الرقابة على دستورية القوانين

الرقابة على دستورية القوانين

مفهوم الرقابة على دستورية القوانين 

ما المقصود بسمو الدستور؟

يتحدد مفهوم الرقابة على دستورية القوانين من خلال تحديد أولًا: ما المقصود بالرقابة الدستورية على القوانين، وثانيًا: من خلال بيان ما هي أنواع الرقابة الدستورية التي جرى الاعتماد عليها في مختلف دول العالم.


تحديد مصطلح الرقابة على دستورية القوانين

مصطلح الرقابة على دستورية القوانين يعني التحقق من مدى موافقة القوانين والتشريعات الصادرة من السلطة التشريعية أو التنفيذية للدستور، وفقًا لمبدأ سمو الدستور على غيره من القوانين، إذ إنّ قواعده هي القواعد الأسمى والأعلى في التنظيم القانوني، ولعلّ الهدف من هذه العملية هو إيقاف عملية الإصدار إذا كان القانون أو التشريع لم يتم إصداره، أو من أجل القيام بإجراءات الإلغاء أو الامتناع عن تطبيقها إذا ما كانت تلك القوانين قد تم إصدارها بالفعل[١]، وعليه فالرقابة على دستورية القوانين ما هي إلا وسيلة يكفل بها واضعو الدستور في البلاد ضمان الاحترام الكامل لجميع بنوده وقواعده سواء من قبل السلطة التشريعية أم التنفيذية.[٢]


تجدر الإشارة إلى أنّ تطابق جميع الأعمال التشريعية من قوانين أو لوائح أو قرارات مع أحكام الدستور يهدف بالأساس إلى ضمان الحريات والحقوق، وتحقيق العدل والمساواة التي جرى النص عليها في الدستور، فحق التشريع وإن كان من الحقوق الأصيلة للسلطة التشريعية إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن تتعدى هذه السلطة على غيرها من السلطات داخل الدولة، فمن غير المسموح قانونًا لها أن تتجاوز الصلاحيات الممنوحة لها[٣]، كما أن السلطة التنفيذية هي الأخرى يجب أن تكون جميع الأعمال والقرارات التي تصدر عنها متفقة مع أحكام الدستور وإلا كانت غير مشروعة وجديرة بالإلغاء.[٤]


أنواع الرقابة على دستورية القوانين

لأنّ الرقابة على دستورية القوانين هي لضمان احترام الدستور من قبل السلطات العامة في الدولة، فهي عملية تتم بعدة طرق وليس بطريقة واحدة وتختلف الدول في هذا الأمر حيث تعتمد كل دولة الطريقة التي تناسبها في الرقابة على دستورية القوانين[٥] وعلى النحو الآتي:


الرقابة القضائية

يُقصد بها قيام سلطة قضائية بمباشرة الرقابة على دستورية القوانين، وبعبارة أخرى فالرقابة القضائية هي الرقابة التي يتم إسنادها إلى جهة قضائية، حيث تتولى مهمة رقابة السلطة التشريعية فيما تصدره من تشريعات وقوانين، ولعل أساس هذا النوع من الرقابة هو الحق في حماية حقوق الأفراد وحرياتهم التي نص عليها الدستور في مواجهة السلطة العامة، وهذا النوع من الرقابة يتم بطريقتين هما: [٤]


  • الرقابة القضائية عن طريق الإلغاء: وهي رقابة تقوم بها هيئة مشكلة خصيصًا لهذه المهمة، غالبًا ما يُطلق عليها بالمحكمة الدستورية وفيها يتم رفع الدعوى سواء من قبل الأفراد أم أية جهة، حيث تتم المطالبة بإبطال قانون لأنه مخالف للدستور، وللقاضي الحق إذا ما ثبت له عدم دستورية ذلك القانون محل الدعوى أن يلغيه وبأثر رجعي.
  • الرقابة القضائية عن طريق الامتناع: وهي الرقابة التي تمتنع فيها المحكمة عن تطبيق القانون المخالف للدستور، ولكن دون أن تقوم بإلغائه، ورقابة الامتناع تأخذ ثلاثة أشكال وهي: الدفع بعدم دستورية القانون والأمر القضائي والحكم التقريري.


