خطبة عن مكانة القدس في الاسلام

خطبة عن مكانة القدس في الاسلام
خطبة عن مكانة القدس في الاسلام

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نحمد القادر على كلّ شيء -سبحانه-، الذي رفع مكانة القدس الشريف، وأسرى بعبده ونبيّه -صلى الله عليه وسلم- ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ونصلّي ونسلّم على سيّدنا محمد عبد الله ورسوله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.[١]

الوصية بتقوى الله

عباد الله، أوصيكم ونفسي المُقصرة بتقوى الله ولُزوم طاعته، وأُحذّركم ونفسي من مُخالفته وعصيان أوامره، لقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).[٢]

ولقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَـكِنَّ عَذَابَ اللَّـهِ شَدِيدٌ).[٣][٤]

الخطبة الأولى

عباد الله، نتكلم معكم في هذا اليوم المُبارك عن القدس ومكانتها العظيمة في الإسلام، فقد كثُرت الأحاديث والآيات في ذكرها، وحتى نتعرف معاً على مكانة القدس في الإسلام نعود إلى مصادرنا الصحيحة؛ وأوّلها القُرآن الكريم، والسُنة النبوية، وأقوال الصحابة وأعمالهم، فمن القُرآن قوله -تعالى-: (سُبحانَ الَّذي أَسرى بِعَبدِهِ لَيلًا مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إِلَى المَسجِدِ الأَقصَى الَّذي بارَكنا حَولَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ البَصيرُ).[٥][٦]

وأمّا في السنة فقول النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هذا، وَمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأقْصَى)،[٧] وهُناك الكثير من الأحاديث التي تُبين مكانة القدس العظيمة في الإسلام، فهي مسرى النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-، ومكان معراجه إلى السماوات العُلى، كما أنها أولى القبلتين، والمسجد الثاني الذي وضعه الله -تعالى- في الأرض، والمسجد الأقصى من المساجد التي يُضاعف الله -تعالى- فيه الحسنات، ويغفر فيها الذنوب.[٦]

وأمّا بالنسبة للقدس ومكانتها عند الصحابة الكرام ومن جاء بعدهم من التابعين؛ فقد جعلوا من القدس مكانةً عالية، ومنزلاً مُباركاً، واهتموا به، وأحاطوه برعايتهم الدينيّة، حيث جاء عن الخليفة عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنّه أحرم من المسجد الأقصى بالحج والعمرة، وجاء كذلك قائد جيش القادسية وهو سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- بجيشه للقُدس وأحرم منها للعُمرة.[٨]

وكذلك بعض الصحابة الكرام؛ كعبد الله بن عُمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهم -رضي الله عنهم-، وهناك الكثير من الصحابة الذين زاروا بيت المقدس؛ وهذا إنْ دلّ على شيءٍ -إخواني الكِرام- فإنما يدلّ على مكانة بيت المقدس في قلوبهم، ومن هؤلاء الصحابة الكِرام: أبو عُبيدة بن الجراح، وزوجة النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام- صفية بنتُ حُييّ، ومُعاذ بن جبل، وبلال بن رباح، وغيرهم -رضي الله عنهم-.[٨]

وممّن زار بيت المقدس من التابعين وفقهائهم: مالك بن دينار، وأويس القرنيّ، وكعب الأحبار، والإمام الأوزاعيّ، والإمام الشافعيّ، والإمام أبي بكر العربي، والجُرجانيّ، وغيرهم، وقد حظيت القُدس بمكانةٍ عاليةٍ عند خُلفاء ومُلوك المُسلمين، ومنهم: عُمر بن الخطاب، ومُعاوية بن أبي سُفيان، وعُمر بن عبد العزيز، وأبو جعفر المنصور، وكذلك سُليمان بن عبد الملك الذي همّ بالإقامة فيها، واتّخذها عاصمةً له عوضاً عن دمشق.[٨]

وإيماننا الكامل بجميع رسالات الأنبياء ودعوتهم يجعلنا كمُسلمين حُماةً للتُراث الإسلاميّ، فالمُسلمون في جميع العصور ينظرون للقُدس نظرة قداسةٍ ومركزاً تُراثياً إسلاميّاً، ويربطون بين مسجدها الأقصى وبين المسجد الحرام في مكة المُكرمة، ويشدّون إليه الرحال.

