فضل الاعتكاف في شهر رمضان

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٠٧ ، ١ مايو ٢٠٢٠
فضل الاعتكاف في شهر رمضان

مفهوم الاعتكاف

قبل الحديث عن فضل الاعتكاف في شهر رمضان، لا بُدّ من بيان معنى الاعتكاف لغة واصطلاحًا، فالاعتكاف لغة: لزوم الشيء والإقامة فيه والتفرغ له وعدم الانصراف عنه، ومصدر الاعتكاف: اعتكف،[١] أما اصطلاحًا فقد عرّفه ابن حزم رحمه الله بأنّه: "الإقامة في المسجد بنية التقرب إلى الله عز وجل ساعةً فما فوقها ليلاً أو نهارًا"، وقد عرّفه ابن تيمية رحمه الله: "وأخص البقاع بذكر اسمه سبحانه والعبادة له بيوته المبنية لذلك؛ فلذلك كان الاعتكاف لزوم المسجد لطاعة الله، ولو قيل: لعبادة الله فيه، كان أحسن"، وقد قال ابن عيثيمن -رحمه الله- في تعريفه للاعتكاف: "الاعتكاف هو لزوم الإنسان مسجدًا لطاعة الله سبحانه وتعالى؛ لينفرد به عن الناس؛ ويشتغل بطاعة الله؛ ويتفرغ لذلك".[٢]

فضل الاعتكاف في شهر رمضان

فضل الاعتكاف في شهر رمضان كبيرٌ جدًا، وخصوصًا في العشر الأواخر منه؛ وذلك لأن الاعتكاف يؤدي إلى أداء الطاعات والابتعاد عن المحرمات، ومن يعتكف في كل ليالي العشر الأواخر لا بُدّ من أنّ يكون من القائمين في ليلة القدر، وقد قال سبحانه عن ليلة القدر: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}،[٣] وقد واظب الرسول -صلّى لله عليه وسلّم- على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، مما يؤكد على فضل الاعتكاف في شهر رمضان وتحديدًا في العشر الأواخر منه، فعن عائشة رضي الله عنها، حيث قالت: "أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ، حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِن بَعْدِهِ"،[٤] ففي هذا الحديث الدليل على أهمية الاعتكاف في العشر الأواخر،[٥] وعن أبي هريرة رضي الله عنه، حيث قال: "كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانٍ عَشَرَةَ أيَّامٍ، فَلَمَّا كانَ العَامُ الذي قُبِضَ فيه اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا"، وهذه الأحاديث تُبين فضل الاعتكاف في شهر رمضان، والاعتكاف من العبادات والأعمال الجليلة في الإسلام، فقد قال سبحانه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}،[٦] فقد شرعه الله -تعالى- للأمم السابقة،[٧] ومما يؤكد على فضل الاعتكاف في شهر رمضان أنّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- كان يقضي ما فاته من الاعتكاف في العام المقبل إذا كان مسافرًا، فعن أبي بن كعب رضي الله عنه، حيث قال: "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يعتكفُ في العَشْرِ الأواخرِ مِن رمضانَ فسافَر ولم يعتكِفْ فلمَّا كان مِن العامِ المقبِلِ اعتكَفَ عشرينَ يومًا".[٨][٩]

حكم الاعتكاف

بعد الحديث عن فضل الاعتكاف في شهر رمضان، من الجدير الحديث عن حُكم الاعتكاف، فقد ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنّه قال: "إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ اعْتَكَفَ العَشْرَ الأوَّلَ مِن رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ العَشْرَ الأوْسَطَ، في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ علَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ، قالَ: فأخَذَ الحَصِيرَ بيَدِهِ فَنَحَّاهَا في نَاحِيَةِ القُبَّةِ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ، فَدَنَوْا منه، فَقالَ: إنِّي اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأوَّلَ، أَلْتَمِسُ هذِه اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فقِيلَ لِي: إنَّهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ، فمَن أَحَبَّ مِنكُم أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ فَاعْتَكَفَ النَّاسُ معهُ، قالَ: وإنِّي أُرِيتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ، وإنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا في طِينٍ وَمَاءٍ فأصْبَحَ مِن لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَدْ قَامَ إلى الصُّبْحِ، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فأبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِن صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِما الطِّينُ وَالْمَاءُ، وإذَا هي لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ العَشْرِ الأوَاخِر"،[١٠] ففي الحديث السابق دليل على أنّ حكم الاعتكاف سنة مندوبة وليس فرضًا واجبًا، فقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: "فمَن أَحَبَّ مِنكُم أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ فَاعْتَكَفَ النَّاسُ معهُ" دليل على أنّ الاعتكاف ليس فرضًا واجبًا، فتعليق الأمر على محبة الناس دليل واضح على الندب وليس الوجوب.[١١]

