المنهج التاريخي عند ابن خلدون

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٣٤ ، ١٨ أغسطس ٢٠١٩
المنهج التاريخي عند ابن خلدون

ابن خلدون

وهو المؤرّخ التاريخي عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون أبو زيد ولي الدين الحضرمي الإشبيلي 1332 - 1406م، مواليد تونس، وخريج جامعة الزيتونة، عمل كاتبًا لدى ملوك المغرب والأندلس ثم انتقل إلى مصر، وهناك تقلّد قضاء المالكية بأمر من السلطان برقوق، فانقطع إلى التدريس والتصنيف، ومن أشهر مصنفاته كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر المعروف بتاريخ ابن خلدون. تُوُفِّيَ عام 1406م عن وعمره ستة وسبعين عامًا ودُفِنَ قرب باب النصر شمال القاهرة، ويعتبر ابنُ خَلدون مؤسسَ علم الاجتماع الحديث ومن علماء التاريخ والاقتصاد، وهذه المقالة ستتناول المنهج التاريخي عند ابن خلدون، بوصفه من أهم المناهج تأثيرا في الفكر العالمي.[١]

مفهوم التاريخ عند ابن خلدون

حتى يتّضح المنهج التاريخي عند ابن خلدون، لا بد من معرفة مفهومه لديه، فهو يُعرّفه بأنه "فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا".[٢]

فابن خلدون من خلال تعريفة، يجعل من التاريخ علمًا اجتماعيًّا، ومحاولة منظمة، لتحقيق في الحوادث الماضية عن طريق ربط كل حادثة بالأخرى والبحث في القوى والمشكلات والكشف عن تأثيرها في مسيرة الحضارة الإنسانية، لذلك فعلم التاريخ لا يمكن فصله عن المنهج التاريخي أو البحث الاستردادي، لأن البحث والتقصي العلمي طريقة موضوعية تسعى للوصول إلى نتيجة أو قانون أو قاعدة عامة تعرف بالحقيقة التاريخية، وهذه الطريقة خاضعة دومًا للتطوير والتكامل مع باقي مجالات المعرفة الإنسانية وتطوّرها ومنهج اكتسابها.[٢]

موقف ابن خلدون من المؤرخين السابقين

تبلور المنهج التاريخي عند ابن خلدون بعد اطّلاعه على مؤلفات المؤرخين السابقين ومناهجهم، فوجد الكثير منها يتضمن أخطاءً تحتاج إلى تصحيح، وأمورًا مبالغًا فيها، وتحتاج إلى تمحيصٍ وإعادة نظر، وقد عبَّرَ عَنْ هذا بقولِهِ: "إنَّ فحولَ المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيَّامِ وجمعوها وسطروها في صحائف الدفاتِر، وأوعوها وخلطَها المتطفلونَ بدسائس من الباطلِ وهموا فيها وابتدعوهَا، وزخارف منَ الرواياتِ الضعيفة لفقرها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممّن بعدهم واتبعوهَا وأدوها إلينا كما سمعوهَا، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوالِ ولم يراعوهَا، ولا رفضوا ترهات الأحاديثِ ولا دفعوهَا، فالتحقيق قليل، وطرف التنقيح -في الغالب- كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، والبصيرة تنقد الصحيح إِذ تمقل، والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل، والناقد البصير قسطاس نفسهِ في تزيفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم".[٣]

وقد وضّح أمثلة على الأخطاء الواردة في كتب التاريخ ومنها التهويل في أعداد الأموال والجنود كما فعل المسعودي أحد العلماء في العصر العباسي في إحصائه لجيوش بني إسرائيل، والبعد عن الواقعيَّة والاسترسال في الخيال والأوهام والمبالغات الأسطورية التى لا سند عقلي أو منطقي لها ولا يؤيّدها واقع مُشاهَد. وكان خلال اطلاعهم على كتب المؤرخين السابقين يناقشهم فيما زعموه، وما وقعوا فيه من مغالطات وأخطاء تاريخيّة، ويفند أسباب أخطائهم ومغالطهم، وكان خلال ذلك يضع القواعد التى تحول دون وقوع المؤرّخين في هذه الأخطاء مرّة أخرى.[٣]