وقد كانت القدس قبلتهم الأولى، وقيل إنّ القدس كانت المكان الذي كلم الله -تعالى- به نبيه موسى -عليه السلام-، وهو المكان الذي تاب به على نبيه داود وسُليمان -عليهما السلام-، وبها بُشّر زكريا بيحيى -عليهما السلام-، وغير ذلك من تُراث الأنبياء الذي بدوره يؤكّد عى مكانتها في الإسلام.[٨]

عباد الله، لقد تبوّأت القدس مكانةً عالية في الإسلام وغيره، فالقُدس لها منزلةٌ مُقدسةٌ عند جميع الناس على اختلاف عقائدهم، ولا يوجد بلد له هذه المكانة العالية في الإسلام إلا مكة والمدينة، حيث إنّ القُدس معراج النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام- وإسراؤه، ومهبط رسالة عيسى -عليه السلام-.[٩]

وهي مصدر الحضارة على مدى كثيرٍ من القُرون والعُصور، كما أنها أرض البُطولات، وأقام فيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في ليلةٍ وأحياها حتى الفجر، وصلى إماماً بالصحابة الكرام، كما أنها كانت وجهةً للصحابة الكرام، والعُلماء، والأتقياء، والفُقهاء، وقد تَغَنّى بها الكثير من الشُعراء في شعرهم، كقول الشاعر:[٩]

يـا قدس يا وطن النبيين الأُلى

حملوا إلى الدنيا الضياء وبشروا

وبقـيت والمعراج فوقك مشرع

أعـلامـه يحنوا عليك ويسهر

ومحمـد والأنبياء شــواخص

أبصارهم لـك والبراق الأطهر

يا قدس مذ أسرى النبي تـشوقا

لك والدنى بك تهـتـدي وتنور

يا قدس أبواب السماء جميعها

في سقفك الزاهي تضيء وتبهر

عباد الله، اعلموا أن تاريخ القُدس قد بدأ مع بدء سُلالة آدم -عليه السلام- على الأرض، فقد أخبر النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام- أن مسجدها كان المسجد الثاني الذي وُضع على الأرض، ويدلّ على ذلك حديث: (قُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلَ؟ قالَ: المَسْجِدُ الحَرَامُ قالَ: قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ المَسْجِدُ الأقْصَى قُلتُ: كَمْ كانَ بيْنَهُمَا؟ قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فإنَّ الفَضْلَ فِيهِ)،[١٠] فبدأ آدم -عليه السلام- ببناء المسجد في القُدس بعد بنائه لعين مكان الكعبة بأربعين سنة.[٩]

وجاء بعد ذلك العرب الكنعانيون من جزيرة العرب إلى بلاد الشّام قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة، وسُمّيت بأرض كنعان، وتوالت عليها الأُمم والحضارات بعد ذلك، وسمّاها الله -تعالى- في القُرآن الكريم بالأرض المُقدّسة، والأرض المُباركة، كقوله -تعالى-: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ)،[١١] فقد ذكرها القُرآن الكريم صراحة، ونوّه إليها في بعض الآيات من باب التعريض.[٩]

عباد الله، إنّ القدس وما فيها من أماكن مقدّسة؛ كالمسجد الأقصى وهي أرض الأنبياء، تجعل منها مكانةً عاليةً في نفس كُل مسلم، فهي جُزءٌ من تُراثه الإسلاميّ، فقد كان كل زمنٍ ماضياً لا يكاد يخلو من وُجود نبي أو أكثر في أرضها وعلى تُرابها، وتعاقبت العُصور والحضارات على أرضها حتى وصلت إلى العصر الإسلاميّ بعد الهجرة بخمس عشرة سنة في عهد الخليفة عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وتسلّم مفاتيحها من البطارقة.[١٢]

