رخصة الفطر في رمضان

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:١٠ ، ٢٥ مارس ٢٠٢٠
رخصة الفطر في رمضان

مفهوم الرخصة

إنّ موضوع رخصة الفطر في رمضان من الموضوعات التي تثيرُ جدلًا مع اقتراب موعد شهر رمضان المبارك، أو في أثناء شهر رمضان، وللوقوف على هذا الأمر لا بدّ أوّلًا من الوقوف مع معنى كلمة الرخصة في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي، فالرخصة لغةً ضدّ التّشديد،[١] والرخصة كذلك التسهيل في أمر والتيسير فيه، وأمّا في اصطلاح الشّرع فهي: "ما يغيَّر من الأَمر الأَصلي إِلى يُسرٍ وتخفيف"،[٢] أو هي: "ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام السبب المحرم"،[١] ويقول في ذلك رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فيما يرويه عنه ابن عبّاس: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ تؤتى رُخصُه كما يُحِبُّ أنْ تؤتى عزائمُه"،[٣] فهي إذًا تيسير في أمر قد افترضه الله -تعالى- على عباده، وتأتي الرخصة لأنّ في العزيمة -وهي الأمر الأصلي الذي جاءت الرخصة لتيسيره- مشقّة قد تلحق بالمسلم، ومن تلك الفرائض الصيام المفروض في شهر رمضان، وسيقف المقال مع بيان رخصة الفطر في رمضان لمن تكون إن شاء الله.[٢]

رخصة الفطر في رمضان

بعد الوقوف على مفهوم الرخصة في اللغة وفي اصطلاح الشريعة الإسلاميّة يقف المقال الآن -بشيء من التفصيل- مع رخصة الفطر في رمضان، والتي تعني -ممّا تقدّم- إباحة الإفطار في نهار رمضان لأشخاصٍ بعينهم لسببٍ ما يوجب الفطر، ومن الذين يُباح لهم الفطر في رمضان وسيقف معهم المقال -إجمالًا- هم: المريض والمسافر والحامل والمرضع، وفيما يأتي تفصيل ذلك:

المريض

المريض في اللغة عكس الصحيح، والمريض هو الإنسان الخارج عن حدود الصحة لمرض أو علّة ما، والمريضُ يُباح له الفطر في رمضان ويقضيه إذا صحّ من مرضه، وذلك لقوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}،[٤] ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه؛ فللمريض حالات حدّدها الشرع، فهو لا يعدو أن يكون إحدى الحالات التالية:[٥]

  • أن يكون مرضُ المريض لا يتأثّر بالصّوم، فيكون المرض يسيرًا لا يؤدّي إلى المشقة في حال الصيام؛ فهذا *المريض لا يُباح له الصوم، كأن يكون المريض مصابًا بصداع خفيف في الرأس أو ألم في الضرس أو الزكام ونحو ذلك.
  • أن يزداد المرض أو يتأخّر شفاؤه ويصبح في الصيام مشقّة على المسلم ولكنّها مشقّة لا تصل إلى درجة الضّرر؛ فهنا يُستحبّ الفطر للصّائم ويُكره له الصوم.
  • أن يشكّل الصيام على المريض تهديدًا لحياته؛ فقد يؤدي معه إلى الهلاك والموت؛ ففي هذه الحال يحرُم الصوم؛ لأنّه قتل للنفس، وقد قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ}.[٦]

وإذا حصل مع صائم مرض في أثناء يوم رمضان وكان المرض شاقًّا لدرجة لا يمكنه معه إتمام الصيام فإنّه يباح له الفطر، وأمّا إن كان المرض ملازمًا للرجل كأن يكون التّقدّم في السن لدرجة الهرم، أو أن يكون مرضًا لا شفاء منه بتقدير طبيب مسلم ثقة حاذق في مجاله فهذا لا يجب عليه الصيام لأنّه لا يقدر عليه، والله -تعالى- يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}،[٧] ولكن في هذه الحال عليه أن يُطعم عن كلّ يومٍ يُفطره مسكينًا، ورأى بعض العلماء أنّه مُخيّر إمّا أن يصنع طعامًا بنفسه ويدعو عليه المساكين الذين يعدلون عدد الأيام التي أفطرها، وإمّا أن يطعم عن كلّ يوم أفطره مسكينًا، وذلك يعدل نصف صاعٍ من قوت البلد الذي هو فيه، ويُقدّر الصاع بمقدار كيلو ونصف.

