التحليل الاقتصادي الشامل لتأثير كورونا على أسعار النفط العالمية

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:١١ ، ٢٨ أبريل ٢٠٢٠
التحليل الاقتصادي الشامل لتأثير كورونا على أسعار النفط العالمية

النفط واستخداماته

يمكن تعريف النفط على أنه أحد أهم مصادر الطاقة غير المتجددة في العالم، والذي تشكل عبر سنوات طويلة من خلال ترسب بعض المواد العضوية بالإضافة إلى الرواسب الكربونية الأخرى، وتُستخدم مادة النفط الخام بعد تكرير النفط في إنتاج مجموعة من المشتقات النفطية الأخرى التي يمتلك كل منها مجموعة من الخصائص الفيزيائية والكيميائية المختلفة، ومن أبرز هذه المشتقات: البنزين، والكيروسين، ووقود الطائرات، والإسفلت، كما يعد النفط من أهم السلع التي يتم تداولها في العالم من خلال طرق متنوعة للحصول على المنتجات النفطية واستخدامها في العمليات التصنيعية والعمليات الاستهلاكية الأخرى، وهذا ما يجعل النفط يتأثر بشكل كبير بكافة الظروف الاقتصادية والأحداث السياسية والبيئية المحيطة، وفي ظل حدوث أزمة فيروس كورونا المستجدّ وتأثيرها بشكل كبير على حركة التجارة والصناعة والاقتصاد في العالم لا بُدَّ من إعداد التحليل الاقتصادي الشامل لتأثير كورونا على أسعار النفط العالمية ، وفي هذا المقال سيتم استعراض التحليل الاقتصادي الشامل لتأثير كورونا على أسعار النفط العالمية.[١]


التحليل الاقتصادي الشامل لتأثير كورونا على أسعار النفط العالمية

إن التحليل الاقتصادي الشامل لتأثير كورونا على أسعار النفط العالمية يأتي من خلال معرفة تأثير انتشار كورونا على سوق الطاقة العالمي، ومعرفة العوامل المؤثرة على أسعار برميل النفط في العالم تحت تأثير كورونا، وتفسير السبب الذي أدّى إلى حدوث انخفاضات حادة في أسعار النفط العالمية إلى درجة وصولها في سابقة تاريخيّة إلى أسعار سالبة في ظل ما تَسببت به أزمة كورونا من تعليمات صارمة فرضتها الدول على جميع القطاعات فيها، وعليه يمكن استعرض التحليل الاقتصادي الشامل لتأثير كورونا على أسعار النفط العالمية من خلال ما يأتي:

لماذا يؤثر انتشار كورونا بهذه الدرجة في سوق الطاقة العالمي

يؤثر انتشار كورونا بدرجة كبيرة على سوق الطاقة العالمي، فالطاقة تحرك جميع القطاعات الفاعلة في مختلف دول العالم، وفي ظل جهود احتواء كورونا تأثر سوق الطاقة العالمي من خلال ما يأتي:[٢]

  • تحجيم حركة الطيران العالمية بشكل كبير إلى حد توقّفها في بعض الدول بسبب منع التجول والسفر وإجراءات التباعد الاجتماعي، الأمر الذي يعني تخفيض القدرة على توريد الطاقة، فضلًا عن الانخفاض الحاد في استهلاك الطاقة تبعًا لتوقف العديد من المصانع والشركات عن ممارسة أعمالها لاحتواء انتشار كورونا، الأمر الذي تسبب في حدوث تغييرات حادة في الطلب على الوقود لعدم استخدامه في العمليات التصنيعية بالشكل المعتاد.
  • التأثير على السوق المالي وسوق الأسهم من خلال تأثير تغيّر الطلب على الوقود والترشيحات لانخفاض الطلب مع استمرار تأثير كورونا على العديد من القطاعات الراكدة بسبب أزمة كورونا، بالإضافة إلى تأثير تعطّل أعمال الشركات ووقف إنتاجها من السلع والخدمات على أسعار الأسهم الخاصة بها في السوق المالي، بما في ذلك شركات الطاقة التي خفّضت من أعداد موظفيها ولو جزئيًا في ظل ما فرضته أزمة كورونا.

