أشهر قصائد محمد الفيتوري

قصيدة: التراب المقدس

فيما يأتي كلمات قصيدة التراب المقدس من أشهر قصائد الشاعر محمد الفيتوري:[١]

وَسِّدْ الآنَ رَأْسَكَ
فَوْقَ التُّرَابِ المقدَّس
وَاركَعْ طويلاً لَدَى حَافَةِ النَّهْرِ
ثَمَّةَ من سَكَنَتْ رُوحُهُ شَجَرَ النِّيلِ
أَوْدَ خَلتْ في الدُّجَى الأَبنوسيّ
أَوْخَبَّأَتْ ذَاتَها في نُقُوشِ التَّضَارِيس
ثَمَّةَ مَن لَامَسَتْ شَفَتَاهُ
القرابِينَ قَبْلَكْ
مَمْلكةُ الزُّرْقَةِ الوثنيِة...
قَبْلكَ
عاصِفَةُ اللَّحَظاتِ البطيئِة..
قَبْلكْ
يا أيُّها الطيْفُ مُنْفلِتاً مِنْ عُصُورِ الرَّتَابِةِ والمسْخِ
مَاذا وراءك
في كتب الرمل؟
ماذا أمامك؟
في كتب الغيم
إلاّ الشموس التي هبطت في المحيطات
والكائنات التي انحدرت في الظّلام
وامتلاُؤك بالدَّمْع
حتَّى تراكمت تحت تُراب الكلام
وسد الآن راسك
متعبة’’ هذه الرأس
مُتعبة’’..
مثلما اضطربت نجمة’’ في مداراتها
أمس قد مَرّ طاغية’’ من هنا
نافخاً بُوقه تَحت أَقواسها
وانتهى حيثُ مَرّ
كان سقف رَصَاصٍ ثقيلاً
:تهالك فوق المدينة والنّاس
كان الدّمامة في الكون
والجوع في الأرض
والقهر في الناس
قد مرّ طاغيةُ من هُنا ذات ليل
أَتى فوق دبّابةٍ
وتسلَّق مجداً
وحاصر شعباً
غاص في جسمه
ثم هام بعيداً
ونصَّب من نفسه للفجيعة رَبَّا
وسد الآن رأسك
غيم الحقيقة دَربُ ضيائك
رجعُ التَّرانيم نَبعُ بُكائك
يا جرس الصَّدفاتِ البعيدة
في حفلة النَّوْء
يشتاقك الحرس الواقفون
بأسيافهم وبيارقهم
فوق سور المدينة
والقبة المستديرة في ساحة الشَّمس
والغيمةُ الذَّهبيَّةُ
سابحة في الشِّتَاءِ الرمادي
والأفق الأرجواني والأرصفة
ورؤوس ملوك مرصعة بالأساطير
والشعر
والعاصفة
أمس جئت غريباً
وأمس مضيت غريباً
وها أنْتَ ذا حيثما أنت
تأتي غريباً
وتمضي غريباً
تُحدَّق فيك وجوه الدُّخَانِ
وتدنو قليلاً
وتنأى قليلا
وتهوى البروق عليك
وتجمد في فجوات القناع يداك
وتسأل طاحونةُ الرِّيح عَنك
كأنك لم تكُ يوماً هناك
كأن لم تكُنْ قطُّ يوماً هنالك
وَسِّد الآن راسك
في البدء كان السُكُونُ الجليل
وفي الغد كان اشتعالُك
وسد الآن رأسك
كان احتجابُك
كان غيابُك
كان اكتمالك
وسد الآن راسك
هذا هو النهر تغزلهُ مرتين
وتنقضه مرتين
وهذا العذاب جمالُك

قصيدة: الرياح

فيما يأتي كلمات قصيدة الرياح:[٢]

