أحداث غزوة حمراء الأسد

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥٠ ، ٢٨ مارس ٢٠١٩
أحداث غزوة حمراء الأسد

غزوة حمراء الأسد

غزوة حمراء الأسد هي إحدى الغزوات التي خاضها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وقادها بنفسه بعد أن شرعَ الله للمسلمين الدفاعَ عن أنفسهم ومقاتلة الكفار والمشركين، قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [١]، ولا تعدُّ غزوة حمراء الأسد غزوةً منفصلةً عن معركة أحد؛ لأنَّها امتدادٌ لها وقد كانت في اليوم التالي من معركة أحد، وقعت في يوم الأحد في الثامن من شوال في السنة الثالثة للهجرة، في منطقة حمراء الأسد التي تقع جنوب المدينة المنورة على مسافة 20 كم تقريبًا، وفي هذا المقال سيتمُّ الحديث عن غزوة حمراء الأسد وعن أسبابها وأهدافها وأحداثها ونتائج غزوة حمراء الأسد.

أسباب غزوة حمراء الأسد

لم تكن غزوة حمراء الأسد مستقلَّة بذاتها فقد كانت امتدادًا لمعركة أحد، إذ كان من أسباب غزوة حمراء الأسد الهزيمةَ التي لحقت بالمسلمين في معركة أحد، فقد بات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يفكرُ في ذلك الموقف الذي تعرَّض له المسلمون في معركة أحد، وخاف من أن يفكّرَ المشركون في أنَّهم لم يستفيدوا فعلًّا من النصر والغَلَبة في معركة أحد ولم يحقِّقوا مكاسبَ ملموسةً، فخافَ أن يرجعوا لغزو المدينة مرة ثانية، فصمَّم -صلى الله عليه وسلم- أن يقومَ بمطاردةِ جيش المشركين. [٢]

أهداف غزوة حمراء الأسد

وقعت غزوة حمراء الأسد بعدَ غزوة أحد مباشرةً، لذلك كانت أهدافها مرتبطةً بنتائج معركة أحد، والهزيمة التي لحقت بجيش المسلمين في تلك الغزوة، وفيما يأتي أهمِّ أهداف معركة حمراء الأسد: [٣]

  • مطاردة جيش المشركين من كفار قريش بعدَ انتصارهم على المسلمين في معركة أحد.
  • منع جيش المشركين من العودة لمحاولة غزو المدينة مرة أخرى وقطع الطريق عليهم إذا فكروا في ذلك.
  • رفع الروح المعنوية للصحابة بعد الهزيمة التي ذاقوها في معركة أحد.
  • ومن أهمّ أهداف غزوة حمراء الأسد توجيه رسالة واضحة إلى المشركين مفادها: أنَّ المسلمين ما زالوا أقوياء أعزَّاء قادرين على مواصلة الجهاد ودحرِ الكفر وأهله، وأنَّ جراحهم وآلامهم لن تمنعهم من مواصلة القتال.

أحداث غزوة حمراء الأسد

وقعت أحداث غزوة حمراء الأسد في اليوم الثاني من معركة أحد ومن الهزيمة التي لحقت بجيش المسلمين في معركة أحد، وقد بات رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلكَ اليوم وهو يفكّر في تلك الحادثة، فخاف من أن يعود المشركون لغزو المدينة مرة أخرى، وشعرَ بما يقاسيه صحابة رسول الله من مرارة الهزيمة وما يشعرون به من إحباط، لذلك أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يطاردَ جيش المشركين ويعيد رفع الروح المعنوية للمسلمين وإيصال رسالة واضحة وقوية إلى المشركين مفادها أنَّ المسلمين لا زالوا أعزَّة أقوياء قادرين على مواجهة الأعداء ومواصلة القتال، لذلك ففي صباح اليوم الثاني من معركة أحد أي في يوم الأحد في الثامن من شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة، أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلالًا أن يؤذِّن في الناس بضرورة التعجيل والخروج للجهاد في غزوة حمراء الأسد، وقد كان النداء مقتصرًا على أولئك الذينَ شهدوا معركةَ أحد بالأمس إلا جابر بن عبد الله فقد استأذن رسولَ الله بالخروج معه فأذنَ له، وأولئك المقاتلون هم الذين قال فيهم الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ واتَّقَوْا أَجْر عَظِيم} [٤]، وفيما يأتي تفاصيل أحداث غزوة حمراء الأسد: [٥]

