موضوع تعبير عن مدينه زرتها

موضوع تعبير عن مدينه زرتها
موضوع-تعبير-عن-مدينه-زرتها/

زيارتي إلى دمشق فتاة الأسرار

كان من المقرر في هذا الصيف أن تكون الزيارة إلى دمشق بعد أن اغتربت عنها ما يُقارب العشرة عقود مضت، دمشق هي أشبه بامرأة عشرينية لامعة الصبا جميلة تجذب العاشقين إليها بلون شعرها الأسود الذي تختال به، إذ إنّ سواد شعرها قد اقتُبس من ظلمة الليل البهيم، أمَّا طولها ومبسمها فهو ما زادها رونقًا على كل البهاء الذي تتمتع فيه، دمشق هي كنز الأحلام لكل عاشق متصبب يختار من جدران الطريق حضنًا دافئًا له.


سحر دمشق بات قصة يتناقلها الآباء للأبناء ويحكي كل واحدٍ منهم عن طفولته التي قضاها تحت أشجار الياسمين في اليوم الصّيفي الحار، وهنا تبدأ الجملة المعهودة عند الآباء عندما يتنفسون الصعداء فيقولون: إيه إنَّ طفولتكم ليست كطفولتنا بل نحن المحظوظون، وهذا عهد الآباء دائمًا في ظنّهم أنّهم استطاعوا ما لم يستطع أبناؤهم ولو كان ذلك لما دُقّ مسمارٌ في الأرض بعد آدم، بل اللعبة هي تعاقب الأجيال وإنكار الأوّلين على الآخرين.


لا يُخطئ النَّاظر دمشق ولو اشتمّ عبقها من على بعد أميال، فهي الشمس على حقيقتها والزبرجد اللامع الذي يهتدي إليه من ضوئه وجماله، وكثرٌ هم السياح إلى تلك المنطقة فهم يرغبون بمعاينة ما سمعوه ليروا هل النظر بات أبلغ من الكلام أم الكلام يتراقص بين الجمل ليصنع من الخيال ما لا يُمكن للواقع أن يأتي بمثله، ولكن ينتهي الكلام عندما يُقال هنا دمشق.

في الطريق إلى الأموي

وقفت بعد أعوامي التي مضت خاليًا من كل معاني الحزن ممتلئًا بالشوق الذي بات قلبي يخفق له خفقًا كضرب الطبول عند الحرب، أقف الآن على مدخل سوق الحميدية الذي يرتبط بآخره في المسجد الأموي أو على الأصح مسجد بني أميّة، سوق قديمٌ قدم دمشق عريقٌ كعراقتها يغصّ بالنّاس فهو إلى جانب عراقته سوق شعبي يقصده كلّ النَّاس، من يرفع ناظريه إلى الأعلى يجدّ أنَّ السوق قد تغطّى بردائه الأسود المُثقّب حتى يبان ضوء النهار منه كالنجوم اللامعة في وضح الليل المظلم.


المحال التجارية موزعة على جانبي الطّريق وكأنّ ذلك السوق اختصّ ببيع الثياب للعرائس فقط فيضج بالفرح والضحكات، وكل فتاة تريد أن تنتقي من ذلك السوق ما ترغب من الملابس ذات البهجة الفاضحة، أذكر في آخر أيامٍ لي قضيتها في دمشق أنَّ ذلك السوق لا يعرف الليل من النهار، إذ يبقى النَّاس فيه يبتاعون ويشترون إلى وضح الفجر ثم في ساعات الفجر أخير يخلد كلٌّ إلى بيته ومن ثم يعمّ الهدوء.


كل ما مشيت خطوة زائدة نظرت إلى موضع قدمي فرأيت الأرض لم تتغير عمّا رسمته في ذاكرتي فهي مغطاة بشكلٍ كامل بأحجار متفرقة لا تتحد في الشكل وإنما في الروح فالعاقل لا يُخطئ أنّها جميعًا كالجسد الواحد، وتسارعت خطاي أكثر فأكثر فأنا أريد الوصول إلى المسجد الأموي حيث مرتعي وصباي حيث التّاريخ القديم والحديث على حدٍّ سواء.