الرقابة السياسية

هي الرقابة التي يسند فيها الفصل في دستورية القوانين من عدمها إلى جهة سياسية يتم إنشاؤه من أجل هذه المهمة، سواء أكان مجلسًا دستوريًّا أم برلمانًا أم أية جهة أخرى تقرر الدولة إنشاءها لتمارس هذه المهمة، ومهمتها هي فحص القوانين قبل صدورها وتقرير ما مدى مطابقتها لأحكام الدستور النافذ في البلاد، ويأتي القرار الذي يصدر عن هذه الجهة إما بتثبيت القانون الصادر أو بإلغائه، وقد تكون الرقابة السياسية في بعض الأحيان بعد صدور القانون ودخوله حيز التنفيذ، والرقابة السياسية لها عدة صور أهمها: ا بالفعل[١]


  • الرقابة عن طريق المجلس الدستوري: وهو مجلس مهمته الأساسية مطابقة القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية لأحكام الدستور تطبيقًا لمبدأ الفصل بين السلطات ولضمان عدم تعدي سلطة على أخرى، وقبل ذلك هي وسيلة للمحافظة على الحقوق والحريات الخاصة بالأفراد في مواجهة الدولة، لذلك هي سلطة غالبًا ما يُطلق عليها السلطة الوقائية.
  • الرقابة عن طريق البرلمان: وهذا النوع من الرقابة فيه ضمان لاستقرار عملية التشريع في الدولة، ويمنع التضارب في الآراء وسوء الفهم الذي يمكن أن يقع بين السلطات العامة بشأن قانون ما كونه جاء مخالفًا أم لا لأحكام الدستور، إذ تتولى الرقابة في هذه الحالة ذات الجهة التي قامت بإصدار القانون إلا وهي السلطة التشريعية المتمثلة بالبرلمان.


الرقابة الشعبية

هي الرقابة التي تتمثل في حق المجتمع والشعب في مراقبة أعمال السلطة التشريعية وإجبارها على الخضوع للدستور وتطبيق مبدأ المشروعية، وهو حق يعتمد في الأساس على كون الشعب هو صاحب الإرادة العامة التي أوجدت الدستور، وفي حقيقة الأمر إنّ هذا النوع من الرقابة يواجه الكثير من الصعوبات على أرض الواقع؛ إذ ليس بمقدور الفرد العادي دراسة القوانين ومقارنتها بالدستور فهي عملية ليست بالسهولة المتصورة، وعليه فقد وجد من يقوم بهذه المهمة نيابة عن الشعب وهم نواب الشعب في مجلس الشعب أو الأحزاب السياسية أو المنظمات والنقابات على اختلاف أنواعها.[٦]

الرقابة الداخلية (الذاتية)

هي طريقة يجري اتباعها في الدول التي لا تمنح حق الرقابة الدستورية لجهة معينة أو لا يقرر اجتهادها القضائي هذا الحق، حيث تقوم السلطة التشريعية من تلقاء نفسها بفحص القوانين لمعرفة مدى تطابقها مع قواعد وبنود الدستور النافذ في البلاد، وذلك قبل عرضها على التصويت والإقرار في المجلس التشريعي.[٦]


نطاق الرقابة القضائية على دستورية القوانين 

ما المقصود بالمخالفة الشكلية والموضوعية لنصوص الدستور؟

يقصد بنطاق الرقابة القضائية على دستورية القوانين الأوجه الرقابية التي يمكن للدولة أن تتبعها في سبيل ضمان دستورية القانون أو التشريع الصادر، ونطاق الرقابة الدستورية في أغلب دول العالم يأتي في شكلين رئيسين لا ثالث لهما، الأول يتعلق بالأوجه الشكلية للرقابة على دستورية القوانين والتي تتعلق بطرق سن القوانين وإصدارها ومدى مراعاة الاختصاص والشكل والإجراءات المنصوص عليها قانونًا، والثاني يتعلق بالأوجه الموضوعية والتي تتعلق بعنصري السبب والمحل في تشريع القانون[٧]، ويمكن تفصيلها على النحو الآتي:


الرقابة الدستورية على المخالفة الشكلية للدستور

تبرر فكرة المخالفة الشكلية للدستور في ظهور كل من عيب الاختصاص وعيب الشكل والإجراءات في التشريع، حيث يعد الاختصاص من أبرز المبادئ التي يرتكز عليها القانون، كما ويستمد منها قوته كونه يحدد الجهات والسلطات صاحبة القرار والتصرف في الدولة وهو الأمر الذي من شأنه أن يحفظ مبدأ الفصل بين السلطات، وعليه يجب أن تتم مراعاة ما نص عليه الدستور من شكل وإجراءات عند صياغة التشريع وإلا أصبح معيب وهذه الرقابة لها شكلين، هما: [٨]


