أنواع الرؤية السردية

أنواع الرؤية السردية

أنواع الرؤية السردية

  • الرؤية السردية من الخلف.
  • الرؤية السردية من الخارج.
  • الرؤية السردية المصاحبة.


الرؤية السردية من الخلف

ما هي مهمة الراوي في الرؤية السردية من الخلف؟

إنّ مكونات الخطاب السردي في الأعمال الأدبية كالقصة والرواية كثيرة، منها زوايا التبئير أو ما يُسمى بالرؤية، ومنها اللغة، ومنها الفضاء الزماني والمكاني، وفيما يخص الرؤية السردية؛ أي: موقف الراوي من الرواية والأحداث والشخصيات، فقد قُسمت هذه الرؤية في النقد الأدبي إلى أقسام عدة، واصطلح لها النقاد تسميات مختلفة، وأول قسم من زوايا الرؤيا هو الرؤية السردية من الخلف.[١]


البعض يرمز لهذا النوع بأن الراوي أكبر من الشخصية الحكائية؛ أي أنّه على معرفة ودراية بكل تفاصيل الشخصية الحكائية، فالراوي قادر على معرفة كل خبايا الشخصية الحكائية، ويعرف ماذا سيحصل، وكأن العلاقة بين الراوي والشخصيات في زاوية الرؤية هذه هي علاقة سلطوية، وهذا ما سماه توماشفسكي بالسرد الموضوعي، والأمثلة على هذه الزاوية من الرؤية كثيرة.[١]


منها مثلًا ما ورد في نص حكاية لجبران خليل جبران من كتابه دمعة وابتسامة والذي قال فيه: "سكت الفتى هُنيهة كأنه يريد أن يتعلم الكلام من خرير النهر وحفيف أوراق الغصون" فهذا التفسير على لسان السارد يدل على أنّ الراوي يعرف مكون الشخصية ورغباتها، وهو مثال عن الرؤية السردية من الخلف، وكأن الشخصية تقف خلف الراوي وهو ينطق عنها ويتكلم عن أحوالها.[٢]


الرؤية السردية من الخارج

ما الفائدة التي تقدمها الرؤية من الخارج للنصوص السردية؟

إن الرؤية السردية من الخارج هي التي يكون فيها الراوي أصغر أو أضعف من الشخصية الحكائية في السرد، أي أنّ الراوي لا يعرف عن الشخصيات الحكائية إلا القليل، والذي يساعد في اكتشاف هذا النوع من أنواع الرؤية السردية هو أن يكتفي الراوي بالوصف الخارجي والذي يُرى بالعين، دون أي محاولة لعرض تفاصيل الشخصيات ومكنوناتها، أو عرض رغباتها الخفية.[١]


ممّا يجدر ذكره أنّ توماشفسكي لم يعرض لهذا النوع من زوايا السرد لأن هذا النوع ظهر متاخرًا في الأعمال الحكائية، ولعل هذا النوع فيه الكثير من التشويق للقارئ، فهو يقرأ حثيثًا ليصل إلى أهداف الشخصيات ودوافعها، ومن المهم في هذا الصدد أن يعرف القارئ أنّ جَهْلَ الراوي في هذا النوع من السرد ليس جهلًا حقيقيًا إنما هو أمر اتفاقي، وإلا فلا قيمة للعمل الأدبي إاذ كان هذا الجهل حقيقيًا، إنما كاتب الرواية اختار أن يكون الرواي بهذه الزاوية من زوايا السرد.[١]


يُمكن عرض الكثير من الأمثلة على هذه الرؤية، منها ما ورد في كتاب حفنة من الذكريات لعبد السام العجيلي، إذ قال في نص حديث إلى الزملاء: "يلقي كل واحد منا نظرة على وجهه في المرآة مرة واحدة أو مرات كثيرة" فهذا وصف خارجي لا يتجاوز كونه رؤية بسيطة ونقل للصورة، لا يُعبّر عن مشاعر ولا حتى عن مكنونات أو رغبات شخصية، وهو ما يسمى الرؤية من الخارج، وكأنّ الراوي يجهل الكثير عن الشخصيات في السرد، ويحاول مع القارئ اكتشاف هذه المكنوات الداخلية للشخصيات.[٣]