الصرح التّاريخيّ العظيم

وصلت الآن إلى المسجد الأموي والساحة الكبيرة التي أمامه، كانت الطّيور تحط في كل مكان على المسجد وكأنّها تشكل معًا سربًا من الحب فهي لا تذهب حتى تعود ولا يختلف وجهاتها حتى تلتقي، وللمسجد الأموي ثلاثة أبواب واحد للنساء والثاني للرجال وآخر للخروج، ولمّا عبرت الباب الأوّل وجدت السّاحة الكبيرة التي اعتدت التزلج عليها مع أقراني حين كنت أبلغ العاشرة من عمري، إذ إنّ بلاطها من النوع اللامع الذي ما وقع ناظري على أحسن منه حتى الآن.


في الساحة رأيت القبتين التي طالما تعلقتُ فيها مع أطفال الحي عندنا ولعبن الألعاب المختلفة الجميلة، والجدران البيضاء كأنّها تحكي الحكايات عن العصر الأموي الباهر، إنَّ كل شيء في ذلك المسجد يحكي عبرًا وقصصًا عن الماضي التليد، ولا بدَّ من الوقوف بضع لحظات عند قبر النبي يحيى -عليه السلام- إذ لطالما ظننت في صغري أنَّه لا وجود لرأس النبي يحيى في ذلك المكان، حتّى وقع بين يدي مؤخرًا كتابٌ عن قصص الأنبياء يحكي فيه ابن عساكر أنَّه رأى رأس النبي يحيى عندما أرادوا بناء المسجد وقد أُخرج وما زال شعره على حاله وبشرته على حالها كأنّه قُتل هذه الساعة.[١]


الأضواء الصفراء عند المساء والأناشيد التي يُطلقها الصوفية من ذلك المسجد تُشبه العرس الذي يُريح فؤاد الإنسان من عتم الأفكار المجهولة والمظلمة التي تطرق أبوابه، وما أحلى تلك الأجواء في ليالي رمضان فيعانق النور الظلمة حتى يُصبحا ضدّان يُظهر كل منهما حسن الآخر، إنَّ الطراز المعماري رفيع المستوى يظهر بتجلٍّ باهر وتعاقب الدول عليه لا يخفى على أحد حتى زادت كل دولة فيه لمساتها ليصل أخيرًا إلى ما هو عليه الآن.

مشيتُ في أزقة القيمرية

ثم خرجت من بيت الطفولة ولذاكرة مسجد بني أميّة، وأخذت يميني لأسير في الحارات الضيقة في القيمرية، وأوّل ما رأيته تلك اللوحات الصغيرة المعلقة على الجدران وهي لفنانين صاعدين، ومنهم من نقش صورًا لفيروز أيقونة الحب في دمشق على فناجين القهوة البيضاء وإلى جانبها عبارة من أغنياتها القائلة:[٢]

شام يا ذا السيف لم يغب

يا كلام المجد في الكتب

قبلك التاريخ في ظلمة

بعدك استولى على الشهب

لي ربيع فيك خبأته

ملء دنيا قلبي التعب


كانت الكتب تمتلئ على الأرصفة فمنها روايات عربية وأخرى عالمية ورائحة الورق والقهوة تعبق بالمكان، والأزقة الضيقة تحكي حكايات قديمة يسند الواحد منّا رأسه إلى أحد تلك الجدارات القديمة فيستمع إلى ما لم يكن حاضرًا فيه، كل شيء قديم وكل شيء يأوي بالناظر إلى الذاكرة الغابرة حتى أبواب المتاجر هي من الأبواب الخشبية التي تعزف أروع المقطوعات الموسيقية عند فتحها وإغلاقها.