وبارك الله لي ولكم في القُرآن العظيم، ونفعنا وجميع المُسلمين بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المُسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية 

الحمد لله الذي جعل بعد الضيق مخرجاً وبعد الهمّ فرجاً، وبعد العسر يسراً، أحمده سبحانه وأشكره على عظيم حكمته وتدبيره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل مع العسر يسراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، دلّ أمّته على طريق النصر والعزّ والتمكين، أما بعد:

عباد الله، لقد تبوّأت القدس المكانة العالية الرفيعة لدى أصحاب جميع الديانات والملل، وأمّا بالنسبة لمكانتها في الإسلام وعند المُسلمين؛ فهي أولى القبلتين، وثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال، ومسرى النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-، ومعراجه إلى السماء.[١٣]

وهي أرض الأنبياء ورسالاتهم، وقد ذكر الله -تعالى- في كتابه أنها مُباركة، وبارك ما حولها، كما أوردت الكثير من كُتب الحديث أهمية القُدس، وفضلها، وفضل الصلاة في المسجد الأقصى، وفضل الإحرام منها بالحج أو العمرة.[١٣]

الدعاء 

  • اللهم إنا واقفون ببابك، متذللون على أعتابك، نسألك اللهم أن تحفظ بيت المقدس برعايتك، وتحمي مَن فيه.
  • اللهم كُن لإخواننا المُجاهدين في فلسطين الذين يُجاهدون لإعلاء كلمتك.
  • اللهم كُن لهم ناصراً ومُعيناً على أعدائهم، وثبّت اللهم أقدامهم، وسدّد رميهم.
  • اللهم انصر إخواننا المُجاهدين في كُل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وفي بيت المقدس، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
  • اللهم فرّج همّ المهمومين من المُسلمين، ونفّس كرب المكروبين، واقضِ الدَّيْن عن المدينين، واستر عوراتنا، وآمن روعاتنا.
  • اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قُلوبنا، واجعل حُبّنا لك أعظم شيءٍ في قُلوبنا، واجعلنا من الراشدين.
  • اللهم آتنا في الدُنيا حسنةً، وآتنا في الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النّار، وتوفّنا مع الأبرار.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المراجع[+]

  1. محمد العثيمين (1988)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 622، جزء 9. بتصرّف.
  2. سورة النساء، آية:1
  3. سورة الحج، آية:1-2
  4. اختيار وكالة شئون المطبوعات والنشر بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد (1423)، خطب مختارة (الطبعة 3)، السعودية:وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 36. بتصرّف.
  5. سورة الإسراء، آية:1
  6. ^ أ ب عبدالعزيز بن أحمد الغامدي، "خطبة عن المسجد الأقصى المبارك"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 13/3/2022. بتصرّف.
  7. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:1397، صحيح.
  8. ^ أ ب ت ث "مكانة بيت المقدس في الإسلام وعند المسلمين "، طريق الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 13/3/2022. بتصرّف.
  9. ^ أ ب ت ث عبد العزيز الخياط، "مكانة القدس في العقيدة الإسلامية(1-2)"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 5/3/2022. بتصرّف.
  10. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم:3366، صحيح.
  11. سورة المائدة، آية:21
  12. صالح بن محمد آل طالب، "مكانة القدس وواجب المسلمين نحوها"، ملتقى الخطباء، اطّلع عليه بتاريخ 5/3/2022. بتصرّف.
  13. ^ أ ب شفيق جاسر أحمد محمود (1404)، الفتح العمري للقدس نموذج للدعوة بالعمل والقدوة (الطبعة 16)، المدينة المنورة:الجامعة الإسلامية ، صفحة 186. بتصرّف.

6 مشاهدة