الرؤية السردية المصاحبة

ما هو موقع الراوي من الشخصيات في الرؤية السردية المصاحبة؟

يُطلق النقاد على الرؤية المصاحبة اسمًا آخر، وهو الرؤية مع، والمقصود بها أن الراوي والشخصية الحكائية متساويان في الرؤية فلا يعرض الراوي أي معلومات أو رغبات إلا عندما تتوصل لها الشخصية الحكائية نفسها، وكأنهما يسيران معًا في خطين متوازيين أثناء السرد، ولا يسبق أحدهما الآخر ولا يتأخر عنه، وتغلب على هذه النوع من الرؤية ضمائر المتكلم وضمائر الغائب.[٤]


هذا النوع من الرؤية السردية سماه توماشفسكي بالسرد الذاتي، وذكر أنّ الرواي يتبادل المعرفة مع الشخصيات خلال سرد الوقائع، ومن الممكن أن تكون الشخصية هي نفسها الراوي، وتغلب هذه الرؤية السردية على الروايات ذات الطابع الرومانسي، أو روايات البطل الإشكالي، أو الروايات الشخصية، أي التي تكون سيرة ذاتية أو عرض ذكريات شخصية.[٤]


في هذا النوع من الرؤية السردية لا تكون الشخصية الحكائية جاهلة بما عند الراوي ولا الراوي جاهل بما عند الشخصية الحكائية، إنما يكونان متساويين في المعرفة، والراوي في الرؤية السردية المصاحبة إما أن يكون شاهدًا على سير الأحداث، أو أن يكون مشاركًا في السرد وجزءًا منه، ومن الأمثلة التي يمكن عرضها عن الرؤية السردية المصاحبة، أو ما سماه البعض بالرؤية مع هو ما ورد في نص التائه لجبران خليل جبران.[٤]


إذ قال جبران في مطلع النص: "لقيته على مفترق الطرق وكان رجلًا معدمًا لا يملك سوى ثوبه وعكازه، تعلو محياه مسحة ألم عميق، وحيّا كل منا الآخر وقلت له تعال إلى منزلي وكن ضيفي، وقبلَ الدعوة، واستقبلتنا زوجتي مع أولادي على عتبة البيت، فابتسم لهم، ورحبوا من جانبهم بمقدمه" فهذا السرد يُوضّح أنّ الراوي شخصية حكائية داخل السرد، وليس مجرد شاهد على الأحداث، فقد بين أنه التقاه صدفة على قارعة الطريق، وعرف أنه معدم من خلال شكله الخارجي.[٥]


أيضًا لم يعرض الراوي أيّة تفاصيل إضافية لا تعرفها الشخصيات الأخرى، فلم يذكر مثلًا رغبة الشخصية المعدمة التي التقاها، ولم يعرض مكنوناتها، بل اكتفى بما هو ظاهر لكل الشخصيات في القصة، وهذا يعني أن المعرفة متساوية بين الراوي والشخصيات، وقد تنوعت الضمائر ما بين المتكلم والغائب، وهذا مؤشر إلى أن الرؤية السردية في هذا النص هي الرؤية المصاحبة، ولا بُدّ من التنبيه إلى أن هذا النمط من الرؤية إذا بُدئ به في نص ما فإنه يستمر حتى النهاية، وإن تغير استعمال الضمائر حسب مقتضى الحال.[١]



لقراءة المزيد حول الموضوع، انظر هنا: مفهوم الرؤية السردية.

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت ث ج حميد لحميداني، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، صفحة 47. بتصرّف.
  2. جبران خليل جبران (1988)، دمعة وابتسامة (الطبعة 3)، بيروت:مؤسسة نوفل، صفحة 41.
  3. عبد السلام العجيلي، حفنة من الذكريات، صفحة 89.
  4. ^ أ ب ت هاشم ميرغني، بنية الخطاب السردي في القصة القصيرة، صفحة 106. بتصرّف.
  5. جبران خليل جبران (1982)، التائه (الطبعة 1)، بيروت:مؤسسة نوفل، صفحة 21.