المسافر

يُشرع للمسافر الذي يسافر مسافة يحقّ له فيها قصر الصلاة أن يفطر لقوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، [٨] وذهب جمهور أهل العلم إلى أنّ المسافر يحقّ له الصيام، وروى أبو هريرة عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم- أنّ صيام المسافر غير صحيح ويجب عليه القضاء، واختار هذا الرأي ابن حزم، وتفصيل حالات المسافر فيما يأتي:[٥]

  • أن يكون الصيام في السفر فيه مشقّة ويعوق الصّائم عن عمل الخير، فهذا الفطر في حقه أولى.
  • ألّا يكون في الصيام مشقّة ولا يعيق عن عمل الخير، فهذا الصيام في حقه أولى.
  • أن يكون في الصيام مشقّة قد تُفضي إلى هلاك الصائم، وهذا الفطر واجب عليه ويحرم عليه الصيام.

وأمّا وقت السفر الذي يجوز معه الفطر فهو أن يبدأ قبل الفجر، يعني أن يبدأ سفر المرء قبل الفجر، أو أن يطلع الفجر على المرء وهو مسافر وينوي الفطر، فهذا يحق له الفطر بالإجماع، وأمّا أن يسافر المرء في أثناء اليوم بعد الفجر وينوي الفطر فقد منعه أبو حنيفة ومالك والشافعي وفي رواية عن أحمد بن حنبل، وفي رواية أخرى عن أحمد بن حنبل والحسن البصري وإسحاق أنّه يجوز له الفطر وهو اختيار ابن تيمية، وأمّا من ذهب إلى جواز الفطر مع نية السفر وهو ما يزال في بلاده فقد منعه جمهور العلماء، والله أعلم.[٥]

الحامل والمرضع

إنّ الحامل والمرضع إن خافتا على نفسيهما من الهلاك أو على الجنين أو على الولِيد أن يقلّ الحليب الذي هو طعامه فإنّ الفِطر لهما حقّ؛ وذلك لقوله -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه أنس بن مالك: "إنَّ الله عزَّ وجلَّ وضعَ عنِ المسافرِ شطرَ الصَّلاةِ، وعنِ المسافرِ والحاملِ والمرضعِ الصَّومَ"،[٩] فهذا حديث صريح في جواز الفطر للحامل والمرضع، وذهب بعض العلماء إلى تفصيل مسألة صيام الحامل والمرضع، ورأوا أنّها تنقسم إلى ثلاث حالات، وتفصيلها فيما يأتي:[١٠]

  • الحالة الأولى: إذا خافتا على ولديهما فإنّهما تفطران لإنقاذ معصوم، وتقضيان الأيام التي أفطرتاها من دون إطعام.
  • الحالة الثانية: إذا خافتا على نفسيهما وعلى ولديهما فإنّهما تفطران وتقضيان عدد الأيام التي أفطرتاها من دون إطعام.
  • الحالة الثالثة: أنّ الحامل والمرضع تخشيان على نفسيهما فقط، فهذا حكمه أنّه يجب عليهما الصيام ولا يحلّ لهما الفطر، وأمّا إن كان في الأمر مشقّة محتملة فيحلّ لها الفطر والصيام في حقها مكروه، وأمّا إن كان هنالك مشقّة لا تُحتمل فالصيام مُحرّم عليها والإفطار واجب وتقضيان الأيّام التي أفطرتاها، واختلف أهل العلم فيما يجب على الحامل والمرضع إن هما أفطرتا، فافترق العلماء في ذلك على خمسة أقوال، وهم أئمّة الإسلام كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل والأوزاعي وسفيان الثوري وابن عبّاس وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم جميعًا، وتفصيل الأقوال الخمسة في أحوال الحامل والمرضع إن أفطرتا هي:[٥]
    • القول الأوّل: عليهما القضاء وإطعام مسكين عن كلّ يوم أفطرتاه، وهو قول الشافعي وابن حنبل، وعند الشافعية والحنابلة أنّ الحامل والمرضع إن أفطرتا خوفًا على نفسيهما فقط فعليهما القضاء فقط دون إطعام.
    • القول الثاني: عليهما القضاء فقط، وهو قول الإمام الأوزاعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم من الأئمّة.
    • القول الثالث: عليهما الإطعام فقط دون القضاء، وهو قول ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وهو مذهب إسحاق بن راهويه.
    • القول الرابع: أن تقضي الحامل ما عليها من أيّام، وتقضي وتُطعم المرضع، وهو قول الإمام مالك، وأحد الأقوال عند الشافعية.
    • القول الخامس: ليس عليهما قضاء أو صوم، وهو قول الإمام ابن حزم الظاهري.

