شروط صلح الحديبية

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٣٤ ، ٤ يناير ٢٠٢٠
شروط صلح الحديبية

صلح الحديبية

يُعرفُ صُلح الحديبية بأنَّهُ عقدٌ واتفاقٌ بينَ طَرفين، قُريش، والمسلمين، وَمفادُ هذا العقد هو وجود صُلحٍ بينَ الطرفين، وانعقادُ هُدنةٍ بينهم لِمُدةِ عشرِ سنوات، وقد تمَّ في السادسة للهجرة،[١] من شهرِ ذي القعدةِ، خرجَ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- برفقةِ أصحابهِ يقصدونَ مكة، فَلّما وصلوا الحديبية، توقفت ناقةُ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- عن المسير، فقال: "ما خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، وما ذَاكَ لَهَا بخُلُقٍ، ولَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ"[٢] فنزلوا عندها في الحديبية، وبعثَ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- عثمان بن عفان -رضي الله عنه- للتفاوضِ مع قريش، فبايعوا عندها الصحابةُ رسولَ الله، وكانت هذه بيعةُ الرضوان، وأرسلت قريش عروة بن مسعود لعقدِ الصُلح، ووضعوا شروط صُلح الحديبية.[٣]

شروط صلح الحديبية

وعقدُ الحديبيةِ كغيرهِ من العقود، قام على بنودٍ وتراضٍ بين الطَرفين، وكانت قُريش هي من وضعت تلكَ الشروط، ومنها ما هو عاجلٌ ومنها ما هو آجل، ومنها ما لم يتقبلها المُسلمون، وشروط صلح الحديبية ما يلي:[٤]

  • أن يعود المُسلمين إلى المدينة دون أداء مناسك العمرة، على أن يؤدوا العمرة في عامِهم المقبل، ويبقى المسلمون في مكة لمدة ثلاثةِ أيام، وأن لا يدخلوها مُسلحين، إلا السلاح الذي يحملهُ المسافر، فقد جاء في الحديث الذي ذَكرَ بعضًا من شروط صلح الحديبية: "وَكانَ فِيما اشْتَرَطُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فيُقِيمُوا بهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدْخُلُهَا بسِلَاحٍ إلَّا جُلُبَّانَ السِّلَاحِ"[٥]
  • من يأتي إلى المُسلمين من قريش بغيرِ علمِ وليهِ يردوه إليهم؛ أي إذا جاءهم قاصدًا الإسلام، ومن جاء من المُسلمين إلى قريش؛ أي أتى مرتداً عن الإسلام لا يردوه إليهم، وقد كرِّهَ المسلمون هذا الشرط، وشعروا أن بهِ ظلماً لهم، لكن خففَ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- عليهم ذلك بقوله: "مَن ذَهَبَ مِنَّا إليهِم فأبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَن جَاءَنَا منهمْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ له فَرَجًا وَمَخْرَجًا"[٦]
  • أن توضعَ الحرب بين المُسلمين وقريش لمدة عشرِ سنوات، يتوقف فيها النّاس عن القتال، ويأمنونَ على بعض، وهذا الشرطُ من شروط صلح الحديبية الذي كان بمصلحةِ المُسلمين.
  • أن يكون بينهم موادعة ومكافَّة، وتسلمَ صدورهم من الغل، وأن تخلوا من بينهم الخيانةُ والسرقةُ، وأن يعيشوا مكفوفي الأيديّ عن بعضهم البعض.
  • من يأتي من القبائل العربيةِ يريدُ الدخول في عقدِ أحد الفريقين، كانَ له ذلك، فمن أرادَ الإنضمام إلى المسلمين كان له، ومن أراد الإنضمام إلى قريشٍ كان له ذلك أيضًا، ويعدُ هذا الشرط الأخير من شروط صلح الحديبية، فدخلَ بنو خزاعة في عهد رسول الله، ودخلَ بنو بكرٍ في عهدِ قريش.[١]

موقف المسلمين من صلح الحديبية

بعد كتابةِ شروط صلح الحديبية، كان هناك موقفٌ جليٌ للصحابةِ -رضي الله عنهم- وهو رفضُهم لبنودِ هذا الصلح، وخاصةً البند الذي نَّصَ على قبول قريش لمن يعود لها من المسلمين مرتدًا، وألا يقبل المُسلمون من يأتيهم بغيرِ علم وليهِ، والشرط الذي نصَّ على عودتهم من غيرِّ أداءِ النُسك، فكان المسلمون عندها يشعرون بالظُّلمِ من هذهِ الشروط، لكنَّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- كان ينظر للمجريات بشكلٍ أوسع وأشمل، وكان يحملُ هدفًا واحدًا وهو توسعُ الإسلام وانتشاره، ولم يكن يريدُ دخول مكة بقصد عُمرةٍ فحسب، وهذا ظهرَ في نتائجِ هذا الصلح ظهورَا جليًا، كيف كان لصالح الإسلام وتوسعهِ وانتشارهِ،[٧] ولعل أبرز الصحابة الذين ذكرت الأحاديثُ موقفهم هو عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقد رأى أن في هذه الشروط رضوخاً للمسلمين، فقد قال للنبي -صلّى الله عليه وسلّم-: "ألَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطِلِ؟ قال: بلى، قال: فلِم نُعطِي الدَّنيَّةَ في دِينِنا إذًا؟"[٨] لكن كان لرسول الله نظرته البعيده للأحداث، وأنه سيعود هذا العقد بالخير للمسلمين.[٩]