قوات المسلمين وقريش في غزوة حمراء الأسد

بما أنَّ غزوة حمراء الأسد هي امتداد لغزوة أحد فقد كانت قوات المسلمين وقوات المشركين من قريش هي نفسها باستثناء القتلى الذين خسرهم الطرفان في معركة أحد، فقد كان قوام جيش المسلمين 700 مقاتلًا تقريبًا قُتل منهم 70 مسلمًا وأسرَت قريش منهم 70 آخرين، وبذلك تكون قد أخذت بثأرها من المسلمين مقابلَ ما خسرته في معركة بدر سابقًا، وأمَّا جيشُ قريش وحلفائها كان 3000 مقاتلًا تقريبًا، وكان في الجيش 3000 بعير و200 فرس و 700 درع، وخسرت قريش من جيشها 23 قتيلًا فقط، وهذه هي قوات المسلمين وقوات المشركين في غزوة حمراء الأسد التي عاد منها المسلمون دون قتال. [٦]

بدء أحداث غزوة حمراء الأسد

بدأت غزوة حمراء الأسد عندما خرجَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مع جيش المسلمين الذين شارك في معركة أُحد قبل يوم واحد، وهو مجروحٌ في وجهه أثرُ الحلقتين، ومشجوجٌ في جبهته في أصولِ الشعر، ورباعيته قد شظيت، وشفته قد كُلمت من باطنها، واستمروا بالمسير حتى بلغوا منطقة حمراء الأسد على بُعْدِ ثمانية أميال عن المدينة المنورة تقريبًا، فعسكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون في تلك المنطقة وأقاموا  فيها ثلاثة أيامٍ، فلم يتشجَّع المشركون من الاقتراب من جيش المسلمين، وقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإشعال النار فكان يشعلُ المسلمون في وقت واحد خمسمئة نار، وذلك كلُّه من قبيل الحرب النفسيَّة على المشركين، وعند ذلكَ أقبل مَعبَد بن أبي معبد الخزاعي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأسلمَ بين يديه فأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يلحقَ بأبي سفيان ويُخذِّله.

وكان أبو سفيان قائد جيش المشركين، ولم يكن يعلم بإسلام معبد، فأدركه في الروحاء على بعد ستة وثلاثين ميلًا من المدينة فخذَّله ونصحه بالعودة إلى مكة على عجل، فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، غير أن أبا سفيان حاول أن يغطي انسحابه هذا بشنِّ حربٍ نفسية وإعلامية دعائية على المسلمين، لعله ينجح في كف هذا الجيش عن مواصلة المطاردة، فمرَّ به ركبٌ من عبد القيس يريد المدينة فقال لهم: هل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالةً، وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبًا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة؟، قالوا: نعم، فقال: أبلغوا محمدًا أنَّا قد جمعنا الكرَّةَ لنستأصله ونستأصلَ أصحابه. فمرَّ هذا الركبُ برسول الله والمسلمين وهم بحمراء الأسد فأخبروه بذلك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو والمسلمون: حسبنا الله ونعم الوكيل، واستمرَّ المسلمون في معسكرهم ذاكَ ثلاثة أيام ثمَّ رجعوا إلى المدينة، وآثرت قريش ومن معها السلامة فرجعوا إلى مكة المكرمة.