موجبات انقطاع العذر في رمضان

بعد الوقوف على حالات رخصة الفطر في رمضان، وتبيين الحالات التي تجوز فيها رخصة الفطر في رمضان فإنّ المقال يقف أخيرًا مع موجبات انقطاع العذر في رمضان، ويُقصد بهذه العبارة الوقت الذي يجب فيه الإمساك عن الإفطار والصيام لزوال السبب الذي يجب معه الإفطار، ويمكن تقسيم تلك الحالات عدّة أقسام يتوضّح فيها المُراد، وتلك الحالات هي:[١١]

  • الكافر إذا أسلم: فإنّ الكافر إذا أسلم في نهار رمضان فإنّه يجب عليه الإمساك، ورأى أهل المذهب الحنبلي، أو الحنابلة، أنّ الكافر يقضي ذلك اليوم الذي صامه في نهاره، ولكنّ حجّتهم في ذلك ضعيفة، وذهب أبو حنيفة -وهو ما اختاره ابن تيمية- أنّه لا يجب عليه القضاء؛ لأنّ الشرائع إنّما تجب بعد العلم بها.
  • الصغير إذا بلغ: كأن ينام الصغير في نهار رمضان وهو مفطر، ثم يستيقظ فيجد نفسه قد احتلم، ففي هذه الحال يُمسك عن الإفطار ويتابع صيام ذلك اليوم، وعلى أصحّ الأقوال أنّه لا يجب عليه القضاء.
  • المجنون إذا برئ: وهذا أيضًا يجب في حقّه الإمساك فقط من دون القضاء.
  • إذا قامت البيّنة: كأن يعتقد الناس أنّ هذا اليوم ليس الأوّل من رمضان، فيأكلون ويشربون ويفعلون ما يفعلونه في أيّام الفطر، ففي هذه الحالة إذا جاءهم نبأ أنّ هذا اليوم رمضان فإنّهم يمسكون، وكذلك أصحّ الأقوال أنّه لا يجب عليهم القضاء.
  • المريض إذا برئ: فالمريض إذا برئ وجب عليه القضاء بلا خلاف، ولكن الخلاف حول إمساكه على عكس الأصناف الأربعة آنفة الذكر، فقال فريق من أهل العلم أنّه يجب عليهم الإمساك، وهو رأي الحنابلة، وأمّا الشافعيّة وإحدى الروايات عن الإمام أحمد أنّه لا يجب عليه الإمساك.
  • الحائض إذا طهرت: فهذه حكمها كحكم المريض إذا برئ، فتقضي ولا تمسك.
  • المسافر: ففيه بعض التّفصيل حول انقطاع عذره وسقوط رخصة الفطر في رمضان، وبيان ذلك فيما يأتي:
    • الحالة الأولى: هي أن ينوي الإقامة في البلد الذي سافر إليه فإنّه يصوم ولا يفطر، وأمّا إذا امتدّت مدّة إقامته بلا نيّة منه بالإقامة لعذر ما فله أن يفطر.
    • الحالة الثانية: فهي أن يعود المسافر إلى بلده؛ فإن عاد المسافر ليلًا فإنّه يصوم اليوم التالي بلا خلاف، وأمّا لو عاد في النهار ففي ذلك قولان، والأظهر فيهما هو ما ذهب إليه الإمام الشافعي والإمام مالك وهو أنّه لا يلزمه الإمساك ويبقى على فطره، وبذلك يكون قد تمّ المقال الذي ناقش حالات رخصة الفطر في رمضان، والله -تعالى- أعلى وأعلم بالصّواب.[٥]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب مريم محمد صالح الظفيري (2002)، مصطلحات المذاهب الفقهية وأسرار الفقه المرموز (الطبعة الأولى)، مصر: دار ابن حزم، صفحة 82. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "تعريف و معنى الرخصة في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 24-03-2020. بتصرّف.
  3. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 354، أخرج ابن حبان هذا الحديث في صحيحه.
  4. سورة البقرة، آية: 185.
  5. ^ أ ب ت ث ج كمال بن السيد سالم (2003)، صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة (الطبعة الأولى)، القاهرة: المكتبة التوفيقية، صفحة 119، الجزء 2. بتصرّف.
  6. سورة النساء، آية: 29.
  7. سورة البقرة، آية: 286.
  8. سورة البقرة، آية: 185.
  9. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 1361، حديث حسن صحيح.
  10. سعيد بن وهف القحطاني (2010)، الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة (الطبعة الثانية)، الرياض: مركز الدعوة والإرشاد بالقصب، صفحة 158. بتصرّف.
  11. حمد بن عبد الله بن عبد العزيز الحمد، فقه الصيام والحج من دليل الطالب، المملكة العربية السعودية: دروس صوتية مفرغة على موقع إسلام ويب، صفحة 9، جزء 2. بتصرّف.