ثم دخلت في الطّريق الذي يمتلئ بالمظلات الملونة وهو ما استحدثه النَّاس ليدمجوا القديم مع الحديث فتظهر تلك النغمة التي تهفو لها النفوس دائمًا، وأخيرًا حلَّ الليل وأنا في طريقي لأستمتع بمشهد النجوم الذي لا يحظى به أيًّا كان، وها قد أضيئت الفوانيس الصفراء على عربات الذرة والتماري تلك الأكلة الشعبية التي تعارف عليها أهل المنطقة، وذاك السؤال الذي لا يعرفه إلا أهل المنطقة "أتريد التماري بموز أم بدون موز" وغالبًا ما تكون الإجابة بدون موز؛ لأنَّ الموز يُضاعف من سعر تلك اللفافة وهذا ما لا يرغب به النَّاس.


يكتفون بالدبس والطحينة والسمسم والخبز المخصص لتلك الأكلة اللذيذة، ثم أويت بعد ذلك إلى إحدى عربات الفول والتي يُقدّم فيها عادة وعاء يحوي بضع حبّات من الفول مع الليمون وقليلًا من المر والملح والكمون، وعادة ما يُؤكل الفول بعيدان صغيرة ثم يُشرب المرق بعدها، كل تلك التفاصيل لا يُمكن أن تغيب عن أي زائر للأماكن الأثرية في دمشق تلك الأماكن التي تعبق بعطور العصور.

شاركتُ صلاح الدين في وقفته

لمَّا انتهيت من تأمل أزقة القيمرية عدت أدراجي لآخذ الطريق الأيسر من جهة المسجد الأموي فكان طريقًا هادئًا لا يُعكر هدوءه سوى أقدام بعض المارة بين الفينة والأخرى، فأخذت مقعدي إلى جانب عامود من الإنارة وجلست تحته وأنا أتأمل بعض الفراشات التي تجوب طريقها حول ذلك النور لتستقي الجمال من واقعها كما فعلت الآن أنا مع دمشق، ثم اشتريت كأسًا من التمر هندي من أحد الباعة المتجولين الذين يلبسون اللباس العربيّ كنوعٍ من التّناغم مع عراقة دمشق، وكانت الأكواب التي يُصب الشراب بها أكوابًا قديمة حفر عليها كثير من الحروف العربية.


انتهى بي الزقاق أخيرًا لأصل إلى تمثال صلاح الدين الذي يقف وقفة شامخة تزدهر بها النفوس والقلوب وهو على خيله الأصيلة التي رفعت إحدى قدميها واستندت على الأخرى، والجندي الآخر يقف عقب الحصان وكأنه يحمي بترسه أقدامه خيل الأمير صلاح الدين الأيوبي، الذي حرر فلسطين من براثن اليهود واستعادها وقد سطّر في استعادتها أسمى ألاق الملوك العربية، فتركهم يخرجون آمنين مطمئنين يحملون كل ما استطاعوا حمله.


جالت في خاطري كل تلك الذكريات، ثمّ أخذت طريقي في العودة إلى بيتي الرّيفي وها أنا أعد الخطوات على الرصيف كما كنت أفعل سابقًا، وأغاني فيروز تصدح في كل مكان لتقول "تعا ولا تجي" ومن ثم تكمل أغنيتها وكأنها تدعو المتضادات كلها حتى تستقيم أخيرًا عند قافيتها، وأعود أنا إلى بيتي فأضع رأسي على الوسادة وأستريح من عناء الذاكرة، تلك التي أفضت بي إلى العودة سنين قديمة إلى الوراء، وأتأمل النجوم الآن من نافذة الحافلة، إنّها نفس النجوم التي اعتدتّ أن أحكي لها حكايات المساء، وحكاية المساء هذه ستكون عن دمشق.


لقراءة المزيد، اخترنا لك هذا المقال: موضوع تعبير عن رحلة قمت بها.

المراجع[+]

  1. ابن كثير، كتاب قصص الأنبياء، صفحة 365. بتصرّف.
  2. "شام يا ذا السيف"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 08/02/2021م. بتصرّف.

75450 مشاهدة