المنهج التاريخي عند ابن خلدون

فتح ابن خلدون بابًا لدراسة التاريخ وتفسيره، ليكون الباب الذي فتحه فيما بعد المنهج التاريخ عند ابن خلدون، رافدًا عالميًّا مهمًا في دراسة التاريخ، أساسه التفهّم، وقائمًا على مجموعة من القواعد هي:[٤]

  • قاعدة العمران: فهو أول مفتاح لفهم التاريخ من خلال كينونته وما يقدّمه من أخبار، والعمران وسيلة للتحقق من صِدْقِ الأخبارِ وَكَذِبِها، والتأكّد من وقوع الحادثة أو استحالتها، فهو يقول: "هو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم إن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع‏.‏ أما إذا كان مستحيلًا فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح‏.‏ ولقد عدّ أهل النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول الفلظ وتأويله بما لا يقبله العقل‏، إنّما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية؛ لأنّ معظمها تكاليف انشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط".
  • قاعدةُ السببية: يجعل المنهج التاريخي عند ابن خلدون من السببيّة، عاملا رئيسًا في فَهْمِ التاريخ، وعدم الأخذ بهذه القاعدة قد يُقع في خطأ خطير؛ لأن حدوث الأشياء وزوالها يكون بأسباب، وعدم الأخذ بهذه الأسباب عند التأريخ أو التحريف لحقيقة السبب يُنتجُ فهمًا مغلوطًا للحوادث. والسبب التاريخي يقسم إلى نوعين: الفاعل القائم بأصل حدوث الحدث وقد يكون فرد أو جماعة، والعوارض التي كان منها وقوع الحدث التاريخيّ.
  • قاعدة السُّنَن الكَوْنِيَّة: يعدّ المنهج التاريخي عند ابن خلدون السنن الكونيّة أساسًا لفهم التاريخ، وسبيل لأخذ العبرة منه من خلال النظر في سنن الله في الكون وما فيها من خير أو شرّ.

وقد حدّد المنهج التاريخي عند ابن خلدون الطرائق التي على المؤرّخ قراءة التاريخ وفقها، فعليه أن يبدأ أولا بالتدرُّج: أي أن يتدرّج في قراءة السياق التاريخي من أوّل حدوثه ونشوئه حتى النهاية، وأن يتدرج في قراءة كتب التاريخ التي تناولت الحادثة وَفْقِ التنقل المَرْحَلي. والطريقة الثانية تقوم على التبصُّر بالأشباه؛ فالحاضرُ أشبَهُ بالماضي قاعدة وأصلًا مهمًا لفَهم أحداث التاريخ، ومقايسةِ الحاضر بأشباهه في الماضي.[٤]

أثر المنهج التاريخي عند ابن خلدون في الغرب

كان الغربيّون من أمثال أرنولد توينبي وفيرنان بروديل وغيرهم كثير من المستشرقين أول من اهتم بدراسة ابن خلدون وفكره، واهتمّوا به منذ بداية القرن التاسع عشر، واحتفلوا به اليوم، إذ إن المنهج التاريخي عند ابن خلدون كان موضوع العديد من الكتابات الأكاديمية والفلسفيّة الغربية التي وصفت تقديم ابن خلدون للتاريخ بأنه تقديم لا دينيّ للتأريخ، غير مسبوق من المؤرّخين العرب والغربيّين أبدًا، ولذلك كان له تقديرٌ كبيرٌ عندَهم.[١]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب "ابن خلدون"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 06-08-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "ما هو التاريخ ونشأة التدوين التاريخي لدي العرب والمسلمين"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 06-08-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "موقف ابن خلدون من المؤرخين السابقين"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 06-08-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "كيف نفهم (التأريخ)؟!"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 06-08-2019. بتصرّف.