  • الرقابة الدستورية على عيب الاختصاص: فكرة الاختصاص هي من أهم الأفكار التي يرتكز عليها القانون العام والتي تعني القدرة على القيام بإجراء أو تصرف ما، وبالمقابل عدم الاختصاص ما هو إلا عدم القدرة على القيام بتصرف ما لأنّ من شأن هذا التصرف أن يؤدي إلى خرق القانون، لذلك وفقًا لهذا المبدأ فكل تشريع يصدر عن السلطة المختصة يجب أن يكون موافقًا للضوابط التي وضعها الدستور، وعدم الاختصاص الدستوري يمكن أن يكون شخصيًّا أو موضوعيًّا أو زمنيًّا أو مكانيًّا.
  • الرقابة الدستورية على عيب الشكل والإجراءات: تنصبّ فكرة الشكل في القانون الدستوري على التقيد بالأوضاع والإجراءات الشكلية التي ينص عليها الدستور في كل ما يتعلق باقتراح القانون وإقراره وإصداره، فهي شكليات يفرض الدستور على المشرع القانوني اتباعها بشكل دقيق، وإلا كان القانون معيبًا من الناحية الدستورية لكونه خالف الإجراءات التي أوجبها الدستور في مراحل صنع القانون، سواء في مرحلة الاقتراح أم الإعداد أم الإقرار أم الإصدار.


الرقابة الدستورية على المخالفة الموضوعية للدستور

يمتد نطاق الرقابة الدستورية على المخالفة الموضوعية للدستور أيضًا ليشمل كل من عيبي المحل والسبب، الذي قد يطال القانون أو التشريع ليصيبه بعيب عدم الدستورية، فقد تتجاوز السلطة التشريعية القيود والضوابط التي وضعها الدستور لها عند ممارستها لاختصاصاتها، الأمر الذي من شأنه أن يجعل القانون الصادر معيبًا بعيب المحل، كما قد يخالف القانون الحالة القانونية أو الواقعية التي دعت إلى صدوره، وهنا سوف يكون معيبًا بعيب السبب، وعلى النحو الآتي:[٩]


  • الرقابة الدستورية على عيب المحل: يراد بمحل القانون الأثر القانوني المترتب عليه، فهو جوهر القانون ومادته الأساسي، ويتمثل عيب المحل في القانون الدستوري في مخالفة القانون لقاعدة دستورية مخالفة مباشرة؛ أي أنّ السلطة التشريعية أثناء إصدارها للقانون كانت قد خالفت القيود والضوابط التي يتطلبها الدستور، فتجاوزت بذلك النص الدستوري، أو أنها خالفت قاعدة العمومية والتجريد في التشريع.
  • الرقابة الدستورية على عيب السبب: يعرف السبب في القانون على أنه الحالة الواقعية أو القانونية التي دفعت إلى صدوره، ويشترط في هذا السبب أن يكون موجودًا فعليًّا وماديًّا، ويتمثل السبب في إصدار قانون وجود خطر داهم يجب أن تتم مواجهته من قبل الدولة ومؤسساتها، وذلك عن طريق إصدار قانون ينظم ذلك الأمر ويحمي الحقوق والحريات من ذلك الخطر، فإذا ما انتفى وجود السبب فإنّ القانون في هذه الحالة تشوبه شائبة عيب السبب.


أهمية الرقابة على دستورية القوانين 

ما المقصود بمبدأ الفصل بين السلطات؟

تتجلى أهمية الرقابة على دستورية القوانين في أمرين اثنين هما:


تكريس مبدأ سمو الدستور

إنّ الدستور هو أحد أهم رموز الشرعية في الدولة، كما يعد الأساس الذي يتولى وضع النظام القانوني لها، وينظم ممارسة السلطة والعلاقة بينها وبين الأفراد، الأمر الذي يؤدي إلى أنّ جميع السلطات في الدولة ستعمل وفقًا لقواعد الدستور، لذلك فإنّ القواعد الدستورية هي القواعد الأسمى والأعلى في الدولة[١٠]، وهذا يعني أن الدستور يمثل المرتبة الأولى في هرم القوانين داخل الدولة، لذا يجب على الجميع سواء الدولة أم الهيئات التابعة لها الالتزام بمضمون القواعد الدستورية والتقيد بها إعمالًا لمبدأ الشرعية وهو ما يطلق عليه بسمو الدستور، وتجدر الإشارة إلى أنّ لسمو الدستور من الناحية العملية مظهرين، هما:


