نتيجة مساعدته للآخرين وقدرتِه على إدخال ورسم البسمة على وجه أحدهم.[٢]

توجيه العواطف وضَبْطها

وذلك ما يقوم به العملُ الخيريّ؛ حيث يوجّه العواطفَ ويقودها؛ ففي نفس كلّ إنسانٍ عواطفُ تحتاج إلى توجيهٍ وضبط، فإمّا تُوجَّه بإدارةٍ من العقل، وذلك ما يقوم به العملُ التطوّعيّ، فتثمر تلك العواطفُ الخير الوفير، وإمّا توّجَه بتغييب العقل وذلك يؤدي إلى فعل ما لا يحمدُ عقباه؛ لذلك لا بدّ من اعتماد العمل التطوّعيّ كوسيلةٍ وأداةٍ لتوجيه العواطف نحو الاتجاه الصحيح الآمن، فمن الممكن استخدامُها مع المراهقين؛ حيث يتميّز سنّ المراهقة بوفرة العواطف التي تحتاج إلى توجيهٍ دقيق؛ فبذلك تُوجَّه بالطريق الصحيح وبأسلوبٍ مُحبّبٍ تفاديًا لحصول عكسِ ذلك.[٢]

تعالج الأمراض النفسية والجسديّة

فالأمراضُ النّفسيّة هي أساسُ الأمراض الجسدية؛ ففي معالجة ما قد يعتري الإنسانَ من ضغوطاتٍ نفسية -والتي قد تطرّق إليها المقالُ سابقًا- علاجٌ للجسدية الناتجة عن الضغط النفسيّ، والعملُ التطوعيّ قادرٌ على تخفيف الكثير من الأمراض والاضطرابات النفسيّة، والتي من أبرزها: قسوة القلب، وقد ورد في ذلك حديثٌ عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- حيث قال: "أتحبُّ أن يلينَ قلبُك، و تُدْرِكَ حاجتَكَ؟ ارحَمِ اليتيمَ، و امسَح رأسَه، وأطْعِمْه من طَعامِك، يَلِنْ قلبُك، وتُدْرِكْ حاجتَكَ"[٣] وليس بعد كلام النبيّ المصطفى -صّلى الله عليه وسلّم- كلام، ففي رؤية إنسانٍ سعيدٍ وقلبٍ مجبورٍ سعادةٌ ليس بعدها سعادة؛ فتلينُ القلوبُ وترضى النّفوس وتطمئنّ، ويصلُ الإنسانُ إلى أسمى مراتب الرّاحة النّفسية التي يتبعها راحةٌ جسديّةٌ وصِحّةٌ سليمة.[٢]

يسهم في تهذيب الأخلاق وتقويمها

الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ بطبعه، ويحتاج إلى معاشرة النّاس والاختلاطِ معهم بشكلٍ دائم؛ ولكنّ تلك المعاشرة تحتاج إلى أساليبَ وطرقٍ لتأخذ منحاها الصحيح، لذلك فإنّ اعتياد الإنسانِ على الاختلاط مع المجتمع المحيطِ به ومعاشرة أفراده والتّعامل معهم بكثرةٍ يهذّب أخلاق الإنسان، فيصبح قادرًا على التّعامل مع النّاس على اختلاف طباعهم بسلاسةٍ وليونة، والعملُ التطوّعيّ يدفع الإنسان إلى التّعامل مع المجتمع بشرائحه المختلفة؛ فيجعل من المتطوّع شخصًا اجتماعيًا قادرًا على الانخراط مع جميع شرائح المجتمع، والتّعاملِ معهم بكلّصبرٍ ورحابة صدر، فيساهم ذلك في تهذيب أخلاقه وتقويمها، وبذلك يكون قد عرض المقالُ أبرز الآثار النفسيّة الإجابيّة للعمل التطوعيّ على النّفس البشريّة.[٢]

المراجع[+]

  1. "العمل التطوعي تعريفه ، أهدافه، أنواعه"، www.ahlalhdeeth.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-22. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س "العمل التطوعي وأثره في الصحة النفسية"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-22. بتصرّف.
  3. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن أبي الدرداء، الصفحة أو الرقم:80، صحيح.