فضل المسامحة في الإسلام

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٣٨ ، ٢٧ مايو ٢٠١٩
فضل المسامحة في الإسلام

تعريف المسامحة

المسامحة في اللغة مصدر للفعل سامح، يسامح، فهو مسامح، والمسامحة هي اللين في المعاملة وهي العفو والغفران، وتأتي أيضًا بمعنى الكرم والجود، ويُقال سامح فلان فلانًا أي عفا عنه وغفر له ما أساء أو فعل، وقد جاء معنى المسامحة في القرآن الكريم في ذات معنى العفو، قال تعالى في سورة الشورى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}[١]، وقد دعا الإسلام إلى العفو والمسامحة بين المسلمين فهي أساس انتشار الحب والودّ في المجتمعات، وإنَّما تُنسى الخطايا بالتوبة أولًا وبمسامحة التائب النادم على خَطَئِهِ ثانيًا، وهذا المقال سيتحدث عن فضل المسامحة في الإسلام.

فضل المسامحة في الإسلام

إنَّ فضل المسامحة في الإسلام فضل عظيم، فالإسلام بُني على العفو والمغفرة التي توطِّد العلاقات بن المسلمين، وجدير بالذكر إنَّه كما قام هذا الدين على عدم التهاون في حدود الله وعدم التفريط في حقوقه وعدم اللين في مواجهة أعداء الإسلام، فإنَّه بُني أيضًا على الحب والعفو والمسامحة، لذلك كان فضل المسامحة في الإسلام ولم يزل عظيمًا، قال تعالى يصف صحابة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- في سورة الفتح: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ..}[٢]، وقد ربط الله -سبحانه وتعالى- بين العفو أي المسامحة وبين التقوى في سورة البقرة في قوله: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[٣]، وقد وردَتِ المسامحة أيضًا في السنة النبوية بمعنى العفو في حيث نبوي شريف يُظهر فضل المسامحة في الإسلام وهو ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّه قال: "ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ، إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ"[٤]، والله تعالى أعلم.[٥]

قصة مسامحة الرسول في فتح مكة

بعد الحديث عن فضل المسامحة في الإسلام لا بدَّ من الإشارة إلى موقف رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- من أهل مكة بعد فتح مكة، فموقفه يوم الفتح أكبر مثال على المسامحة والعفو في الإسلام، فبعد أن تمَ الفتح للمسلمين بفضل الله تعالى، صلَّى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وخرج فرأى أهل مكة المكرمة ينتظرون يريدون أن يعرفوا ماذا سيفعل بهم رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فهم أعداء الأمس الذين حملوا السلاح في وجه المسلمين وقاتلوا ضدهم وقتلوا من الصحابة من قتلوا، ولكن التسامح الذي يسكن قلب رسول الله -صلَّى الله عليه وسلّم- دفعه إلى المسامحة فعفا عنهم وطوى ما قد مضى، كما سيذكر التاريخ أنّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عفا عن أكثر القرشيين عداء للإسلام قبل الفتح كأبي سفيان صخر بن حرب وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم ممن عادوا المسلمين وحاربوهم، والله أعلم.[٦]

قصة مسامحة الرسول لحاطب بن أبي بلتعة

في قصة أخرى من قصص السيرة النبوية التي تظهر فضل المسامحة في الإسلام، قصة حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- والتي كانت عندما أمر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- من حوله من الصحابة بالتجمع لفتح مكة، خشي الصحابي الذي شهد غزوة بدر مع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- على أهله في مكة، فكتب رسالة يحذر أهل قريش من خطر غزو المسلمين لمكة وبعثها مع امرأة كانت مسافرة إلى مكة وأمر المرأة أن تضع هذه الرسالة في ضفائر شعرها حتَّى لا يراها أحد، وعندما خرجت المرأة من المدينة إلى مكة معها خبر المسلمين، نزل الوحي جبريل -عليه السَّلام- وأخبر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بأمر رسالة حاطب بن أبي بلتعة، فبعث رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- علي بن أبي طالب والزبير بن العوام -رضي الله عنهما- وراء المرأة وأحضرا الرسالة المبعوثة إلى قريش، وقد رودَت هذه القصة في صحيح السنة النبوية المباركة، عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "قَالَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: يا حَاطِبُ ما هذا؟، قَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، لا تَعْجَلْ عَلَيَّ إنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِهَا، وكانَ مَن معكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لهمْ قَرَابَاتٌ بمَكَّةَ يَحْمُونَ بهَا أهْلِيهِمْ وأَمْوَالَهُمْ، فأحْبَبْتُ إذْ فَاتَنِي ذلكَ مِنَ النَّسَبِ فيهم، أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بهَا قَرَابَتِي، وما فَعَلْتُ كُفْرًا ولَا ارْتِدَادًا، ولَا رِضًا بالكُفْرِ بَعْدَ الإسْلَامِ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: لقَدْ صَدَقَكُمْ، قَالَ عُمَرُ: يا رَسولَ اللَّهِ دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هذا المُنَافِقِ، قَالَ: إنَّه قدْ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَكونَ قَدِ اطَّلَعَ علَى أهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"[٧]، فغفر رسول الله لحاطب وسامحه تعليمًا لأصحابه الكرام، فكما للشدة والحزم أوقات، للعفو والمسامحة أوقات أيضًا، والله أعلم.[٨]

المسامحة والعفو في السنة النبوية

دعا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- الناس إلى ضرورة المسامحة والعفو فيما بينهم، فالخصام والحقد يربيان الفتنة ويؤديان إلى سفك الدم وإشعال الحروب، فكان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- كثيرًا ما يُوصي أصحابه بضرورة حسن الخلق فيما بينهم وعدم التباغض وعدم الحقد والغيبة ونبذ كلِّ الأعمال التي قد تكون سببًا من أسباب النزاعات ليبين لهم فضل المسامحة في الإسلام، وفيما يأتي بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي دعا فيها رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى التسامح والعفو والرحمة:[٩]

  • عن أبي هريرة -رضي الله عنه- إنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: "مَن كانت لِأَخِيه عنده مَظْلِمَةٌ من عِرْضٍ أو مالٍ، فَلْيَتَحَلَّلْه اليومَ، قبل أن يُؤْخَذَ منه يومَ لا دينارَ ولا دِرْهَمَ، فإن كان له عملٌ صالحٌ، أُخِذَ منه بقَدْرِ مَظْلِمَتِه، وإن لم يكن له عملٌ، أُخِذَ من سيئاتِ صاحبِه فجُعِلَتْ عليه"[١٠].
  • وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال رسول الله -عليه الصَّلاة والسَّلام-: "لا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ"[١١],

المراجع[+]

  1. سورة الشورى، آية: 40.
  2. سورة الفتح، آية: 29.
  3. سورة البقرة، آية: 237.
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 2588 ، صحيح.
  5. "فضل العفو والمسامحة"، www.binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 26-05-2019. بتصرّف.
  6. "التواضع والعفو والتسامح في فتح مكة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-05-2019. بتصرّف.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن علي بن أبي طالب، الصفحة أو الرقم: 3007 ، صحيح.
  8. "دُروس من حادثة حاطب"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-05-2019. بتصرّف.
  9. "دعوة للتسامح"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-05-2019. بتصرّف.
  10. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 6511، صحيح.
  11. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 2559، صحيح.