مقاصد سورة المنافقون

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٠٧ ، ٧ يوليو ٢٠١٩
مقاصد سورة المنافقون

سبب ظهور النفاق

لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة مرهوبي الجانب في مكة، ولقد كان زعماء مكة يحاربون النبي والمسلمين جهارًا، ويقاومون الدعوة بكل وسيلة، مما اضطر المسلمون إلى الهجرة فرارًا بدينهم ودمهم إلى الحبشة، أما في المدينة فقد استطاع الرسول أن يكسب أنصارًا صادقين من الأوس والخزرج، ولم يبق تقريبًا بيت عربي فيها لم يدخله الإسلام، ولم يستطع المنافقون أن يقفوا موقف العداء علنًا للنبي والمسلمين، وغدوا يرون فيه القائد الأعلى الواجب الطاعة، ولكنهم ظلت تغلبهم نزعة الشرك بالله، فأظهروا الإسلام علنًا، غير أن نفاقهم لم يكن ليخفى على النبي، كما أن مواقفهم العلنية في الأزمات كانت تزيدهم نفاقًا، فكانت مقاصد سورة المنافقون تحذر النبي منهم في كل ظرف ومناسبة.[١]

سبب نزول سورة المنافقون

ما روي أن رجلًا من المهاجرين كَسع رجلًا جُهَنِيًّا حَليفًا للأنصار، فقال الجهني: يَا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما بال دعوى الجاهلية، قالوا: كَسَع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: "دَعُوها فإنها مُنْتِنَة" فسمع هذا الخبر عبد الله بن أُبيّ، فقال: أقد فعلوها؟ أمَا والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجن الأعزّ منها الأذّل، وقال: لا تنفقوا على مَن عندَ رسول الله حتى ينفضوا من حوله، قال زيد بن أرقم: فسمعت ذلك فأخبرت به عَمي فذكره للنبي -صلى الله عليه وسلم- فدعاني، فحدثته فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أُبيّ وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذّبني رسول الله وصدَّقه فأصابني همّ لم يصبني مثلُه فقال عمّي: ما أردتَ إلا أن كذبك رسول الله، فلما أصبحنا قرأ رسول الله سورة المنافقين، وقال لي: "إن الله قد صدقك".[١]

مقاصد سورة المنافقون

تتناوَل مقاصد سورة المنافقون بيان صفات المنافقين نفاقًا اعتقادِيًّا، وهم كما وصَفَهم النبي في حديث حذيفة قلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: يكونُ بعدي أئمةٌ يستنُّونَ بغيرِ سُنَّتِي، ويَهدُون بغيرِ هديِي، تعرفُ منهم وتُنكرُ، وسيقومُ فيهم رجالٌ قلوبُهم قلوبُ الشياطينِ، في جثمانِ إنسٍ" وفي طريق أخرى: "قال: لا ترجعُ قلوبُ أقوامٍ على الذي كانت عليه، فقلتُ: هل بعد ذلك الخيرِ من شرٍّ؟ قال: نعم، فتنةٌ عمياءُ صمَّاءُ عليها دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، من أجابَهُم إليها قذفوهُ فيها، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، صِفْهُمْ لنا؟ قال: هم من جِلدَتِنا، ويتكلمون بألسِنَتِنا، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، فما تأمُرني إذا أدركني ذلك؟ قال: تلزمُ جماعةَ المسلمين وإمامَهم، وإن ضرب ظهرَك، وأخذ مالَك، فاسمع وأطِعْ".[٢][٣]

ومن مقاصد سورة المنافقون أنهم يتَحَدثون باسم الإسلام، ويموهون كذبهم باللأَيْمان الكاذبة فيغترَّ بهم مَن لا يعرف حقيقة أمرهم، ولهذا قال تعالى: {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}،[٤]فصدوا البعض عن دين الله، وسنة رسول الله، ومن مقاصد سورة المنافقون بيان أن أشكالٍهم حسنة، {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}،[٥]إذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم، وقلوبهم في غاية الضعف، قال تعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ }،[٥]ولاؤُهم لأهل الكتاب، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}،[٦] وهذه السورة تَحَدَّثت عن صفات المنافقين، وأساليبهم، ولم تُعْنَ بذِكْر أسماء المنافقين، وكذلك السنَّة، لأن ذكرهم بصفاتهم أشد وقعًا عليهم من الصواعق.[٣]

من هم المنافقون

النفاق شَرْعًا: هُوَ أن يَسْتُر الرَّجلُ كُفْرَه ويُظْهر إِيمَانَهُ، فالمنافِق هو الذي يخالف قولَه فعلُه، وقد قال ابن القيم في خطر المنافقين: " فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم من لواءٍ له مرفوع قد وضعوه، فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية" إنهم يعيبون المؤمنين، ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل، ويهدرون كرامتهم من أجل أن ينالوا أغراض شخصية، فضحهم الله وأظهر أساليبهم وخصص سورة كاملة فيهم، سماها سورة "المنافقون".[٣]

عبد الله بن أبي بن السلول

لَمَّا تُوُفِّيَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ، جَاءَ ابنُهُ عبدُ اللهِ إلى رَسولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-، فَسَأَلَهُ: "أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فيه أَبَاهُ، فأعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عليه، فَقَامَ رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ- لِيُصَلِّيَ عليه؟ فَقَامَ عُمَرُ فأخَذَ بثَوْبِ رَسولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عليه وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عليه؟ فَقالَ رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-: إنَّما خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقالَ: {اسْتَغْفِرْ لهمْ، أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لهمْ، إنْ تَسْتَغْفِرْ لهمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} وَسَأَزِيدُ علَى سَبْعِينَ، قالَ: إنَّه مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عليه رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تُصَلِّ علَى أَحَدٍ منهمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ علَى قَبْرِهِ}، وَزَادَ: قالَ: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عليهم وَقَدْ نَهَاكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ"،[٧]كما أن الداعي إلى الله ينبغي له أن يحرص على هداية الناس وتأليف قلوبهم، ولاسيما الرؤساء والكبار يتألفهم على الدين، رجاء أن يسلم أو يسلم من وراءه، أو يبقى إيمانهم أو يدفع شرهم، ولهذا تلطف النبي -صلى الله عليه وسلم- بعبد الله بن أبي وجماعته، للتأليف على الإيمان والترغيب في الاستقامة على الحق.[٨]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب "كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2019-7-5. بتصرّف.
  2. رواه الألباني، في السلسلة الصحيحة، عن حذيفة بن اليمان، الصفحة أو الرقم: 2739 ، جاء مطولا ومختصرا من طرق، جمعت هنا، وضممت إليه زوائدها في أماكنها المناسبة للسياق وهو للبخاري .
  3. ^ أ ب ت "وقفات مع سورة الجمعة والمنافقون"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2019-7-6. بتصرّف.
  4. سورة المنافقون، آية: 2.
  5. ^ أ ب سورة المنافقون، آية: 4.
  6. سورة الحشر، آية: 11.
  7. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 2400، صحيح.
  8. "من حديث: (لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جَاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، www.binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2019-7-6. بتصرّف.