شروط الاعتكاف

هنالك شروطٌ للاعتكاف على المعتكف مراعتها حتى ينال فضل الاعتكاف في شهر رمضان أو في أي وقت أراد فيه الاعتكاف، وأول هذه الشروط: الإسلام، فلا يقبل الاعتكاف من الكافر؛ لأن الاعتكاف من فروع الإيمان، والكافر لا إيمان له، وأما الشرط الثاني: فالعقل أو التمييز؛ وذلك لأنّ المجنون و الصبي غير المميز ليسا من أهل العبادات، وثالث الشروط: أنّ يكون الاعتكاف في المسجد، فلا يصح الاعتكاف داخل البيوت، إلّا أنّ الحنفية أجازوا للمرأة ذلك في المكان الذي تصلي فيه في بيتها، ورابع الشروط: النية، فلا تصح العبادات من غير نية، كما أنّ من الشروط الواجب مراعتها عند الاعتكاف: الطهارة من الجنابة والنفاس والحيض، كما أضاف الحنفية والشافعية والحنابلة شرط إذن الزوج لزوجته بالاعتكاف، ويرى المالكية أنّ اعتكاف المرأة من غير إذن زوجها صحيح مع الإثم، وهنالك شرط أضافه المالكية وهو شرط الاعتكاف مع الصوم، وقد علق الحنفية هذا الشرط في الاعتكاف المنذور دون غيره، والصوم ليس شرطًا عند الشافعية والحنابلة، وأضاف ابن جزي المالكي شرط الاشتغال بالعبادة والطاعة على قدر الاستطاعة والقدر ليلًا أو نهارًا أثناء الاعتكاف.[١٢]

ضوابط الاعتكاف

عند الاعتكاف على المعتكف الالتزام بضوابط الاعتكاف حتى يصح منه اعتكافه، فهنالك أمور تُفسد الاعتكاف عند القيام بها، فالخروج بجميع أجزاء البدن من المسجد بغير عذر يُفسد الاعتكاف باتفاق المذاهب الأربعة، أما الخروج ببعض أجزاء البدن فلا يُفسد الاعتكاف، فإذا أخرج المعتكف رأسه لم يُفسد اعتكافه، والخروج بعذر لقضاء الحاجة أو للوضوء لا يُفسد الاعتكاف، وقد نقل الإجماع على ذلك أهل العلم، ومما يُفسد الاعتكاف الجماع و إنزال المني عمدًا، أما إذا احتلم المعتكف فلا يفسد اعتكافه، وعليه أنّ يغتسل ويستكمل اعتكافه، أما إذا طرء الحيض أو النفاس على المرأة المعتكفة فعليها أنّ تخرج من المسجد وينقطع اعتكافها مؤقتًا ولا يبطل، وتستكمل اعتكافها عند طهرها، وكذلك إذا طرء الجنون أو الإغماء على المعتكف فإنهما يقطعان الاعتكاف حتى يفيق مما طرء عليه، والمرتد عن الإسلام يفسد اعتكافه كذلك.[١٣]

المراجع[+]

  1. "اعتكاف"، www.almaany.com، 30-4-2020، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  2. "الاعتكاف اصطلاحا"، al-maktaba.org، 30-4-2020، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  3. سورة القدر، آية: 3.
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 1172، حديث صحيح.
  5. "فضل الاعتكاف في رمضان"، al-maktaba.org، 30-4-2020، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020.
  6. سورة البقرة، آية: 125.
  7. "فضيلة الاعتكاف في المساجد"، al-maktaba.org، 30-4-2020، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  8. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن أبي بن كعب، الصفحة أو الرقم: 3663، أخرجه في صحيحه.
  9. "مواظبة النبي -صلى الله عليه وسلم- على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان"، al-maktaba.org، 30-4-2020، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  10. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 1167، حديث صحيح.
  11. "حكم الاعتكاف"، al-maktaba.org، 30-4-2020، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  12. "شروط الاعتكاف"، al-maktaba.org، 30-4-2020، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  13. "ما يفسد الاعتكاف وما لا يفسده"، al-maktaba.org، 30-4-2020، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.