صورة الطبيعة من خلال الشعر الجاهلي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٣٤ ، ١٩ سبتمبر ٢٠١٩
صورة الطبيعة من خلال الشعر الجاهلي

الشعر الجاهلي مفهومه وشعراؤه

يُطلق على الشعر الذي قيل قبل ظهور الإسلام بالشعر الجاهلي نسبة إلى جاهلية العرب بالدين آنذاك، ويرى بعضهم أنه محصور فيما لا يزيد على المئة سنة السابقة لمولد الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-[١]، وهو شعر عربي جزل خالد لا يبعد عن شعر صدر الإسلام سوى في مضامينه التي كانت تمثل حاجات ذلك العصر ومظاهره الحياتية، ومن أبرز شعراء العصر الجاهلي عنترة بن شداد، والنابغة الذبياني، والبسوس بنت منقذ، والخنساء، والنمر بن تولب، وامرؤ القيس، وجساس بن مرة وغيرهم كثير، وتمثل أشعارهم بِحقّ انعكاسًا حيًا لطبيعة الحياة في العصر الجاهلي.

سمات الشعر الجاهلي وخصائصه

لم يكن الشعر الذي كان نتاجًا لعملية إبداعية صاغها الشعراء في قالب لغوي إلّا أن يعلن الوفاء لقائله بحملِهِ هويّتَه الزمكانية والاجتماعية والثقافية، كما كان لكل عصر أن يترك بصمة واضحة في الشعر تتمثل في السمات الجمالية والمضمونية التي يتفرد بها شعر كل عصر، ولعل أبرز سمات الشعر الجاهلي ما يأتي:

  • جزالة الألفاظ ووحشيتها، وهي بذلك تعكس طبيعة حياة البداوة في الجاهلية، وما يكتنفها من مشاق ومخاطر.
  • التعدد الموضوعي للقصيدة الواحدة، فقد أُثِر عن شعراء الجاهلية تقسيم قصائدهم إلى مقدمة وموضوع وخاتمة، بحيث تستفتح بالنسيب وتختم بالحكمة.
  • الدقة في الوصف وتتبع دقائق المكان والشعور المتصل بالمكان.
  • استخدام الرمز في المقدمة والتمهيد من خلاله إلى لب الموضوع.
  • استخدام ضروب المحسنات البديعية بشكل عفوي وغير متكلف.
  • انعكاس صورة الطبيعة من خلال الشعر الجاهلي في لغته ومضامينه.
  • التنوع بين الشعر المطول وشعر المقطوعات القصيرة، وذلك تبعًا لطبيعة الحياة التي يعيشها الشاعر.

صورة الطبيعة من خلال الشعر الجاهلي

بدت صورة الطبيعة من خلال الشعر الجاهلي جلية محملّة بكثير من التفاصيل والملامح الدقيقة التي تركت أثرًا بارزًا في نفوس الشعراء آنذاك، لا سيّما أن الطبيعة كانت الشاهد الذي سجّل غزواتهم وانتصاراتهم ورحلاتهم المتعددة وغرامياتهم، فكانت المحيط الواسع والملجأ الذي يلتمس فيه الشاعر الأنس والأمان، كما يبدو في لامية العرب للشنفرى، حيث يقول:[٢]

 أقيموا بني أمي، صدورَ مَطِيكم
فإني، إلى قومٍ سِواكم لأميلُ!

ولي، دونكم، أهلونَ سِيْدٌ عَمَلَّسٌ

وأرقطُ زُهلول وَعَرفاءُ جيألُ

هم الأهلُ. لا مستودعُ السرِّ ذائعٌ

لديهم، ولا الجاني بما جَرَّ، يُخْذَلُ

فقد كان الشنفرى من الشعراء الصعاليك الذين كانوا أكثر قربًا في واقعهم من الطبيعة وأشد التصاقًا بها، فقد حكمت عليهم ظروف حياتهم بالاستقرار في أرجائها المطلقة، واتخاذها في ذاتها مسكنًا وملجأً لهم صيفًا وشتاء، وليلًا ونهارًا، لذلك فقد بدا الشنفرى وقد استبدل بأهله كائنات الطبيعة الأخرى من سباع وضباع وبقر وحشي، واتخذ من أرض الصحراء بيتًا له ومن سمائها سقفًا يؤويه.