رُبَّمَا لمْ تَزَلْ تلكم الأرض
تسكن صورتها الفلكية
لكن شيئاً على سطحها قدْ تكسَّر
رُبَّمَا ظل بستانُ صيفك
أبْيضَ في العواصف
لكنَّ بْرقَ العواصف
خلف سياجكَ أحْمر
رُبَّمَا كانَ طقسُك ، ناراً مُجوسِيَّةً
في شتاءِ النعاس الذي لا يُفَسَّرْ
رُبَّما كُنْتَ أَصغر
ممَّا رَأَتْ فيكَ تلك النبوءات
أَو كنتَ أكْبَرْ
غير أنك تجهل أَنَّك شَاهِدُ عَصْرٍ عتيقْ
وأن نَيازِكَ مِنْ بشرٍ تتحدَّى السماء
وأن مَدَارَ النجوم تغير!!
هَاقَدْ انطفأتْ شرفاتُ السِّنين
المشِعَّةُ بالسِّحْرِ واللُّؤْلؤ الأَزليِّ
وَأَسْدَلَ قصْرُ الملائكة المنشِدينَ سَتائِرِهُ
وكأنَّ يَداً ضَخْمَةً نسجت
أُفقاً مِنْ شرايينها
في الفضَاءِ السَّدِيمىّ
هَا قَدْ تداخَلَتْ اللُّغَةُ الْمُستحِيلةُ
في جَدَل الشمْسِ وَالظُّلمَات
كأنَّ أصابعَ مِنْ ذَهبٍ تَتَلَمَّسُ
عبر ثقوب التضاريس
إيقَاعَهَا
تَلِْكُمْ الكائِنَاتُ التي تتضوَّعُ في صَمِتَها
لم تُغَادِرُ بَكاراتَها في الصَّبَاح
وَلَمْ تشتعل كرة الثَّلْجُ بَعْد...!
فَأَيَّةُ مُعْجِزَةٍ في يَدَيْك
وَأَيَّةُ عَاصَفَةٍ في نَهَارِكْ
((إنِّي رأيتُ سُقُوطَ الآله
الذي كانَ في بُخارِسْت
كما لوْ بُرْجُ إيفل في ذات يَوْمٍ
كما لوْ طغَى نَهْرُ السِّين
فوْقَ حوائطِ باريسْ
كانَ حَرِيقُ الإله الذي
مَاتَ في بُوخَارِسْتَ عَظيماً
وَكانَ الرَّمادُ عَظِيماً
وَسَالَ دَم’’ بَارد’’ في التُّرَابْ
وَأُوصِدَ بَابْ
وَوُرِبَ بَابْ
وَلكنَّ ثَمَّةَ في بوخارِسْت بلادي أنَا
لا تزولُ الطَّواغِيتْ
أَقْنِعَة’’ تشرِكُ الله في خَلقه
فهي ليستْ تشيخ
وليْسَتْ تَمُوتْ!
وَقَائمةُ هي ، باسم القضيَّة
وَْأَنْظِمةِ الخطب المِنْبَريَّة
وَحَامِلة’’ هي، سِرَّ الرِّسَالةُ
وَشَمْسَ العدالةْ
وَقَادِرة’’ هي ، تَمْسَخُ رُوحَ الجمالْ
ولا تعرف الحقَّ
أو تعرف العدل
أوْ تَعرِفُ الاستقالة
وفي بوخارسْت بلادي
أَزْمِنَة تكنِزُ الفَقْرَ خَلفَ خَزَائِنِها
وَسُكون’’ جَرِيحْ
وَأَشبَاحُ مَوْتَى مِنَ الجُوع
تخضرُّ سيقانهم في الرمالْ
وتَيْبَسُ ثُمَّ تقِيحْ!
وَمَجْد من الكبرياءِ الذليلة
وَالْكذِب العربيِّ الفصيحْ
((كأنّك لمْ تأتِ إلاَّ لِكيْ تُشعِلَ النَّارَ
في حطب الشَّرقِ وَحْدك
في حطب الشرقِ وَحْدَكَ
تَأْتِي..
وَشَمْسُكَ زَيُتُونَة’’
وَالبَنَفْسَجُ إكليلُ غَارك
ولا شيء في كُتبِ الغَيْبِ غَيرُ قَرَارِكْ))
((إنِّي رَأيتُ رِجَالاً
بَنَوْا مِنْ حِجَارة تارِيِخهِمْ وطناً
فَوْقَ حائِط بَرْلين
وَانْحَفَرُوا فيه
ثم تَوَارَواْ وَرَاءَ السِّنين
لكيْ لا يُنَكِّس رَايَتَهُ المَجْدُ يوماً
على قُبَبِ الميِتِّينْ
وكيلاَ تَدُورَ على الأَرْضِ
نَافَورَةُ الدم والياسمين!))
وفي بُوخَارِسْتَ التي
سَكَبَتْ رُوحَهَا فيك
وَازْدَهَرَتْ في نُقوش إزارِكْ
في بُوخارِسْتَ انتظَارِكْ
سماء’’ تكادُ تَسيل احْمِرَاراً
كوَأيدٍ مُقَوِّسَة’’ تَتَعانَقُ خَلْفَ الغيومْ
وَآجُرَّةُ مِنْ تُرابِ النُّجُومْ
تَظَل تُبعثِرُهَا الرِّيحُ
خَلْفَ مَدَارِكْ!