العوامل المؤثرة على سعر برميل النفط في ظل وجود كورونا

هناك العديد من العوامل الموثرة التي كان لها دور حاسم في تغير أسعار النفط في العالم في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها وجود أزمة فايروس كورونا، ومن أبرز هذه العوامل ما يأتي:[٢]

  • وجود العديد من التوقعات الاقتصادية المتشائمة والتي تتوافق مع المنطق الذي فرضه وجود أزمة كورونا، حيث خمّن العديد من الاقتصاديين حدوث هبوط حادّ في الطلب على النفط بسبب تقليص حجم إنتاج الجهات المستهلكة للنفط في جميع أنحاء العالم.
  • حدوث انهيار في معظم أسهم الشركات العالمية بسبب تقلص حجم أعمالها وتأثير ذلك على السوق المالي، لينعكس هذا الزخم الاقتصادي السلبي الذي أثر على الشركات العالمية بدوره على أسعار برميل النفط.
  • عدم وجود جدول زمني أو توقعات منطقية تدعو إلى التفاؤل وعودة الأنشطة التجارية والصناعية إلى وقت قريب في ظل تصاعد عدد الإصابات في معظم دول العالم، مما عزَّز من فرضية استمرار حالة الانكماش الاقتصادي التي تمر بها دول العالم إلى فترة زمنية أطول.

لماذا انخفضت أسعار النفط العالمية

هناك مجموعة من الأسباب التي يُعزى إليها حدوث الانخفاض الحادّ في أسعار النفط متأثرة بالأحداث المصاحبة لأزمة كورونا، حيث كان هذا الانخفاض قياسيًّا مقارنة بحالات الانخفاض التي شهدتها أسعار النفط العالمية في السنوات الأخيرة، ومن أبرز أسباب حدوث انخفاض أسعار النفط العالمية ما يأتي:[٣]

  • وجود فائص هائل في مخزون النفط بسبب العرض الكبير وعدم وجود طلب مناسب لهذا العرض بالتزامن مع حالة عزوف مستهلكي الموارد النفطية على الطلب للتأثّر بأزمة كورونا.
  • نفاد السعة التخزينية القادرة على استعياب الكميات الكبيرة من المخزون النفطي لدى شركات الطاقة النفطية، وعجزها عن تخزين هذه الكمية من البراميل النفطية ساهم في بحثها عن مشترين لهذه الكميات من مخزون النفط ولو بسعر أقل.
  • استمرار الدول المنتجة للنفط في إنتاج الكميات الاعتيادية من النفط، وعدم التجاوب من قبلها بشكل سريع مع تراجع الطلب على المخزون النفطي، وهذا تَسبب في تزايد الفجوة بين الكميات التي يتم إنتاجها من البراميل النفطية، والكميات التي يتم استهلالكها، ورغم لجوء بعض شركات إنتاج النفط إلى تخفيض كميات الإنتاج النفطية، إلى أنَّ هذا التخفيض كان طفيفًا مقارنة بحجم الطلب المنخفض جدًّا على المخزون النفطي، الأمر الذي أدّى إلى استمرار الفجوة بين ما يتم عرضه من مخزون نفطي مقارنة بالطلب عليه.
  • عجز المضاربين في سوق الأوراق المالية الذين يتاجرون بالتداول في العقود النفطية عن توفير مساحات تخزينية لكميات النفط التي تحتوي عليها العقود النفطية التي قاربت على الانتهاء، والتي بحلول موعد انتهائها سيكون هؤلاء المضاربون مضطرين إلى استلام هذه الكميات الكبيرة من المخزون النفطي، ومع وجود أزمة كورونا أصبح من غير الممكن استهلاك الكميات النفطية التي تم الاتفاق عليها مع شركات إنتاج الطاقة النفطية، مما اضطرهم إلى عرض عقود بيع المواد النفطية بسعر منخفض في السوق المالي إلى جهات أخرى، مما ساهم في زيادة عرض الكميات النفطية بشكل مفرط، وأدى إلى انهيار أسعار النفط العالمية.

ماذا يعني أن أسعار النفط بقيم سالبة

إن من الطبيعي عند انخفاض أي سلعة شرائية بشكل حاد أن تؤول قيمة هذه السلعة إلى الصفر، لكن ما يحدث في سلعة مثل البراميل النفطية مختلف قليلًا، حيث إنَّ تكلفة استخراج النفط من باطن الأرض عالية نسبيًا تبعًا لوجود مجموعة من خطوط من الأنابيب النفطية الممتدة في باطن الأرض، وآلية الضغط المستمر المعقدة التي تتبعها الشركات النفطية من أجل إبقاء البئر النفطي قادرًا على التزويد بكميات وفيرة من النفط بشكل دوري، فضلًا عن أنَّ بعض عمليات استخراج النفط تكون في مناطق بعيدة أو بالقرب من البحر، وبالتالي فإنَّ إيقاف الإنتاج من قبل الشركات النفطية سيكون مرتفع التكلفة، فضلًا عن أنَّ المخزون النفطي يحتاج إلى طرق خاصة من أجل خزنه والحفاظ عليه، وهذا يزيد من التكلفة المترتبة على الاحتفاظ بكميات هائلة من المخزون النفطي.[٤]