أبرز الأحداث التي تبعت غزوة حمراء الأسد

وقبل وصول رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة من غزوة حمراء الأسد وقعَ في أسره أبو عزَّة الجمحي، وكان شاعرًا أسرَهُ المسلمونَ يوم بدر، ثمَّ أطلقه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- بغير فداء رحمةً ببناتِه، واشترطَ عليه ألا يقفَ ضدَّ المسلمين، فلم يحترِم الرجلُ العهدَ، وقاتلَ مع المشركين في أحد، فوقف بين يدي النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يطلب العفوَ مرة ثانية، لكنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمرَ بقتله، وقال كلمتُه التي وردت في الحديث في صحيح البخاري: "لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" [٧].

وبعد غزوة حمراء الأسد أيضًا حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإعدام معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بتهمة التجسُّس وهو جدُّ عبد الملك بن مروان لأمه، فبعدَ أن رجع جيشُ المشركين في معركة أحد جاء معاوية بن المغيرة إلى سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- فقام عثمان واستأمنَ له رسول الله فأمنَّه على أن لا يبقى أكثر من ثلاث ليالٍ وإلا قتله، فعندما غادرَ جيش المسلمين المدينة بقيَ فيها معاوية أكثر من ثلاث ليالٍ يتجسَّسُ ويأخضُ الأخبار لصالح كفار قريش، وما إن رجع المسلمون حتى ولَّى هاربًا، فأرسلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمار بن ياسر وزيد بن حارثة فلحقا به وقبضا عليه وقتلاه، ومن أبرز الأحداث أيضًا عودة جيش المشركين إلى مكةَ متهرِّبين من قتال المسلمين، وعودة المسلمين إلى المدينة دون قتال وقد قويت عزائمهم وارتفعت معنوياتهم.

نتائج غزوة حمراء الأسد

كان لغزوة حمراء الأسد العديد من النتائج المهمّة التي انعكست على أحوال المسلمين في المدينة خاصّة بعد الهزيمة التي لحقت بجيش المسلمين في معركة أحد، فقد حقَّقت غزوة حمراء الأسد نتائجَ وأهداف مهمَّة رغم أنَّه لم يحصل فيها قتال ولم تنشُب فيها حرب، فقد قال الله تعالى في ذلك الموقف: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [٨]، ومن أهم نتائج معركة حمراء الأسد ما يأتي: [٥]

  • عاد المسلمون إلى المدينة من غزوة حمراء الأسد بروح قوية متوثّبةٍ مسحت ما حدثَ في معركة أحد، وقد ارتفعت معنوياتهم ورجعوا إلى طريق التفاؤل والعزة والانتصارات.
  • إفساد النصر الذي حقّقه المشركين في أحد وإحباط شماتة المنافقين واليهود.
  • إظهار قدرة المسلمين وهم في أحلك الظروف وأسوأ الأحوال على التصدّي لأعدائهم ومواصلة قتالهم ومتابعة تحركاتهم العسكريّة خارج المدينة.
  • بيَّنت غزوة حمراء الأسد حكمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أراد أن لا يكون آخر ما تنطوي عليه نفوس أصحابه الشعور بالهزيمة في معركة أحد، فنزعَ بهذه الغزوة اليأس من قلوبهم وأعاد لهم هيبتهم.
  • أظهرت غزوة حمراء الأسد فضل ووفاء وتضحية صحابة رسول الله وسرعة استجابتهم لأوامر رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.

المراجع[+]

  1. {الحج: الآية 39}
  2. كتاب الرحيق المختوم, ، "www.al-eman.com"، اطُّلع عليه بتاريخ 15-12-2018، بتصرف
  3. غزوة حمراء الأسد, ، "www.marefa.org"، اطُّلع عليه بتاريخ 15-12-2018، بتصرف
  4. {آل عمران: الآية 172}
  5. ^ أ ب وقفة مع غزوة حمراء الأسد, ، "www.islamweb.net"، اطُّلع عليه بتاريخ 15-12-2018، بتصرف
  6. معركة أحد, ، "www.marefa.org"، اطُّلع عليه بتاريخ 15-12-2018، بتصرف
  7. الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6133، خلاصة حكم المحدث: صحيح
  8. {آل عمران: الآيات 172- 175}