قصيدة: ذات صباح.. ذات مساء

فيما يأتي كلمات قصيدة ذات صباح. ذات مساء:[٣]

وردة.. طيف قديسة..
سكبت روحها في اتجاه السماء
وسحاب إوز غريق على الأفق
يدفع أعناقه المتعبات
إلى نقطة في الدجى اللؤلؤي
وفي منحنى القوس بعض رسوم الشتاء
وآلهة من غيوم تشكل أجسادها
صوراً مفزعات
وأوشحة عنكبوتية النسج
يا رؤية الله في بيتي
ما الذي جعل البحر يطفئ قنديله فجأة
ويغادر نوبته، شاخصاً في سقوف البكاء
لم تكن غير قبضة رمل تسافر في البحر
كان هو البحر
كان هو النجمة الأطلسية
والرمل، والبحر
أغرق في ذاته، ذاته
وانحنى داخلاً في زواياه
ذات مساء رأيناه
قال الذين رأوا شبحاً في أزقة فاس العتيقة
منهمكاً في الغرابة:
كان كذئب الجبال، وحيداً..
يصارع أفعى على ظهره.. زاعقاً
-إنني حارس الغابة البشرية
والطير تأكل أرزاقها فوق مائدتي
ثم تفرخ في، وتأكلني..
وأشاح، كمن يتقيأ فوق عظام مدينته..
ثم أرغي وتاه
وأمطرت النار إثر خطاه
مثل رأس مجللة بالسواد
تطل معذبة من تقوب المناجم
مثل رسول يقوم من الموت في الكتب الأزلية
أصفر.. أسود.. أزرق
عيناه شمسان زنجيتان
مثبتتان على لوحة الغيب
قال الذين رأوا لحمه يتناثر ذات صباح
على الشاطئ اللازوردي
كانت ألوف البنادق تبصق أحشاءها فيه
وهو جميل وقاتم
أمير من البرق، والرعد قادم
وحين تناوبه حرس القبر،
كان بوسع الفضاء
يسيل غناء ويرقص
ثم يسيل غناء ويرقص
حتى اختفى، صاعداً خلف رقصته
في غناء الجماجم
حيث تزرع رأسك..
لا ينبغي لك أن تحصد الدهشة
الرأس قمحة من يحطب الليل
بعض الذين أحاطتك أشجارهم
حطب الليل
كان الحضور الجميل احتمالاً
وكان كمال الكمال اختلالاً
وجردني من سحابته ذات يوم وقال:
احتجب
فالتواصل غير الوصول
والتماثل بعض الدنو الخجول

قصيدة: ليس طفلًا

فيما يأتي كلمات قصيدة ليس طفلًا:[٤]

ليس طفلا ذلك القادم في أزمنة
الموتى إلهي الإشارة
ليس طفلاً وحجارة
ليس بوقاً من نحاس ورماد
ليس طوقاً حول أعناق الطواويس محّلى بالسواد
إنه طقس حضارة
إنه العصر يغطى عريه في ظل موسيقى الحداد
ليس طفلاً ذلك الخارج من قبعة الحاخام
من قوس الهزائم
إنه العدل الذي يكبر في صمت الجرائم
إنه التاريخ مسقوفاً بأزهار الجماجم
إنه روح فلسطين المقاوم
إنه الأرض التي لم تخن الأرض
وخانتها الطرابيش
وخاننتها العمائم
إنه الحق الذي لم يخن الحق
وخانته الحكومات
وخانته المحاكم
فانتزع نفسك من نفسك
وأشعل أيها الزيت الفلسطيني أقمارك
وأحضن ذاتك الكبرى وقاوم
وأضيء نافذة البحر على البحر
وقل للموج أن الموج قادم
ليس طفلاً ذلك القادم
في عاصفة الثلج وأمواج الضباب
ليس طفلاً قط في هذا العذاب
صدئت نجمة هذا الوطن المحتل في مسراك
من باب لباب
مثل شحاذ تقوست طويلاً في أقاليم الضباب
وكزنجى من الماضي تسمرت وراء الليل
مثقوب الحجاب
ليس طفلاً يتلهى عابثاً
في لعبة الكون المحطّم
أنت في سنبلة النار وفى البرق الملثم
كان مقدوراً لأزهار كوجه الأعمدة
ولأغصانك سقف الأمم المتحدة
ولأحجارك بهو الأوجه المرتعدة
ليس طفلاً
هكذا تولد في العصر اليهودي وتستغرق
في الحلم أمامهْ
عاريا إلا من القدس ومن زيتونه
الأقصى وناقوس القيامة
شفقياً وشفيفاً كغمامة
واحتفالياً كأكفان شهيد
وفدائياً من الجرح البعيد
ولقد تصلبك النازية السوداء في
أقبية العصر الجديد
فعلى من غرسوا عينيه بالقضبان أن
لا يتألم
وعلى من شهد المأساةَ
أن لا يتكلم

المراجع[+]

  1. محمد الفيتوري، يأتي العاشقون إليك، صفحة 27-36.
  2. محمد الفيتوري، يأتي العاشقون إليك، صفحة 17-26.
  3. محمد الفيتوري، شرق الشمس غرب القمر، صفحة 73-78.
  4. محمد الفيتوري، يأتي العاشقون إليك، صفحة 53-60.

17 مشاهدة