وقد بدت صورة الطبيعة من خلال الشعر الجاهلي على الرغم من وحشتها الصحراوية وافتقارها لمظاهر الجمال البيئي من زهر وخضرة، ذات امتيازات جمالية خاصة مكنت أهلها من التآلف معها والتمازج الحيوي الذي جعلها تنعكس في ملامحهم وطباعهم، ولغتهم التي اكتسبت خصوصية ملحوظة في معظم الألفاظ التي تلاشت بتلاشي مظاهر تلك الطبيعة الجاهلية، وظلت مخلدة في آفاق الشعر الجاهلي، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى:[٣]

أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّم

بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ

وَدارٌ لَها بِالرَقمَتَينِ كَأَنَّها

مَراجِعُ وَشمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ

بِها العَينُ وَالأَرامُ يَمشينَ خِلفَةً

وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ

أثافيّ سفعًا في معرّس مرجلٍ

ونؤيًا كجذم الحوض لم يتثلّمِ

لقد كانت ملامح الطبيعة في معلقة زهير بن أبي سلمى، مشحونة بكمٍ عاطفي كافٍ لتفسير ملامح تلك الطبيعة الصحراوية القاسية التي بات الفراق والتلاشي جزءًا أساسيًا فيها، فقد بدت ديار المحبوبة وقد كانت عامرة بالحب والحياة، متهالكة على أنقاضها، وقد محى الزمان طلعتها حتى لم يكد يتعرف عليها، كما قد بدل سكانها ليغدوا مجرد حيوانات من القر الوحشي والغزلان ترعى صغارها في أنحاء المنزل الذي ظل محتفظًا بما خلفه أهله وراءهم من آثار الموقد والحوض المائي المحيط به.


ولا تقتصر صورة الطبيعة من خلال الشعر الجاهلي على الموطن الذي عايشه الشعراء ولازموه زمنًا، فقد تمكنت الطبيعة من أن تترك أثرها في نفوسهم وتخلد في أشعارهم وإن كانت محض محطة سير عابرة، فقد كان للطبيعة حيز خاص في قصائد الشعراء أثناء استيقافهم للرفيق ووصف خط الرحلة وتتبع أثر الحبيب، كما في معلقة زهير بن أبي سلمى:[٣]

تَبَصَّر خَليلي هَل تَرى مِن ظَعائِنٍ

تَحَمَّلنَ بِالعَلياءِ مِن فَوقِ جُرثُمِ

بَكَرنَ بُكوراً وَاِستَحَرنَ بِسُحرَةٍ

فَهُنَّ لِوادي الرَسِّ كَاليَدِ لِلفَمِ

جَعَلنَ القَنانَ عَن يَمينٍ وَحَزنَهُ

وَمَن بِالقَنانِ مِن مُحِلٍّ وَمُحرِمِ

ولم تكن صورة الطبيعة في الشعر الجاهلي مقصورة على مظاهر الصحراء والبداوة، فلطالما حلق شعراء الجاهلية باعينهم في سمائها الواسعة معلنين بذلك تجاوزهم المطلق لكل حدود الأرض وما يتصل بها؛ ليجعلوا من السماء ونجومها عنوانًا لحريتهم ولطموحهم المطلق كما فعل امرؤ القيس في قوله:[٤]

ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي

بصُبْحٍ وما الإصْباحَ مِنك بأمثَلِ

فيا لكَ من ليلْ كأنَّ نجومهُ

بكل مغار الفتل شدت بيذبلِ
فقد اختار امرؤ القيس الطبيعة لتكون رفيقه في رحلة بحثه العظيمة عن ملك أبيه، فكان متعاليًا في نظراته يجاوز بها عنان السماء ويكتسح المساحات.

المراجع[+]

  1. محمد أبو ربيع (1990)، في تاريخ الأدب العربي القديم (الطبعة الأولى)، عمّان: دار الفكر للنشر والتّوزيع، صفحة 18.
  2. الشنفرى (1996)، ديوان الشنفرى (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتاب العربي، صفحة 58.
  3. ^ أ ب أحمد الأمين الشنقيطي، المعلقات العشر وأخبار شعرائها (الطبعة الأولى)، القاهرة: دار النصر للطباعة والنشر، صفحة 88.
  4. امرؤ القيس (1984)، ديوان امرؤ القيس (الطبعة الرابعة)، القاهرة: دار المعارف، صفحة 18.