وعليه فإنَّ سعر بين برميل النفط الواحد عندما يكون بقيمة سالبة يعني أنَّ المشتري سيحصل على مبلغ محدد يساوي القيمة السالبة التي تم عرض برميل النفط للبيع بها، مقابل تخليص الشركات المنتجة للنفط من تكاليف باهظة تفوق هذه القيمة في حال احتفاظها ببرميل واحد من النفط، فهي تفضل تكبد خسارة طفيفة لكل برميل نفط وبيعه على تكبّد خسارة أكبر في حال الاحتفاظ به، وهذا يمكن تعميمه على الكميات الكبيرة من المخزون النفطي التي يتم إنتاجها يوميًا، وبه يتم توضيح مقدار التكاليف الباهظة التي سوف تتكبدها الشركات المنتجة للمواد النفطية في حال إيقافها لعمليات استخراج النفط وإعادة استئناف عملية الاستخراج لاحقًا، أو التفكير في حفر آبار نفطية جديدة، أو في حال الاحتفاظ بالمخزون النفطي الهائل الذي يتم إنتاجه يوميًا.[٣]

الأساليب المتبعة لتفادي تأثير كورونا السلبي على النفط

إن التبعات الاقتصادية الحساسة التي ألقت بظلالها على دول العالم نتيجة لوجود أزمة كورونا عززت من محاولة إيجاد بعض الوسائل التي يمكن من خلالها تقليل حجم الأضرار على الاقتصاد الناتجة عن هذه الأزمة بما في ذلك التأثيرات السلبية على أسعار ومخزونات النفط في العالم، ومن أبرز الأساليب المتبعة في تقليل هذا التأثير السلبي ما يأتي:[٥]

  • استهداف بعض الصفقات التجارية التي تسعى من خلالها بعض الدول التي بدأت تنهض من أزمة كورونا ولو جزئيًا بشراء كميات من النفط لتستخدم هذه الكميات النفطية في أعمالها الصناعية والحيوية.
  • محاولة إعادة تنظيم سلاسل الشحن والتوريد النفطي بحيث يتم احتواء النقص الحادّ في استهلاك النفط على العمليات الصناعية والحيوية في الدول التي تتفاقم فيها أزمة الكورونا بشكل أكبر.
  • إجراء دراسات فورية ودقيقة تفيد في تحديد الكميات الإنتاجية التي يمكن من خلالها الحدّ من الفائض الكبير في كميات عرض النفط، مع الأخذ بعين الاعتبار تكلفة شحن وتخزين المواد النفطية، بحيث يكون تأثير أزمة كورونا على أسعار النفط العالمية بأقل ما يمكن.

كيف يكون التحوط المالي في النفط

يطلق مفهوم التحوط المالي على تلك العملية المنظمة التي يتم من خلالها تقليل المخاطر المرتبة على حدوث تحركات غير طبيعية في أسعار السلع، أما بالنسبة للتحوط المالي في النفط فيكون من خلال بعض الاستثمارات في الأوراق المالية المرتبطة بالنفط في السوق المالي،[٦] حيث إنَّ هناك مجموعة من الأطراف التي يحتوي عليها السوق المالي للنفط، والتي تكون مهتمة بعمليات بيع وشراء العقود النفطية، ومن أبرز هذه الأطراف شركات إنتاج خام النفط والمشتقات النفطية الأخرى، وشركات الطيران التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود في عمليات شحن البضائع ونقل المسافرين، فضلًا عن وجود بعض المضاربين في السوق المالي، والذين يكونون مهتمين باستثمار بعض الفرص عندما تكون هناك حركة نشطة للبيع أو الشراء، وفي الغالب يتم استخدام العقود الآجلة للنفط من أجل التحوط المالي في النفط في الوضع الطبيعي.[٧]

أنواع عقود النفط

نظرًا لأهمية النفط باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة في العالم وتأثير أسعار النفط على العديد من السلع الأخرى فإن هناك حركة نشطة لبيع وشراء النفط الخام والمشتقات النفطية بين الدول المنتجة لهذه السلعة الحيوية ومشتقاتها والدول المستهلكة لها، ولضمان سير عملية بيع وشراء المواد النفطية بشكل سلس يضمن فيه المشتري الحصول على كمياته التي يحتاجها من المواد النفطية وحصول البائع على ثمن هذه المواد النفطية المباعة فإنَّ هناك مجموعة من الصور التي يمكن أن تكون عليها العقود النفطية،[٨] ويمكن تصنيف أنواع عقود النفط إلى ما يأتي:

العقود الفورية

يتم في عقود النفط الفورية استلام كمية النفط التي تمَّ شراؤها من الجهة المنتجة للنفط وفق سعر النفط الحالي لحظة البيع، كما يتم تسليم ثمن الكمية التي تمَّ شراؤها بشكل فوري، بالإضافة إلى ذلك تحتوي العقود الفورية للنفط على بعض الشروط الخاصة بآلية التسليم، وبشكل عام فإنَّ أسعار بيع وشراء النفط في العقود الفورية عادة ما يكون أقل ثمنًا، وقد تطرأ بعض العوامل والظروف الأخرى التي تجعل الأسعار الفورية للنفط أقل من الأسعار الآجلة، ومن أبرزها كميات إنتاج النفط التي تؤثر على السعر، فضلًا عن حجم العرض والطلب ومدى التغيير الذي قد تشهده حركة بيع النفط في الوقت الحالي أو في المستقبل.[٩]

العقود الآجلة

يمكن تعريف العقود الآجلة للنفط على أنَّها تلك العقود التي يتم بموجبها شراء مخزون نفطي محدد الكمية بسعر محدد مسبقًا على أن يتم تسليم هذه الكمية التي نصَّ عليها العقد النفطي الآجل في زمن مستقبلي معلوم، وعادة ما تكون أسعار النفط في العقود الآجلة أعلى قيمة من أسعار النفط في العقود الفورية، وذلك لأنَّ العقود الآجلة للنفط تتضمن إضافة بعض المبالغ على كل برميل نفطي مقابل احتفاظ الجهة المنتجة للمواد النفطية بالكمية المتفق عليها في مخازنها ليتم تسليمها في وقت لاحق، كما تشمل هذه الفرقية في السعر بعض التكاليف الأخرى التي تتكبدها شركات إنتاج المواد النفطية مثل تكاليف النقل والشحن والتأمين والفوائد وبعض النفقات الأخرى.[٩]

السعر الفوري للسلع مقابل سعر العقود الآجلة

هناك معادلة رياضية خاصة يتم من خلالها احتساب سعر السلع في العقود الآجلة مقارنة بسعرها الفوري في الوقت الحالي، وهذا الأمر ينطبق على النفط كإحدى أهم السلع التي تجري عليها العقود الفورية للبيع أو قد تُباع من خلال العقود الآجلة لبيع المواد النفطية، ويتم ذلك رياضيًّا من خلال استخدام السعر الفوري لبرميل النفط الواحد، على أن يُضاف إليه تكلفة التخزين، ثم يتم ضرب حاصل جمع القيمتين برقم ثابت يدعى رقم أويلر، ويساوي تقريبًا 2.71 المرفوع إلى سعر الفائدة الخالي من المخاطر حتى الاستحقاق، وبشكل عام فإنَّ سعر السلع في العقود الآجلة هو معيار للأسعار المحلية، ويمكن أن يختلف هذا الأمر من منطقة لأخرى في العالم تبعًا لتكاليف النقل والتسليم حسب ما تنص عليه عقود البيع والشراء.[٩]

المراجع[+]

  1. "Crude Oil", www.investopedia.com, Retrieved 22-04-2020. Edited.
  2. ^ أ ب "Coronavirus and the oil market: The effects thus far and what to expect next", www.atlanticcouncil.org, Retrieved 22-04-2020. Edited.
  3. ^ أ ب "Crude oil price plunges below zero for first time in unprecedented wipeout", economictimes.indiatimes.com, Retrieved 22-04-2020. Edited.
  4. "Oil prices have fallen to less than zero – here’s why", www.independent.co.uk, Retrieved 22-04-2020. Edited.
  5. "Concerns Over the Coronavirus Spread to the Oil Industry", www.cfr.org, Retrieved 22-04-2020. Edited.
  6. "Hedge", www.investopedia.com, Retrieved 22-04-2020. Edited.
  7. "Top Factors That Affect the Price of Oil", www.investopedia.com, Retrieved 22-04-2020. Edited.
  8. "The Basics of Trading Crude Oil Futures", www.thebalance.com, Retrieved 22-04-2020. Edited.
  9. ^ أ ب ت "Commodity Spot Prices vs. Futures Prices: What's the Difference?", www.investopedia.com, Retrieved 22-04-2020. Edited.