السورة التي نزلت بعد صلح الحديبية

كانَ القرآن دائمًا مواسيًا لرسول الله، وكان يتنزلُ عليه بحسب الأحداثِ والوقائعِ، وبعدَ وضعِ شروط صلح الحديبية، التي ظهر على الصحابةِ عدم الرضا عنها، شعروا بالهَمِّ والضيق وهم في عودَتِهم للمدينةِ، وذلك لرغبتهم في أداء العمرة قبل رجوعهم، ولشعورهم بعدمِ الرضا عن شروطِ الصلح، حتى أنهم لم يتحللوا من إحرامِهِم، ولم يذبحوا الهديَّ بعدما أمرهم رسول الله، حتى فعل ذلك أمامَهم، وهذا ما أشارت به أمُّ المؤمنين، أمُّ سلمةَ -رضي الله عنها- على رسول الله، فأنزلَ الله على نبيه بعد ذلك سورةً بدلت همهم فرحًا وابتهاجًا، وأدركوا أن الخيرَ هو ما يختارهُ الله لهم، وقد وصفها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقولهِ: "لقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هي أَحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا"[١٠] فلما نزَّلَ الله سورةَ الفتح عقبَ صلح الحديبية، كانت البشرى للمؤمنين، بأن الفتح قريب، والنَّصرَ آتٍ، وأن الله تعالى مع المؤمنين.[٩]

نتائج صلح الحديبية

كانَ صُلح الحديبيةِ من الأحداث التاريخيةِ المهمةِ للدولةِ الإسلاميةِ، فكان هذا العقدُ فتحًا مبينًا للمسلمين، قال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}[١١] وبالرغمِ من أنَّ شروط صلح الحديبية، رأى بها البعضُ إجحافاً للمسلمين، إلا أن نتائجَ هذا الصُلح كانت تَصبُ في مصلحةِ المسلمين، ومن نتائج صلح الحديبيةِ:[١٢]

  • إقرار قريش بأنَّ الدولة الإسلامية قائمة، ولها كيانها المستقل، مما ترك أثرًا عند باقي قبائل العرب التي كانت ترى أن قريشًا هي القدوةُ بينَ العرب، مما جعل حلفاء قريش يميلون لموقف المسلمين.
  • انتشار الإسلام، وعلمُ الناسِ به، ودخول هيبة الدين الإسلامي، في نفوس المشركين والمنافقين، فبعدَ هذا الصلح اسلم العديد ممن كانوا على الشرك، ودخلَ عددٌ كبير من القبائلِ العربيةِ في الإسلام.
  • تَفرُغُ المسلمين لليهودِ وَمكرِهم، فقد أَمِنّوا قريش وغدرها، فبعد صلح الحديبية، وقعت غزوة خيبر، بينَ المسلمين ويهود خيبر.
  • كانَ هذا الصلح خطوةَ المسلمين الأولى لنقلِ رسالةِ الإسلام خارج جزيرة العرب، فقد مكنهم هذا الصلح من التجهيز لغزوةِ مؤتة، وقام النبي -صلى الله عليه وسلم- بإرسال رسائلهِ التي يدعوا بها ملوك الروم والفرس والأقباط للدخول في الإسلام.
  • كان صُلح الحديبية سبباً في فتح مكة، وهذه من أعظَمِ النتائجِ التي أسفرَ عنها هذا الصُلح.

المراجع[+]

  1. ^ أ ب "صلح الحديبية"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 13-12-2019. بتصرّف.
  2. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن المسور بن مخرمة، الصفحة أو الرقم: 2731، حديث صحيح.
  3. "صلح الحديبية وشروطه"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 13-12-2019. بتصرّف.
  4. "شروط صلح الحديبية وموقف الصحابة منه"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 13-12-2019. بتصرّف.
  5. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن البراء بن عازب، الصفحة أو الرقم: 1783، حديث صحيح.
  6. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 1784، حديث صحيح.
  7. "موقف الصحابة من صلح الحديبية"، /www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 14-12-2019. بتصرّف.
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن المسور بن مخرمة، الصفحة أو الرقم: 2731، حديث صحيح.
  9. ^ أ ب "شروط صلح الحديبية وموقف الصحابة منه"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 17-12-2019. بتصرّف.
  10. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 1786، حديث صحيح.
  11. سورة الفتح، آية: 1.
  12. "صلح الحديبية وفقه المآلات"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 14-12-2019. بتصرّف.