السمو الموضوعي للدستور

هو ذلك السمو الذي يتعلق بالموضوع الذي تعالجه قواعد الدستور وطبيعتها الخاصة، إذا إنّها تنظم جميع ما يتصل بعمل مؤسسات الدولة، كما تُحدّد شكل ونظام الحكم فيها، أيضًا تتولّى تحديد الفلسفة التي يسير عليها النظام السياسي في الدولة، وعليه فهي تسمو على جميع النصوص القانونية الأخرى، بسبب الطبيعة الخاصة التي تمثلها هذه القواعد.[١١]


السمو الشكلي للدستور

هو ذلك السمو الذي يتعلق بالشكل الذي توجد عليه قواعد الدستور، حيث يمنحها مركزًا قانونيًّا مميزًا عن باقي القواعد القانونية الأخرى، حيث تسمو القاعدة الدستورية شَكْلِيًّا على غيرها من القواعد القانونية، فلا يمكن تعديلها إلّا وفقًا لإجراءات خاصة في أغلب الأحيان لا يصار إليها إلا في حالات الضرورة القصوى، الأمر الذي يمنح القاعدة الدستورية مكانة عليا في المنظومة القانونية، استنادًا إلى الشكل وليس المضمون.[١٢]

تكريس مبدأ الفصل بين السلطات

يكفل مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) ضمان مبدأ الشرعية في الدولة ذلك المبدأ القائم على ضرورة احترام الجميع للقوانين وتطبيقها بالطريقة الصحيحة، فالشرعية في هذه الحالة تعني خضوع جميع الأفراد في الدولة سواء أكانوا حكّامًا أم محكومين إلى سلطة القانون، ولعل أفضل وسيلة لضمان هذه الشرعية هي الرقابة أيًّا كانت صورتها، وعليه فإن مبدأ الفصل بين السلطات في النهاية سيكون بمثابة الوسيلة الفعالة والناجعة لاحترام القانون وحسن تطبيقه من الجميع.[١٣]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ماجد راغب الحلو، النظم السياسية والقانون السياسي (الطبعة 2005)، الإسكندرية:منشأة المعارف، صفحة 438. بتصرّف.
  2. عبد الحميد الشواربي، شائبة عدم دستورية ومشروعية قرارات إعلان حالة الطوارئ والأوامر العسكرية، الإسكندرية:منشأة المعارف، صفحة 186. بتصرّف.
  3. بوسطلة شهرزاد، مبدأ الرقابة على دستورية القوانين وتطبيقاته في التشريع الجزائري، الجزائر:كلية الحقوق والعلوم السياسية، صفحة 3. بتصرّف.
  4. ^ أ ب إبراهيم عبد العزيز شيحا (2006)، المبادئ الدستورية العامة، الإسكندرية:منشأة المعارف، صفحة 204. بتصرّف.
  5. سعد عصفور (1954)، القانون الدستوري القسم الأول (الطبعة 1)، الإسكندرية:دار المعارف، صفحة 112. بتصرّف.
  6. ^ أ ب نسرين طلبة، الرقابة على دستورية القوانين، سوريا:كلية الحقوق جامعة دمشق، صفحة 496. بتصرّف.
  7. محمد المجذوب (2000)، القانون الدستوري والنظام السياسي، صفحة 70. بتصرّف.
  8. صافي حمزة (2020)، دور الرقابة الدستورية في حماية الحقوق والحريات السياسية في دول المغرب العربي، الجزائر:كلية الحقوق والعلوم السياسية، صفحة 40. بتصرّف.
  9. ماهر أبو العينين (2013)، الانحرافات التشريعية للرقابة على دستورية القوانين (الطبعة 1)، صفحة 195. بتصرّف.
  10. فاطمة الزهراء غربي، ضمانات نفاذ القواعد الدستورية في الجزائر، الجزائر:دار الفكر العربي، صفحة 225. بتصرّف.
  11. حسن مصطفى البحري (2003)، القانون الدستوري النظرية العامة (الطبعة 1)، صفحة 275. بتصرّف.
  12. عصام الدبس (2011)، القانون الدستوري، بغداد:دار الثقافة والنشر ، صفحة 172، جزء 1. بتصرّف.
  13. عبد الحليم مرزوقي (2016)، التعديل الدستوري الجزائري الجديد ومبدأ الفصل بين السلطات، صفحة 52. بتصرّف.