خطبة عن الوفاء بالعقود والعهود

خطبة عن الوفاء بالعقود والعهود
خطبة عن الوفاء بالعقود والعهود

مقدمة الخطبة

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي أمر بالوفاء بالعقود والعهود، الحمد لله الصادق قوله ووعده، والوفي ميثاقه، الحمد لله العظيم شأنه، العلي مكانه، والمنير برهانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده وسوله، وصفيه وخليله، خير الموفين بالعهود، وأكرم الصادقين في الوعود، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه الغرِّ الميامين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.[١]

الوصية بتقوى الله

عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله -عز وجل- في السر والعلن، فتقوى الله فوزٌ لنا في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فقد قال الله -تعالى- في كتابه العزيز: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).[٢]

الخطبة الأولى

أيها الإخوة في الله، حديثنا اليوم عن خلق عظيم، اتصّف به سيد المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم-، ألا وهو الوفاء بالعقود والعهود، وقد جاءت نصوص الشرع حاثّة عليه، قال الله -سبحانه وتعالى- في محكم التنزيل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)،[٣] وأمرنا -جل في علاه- بالوفاء بالعهود حيث قال: (وَأَوفوا بِالعَهدِ إِنَّ العَهدَ كانَ مَسئولًا).[٤]

أيها الإخوة الأكارم، الوفاء بالعقود والعهود أي إكمالها وإتمامها، وهذا شامل للعهد الذي بين العبد وربه، الذي ويكون بطاعته وعدم الإشراك به، وبين العبد ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يكون باتباع أوامره، والتمسك بسنته، وعقود الناس بعضهم مع بعض في البيع والشراء والزواج وغير ذلك.[٥]

أيها الإخوة الأفاضل، لقد ضرب لنا رسولنا الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثلة في الوفاء بالعقود والعهود، فعن أبي رافع -رضي الله عنه- قال: بعثتني قريشٌ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ،فلمَّا رأيتُه -عليه الصلاة والسلام- ألقيَ في قلبيَ الإسلامُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ إنِّي واللَّهِ لاَ أرجعُ إليْهم أبدًا.

فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إنِّي لاَ أخيسُ بالعَهدِ، ولاَ أحبسُ البردَ، ولَكنِ ارجع فإن كانَ في نفسِكَ الَّذي في نفسِكَ الآنَ فارجع. قالَ: فذَهبتُ ثمَّ أتيتُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فأسلمت)،[٦] فقول النبي -صلى الله عليه وسلم- "إنِّي لا أَخِيسُ بالعَهْدِ"، أي: لا أَنقض العَهد ولا أُفسده، فهذا دليل على أن حفظ العهد والوفاء به من صفاته -صلى الله عليه وسلم- حتى وإن كان مع المشركين.[٧]

وقد ثبت في الحديث الصحيح عن عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من كان بينَه وبين قومٍ عهدٌ، فلا يشدُّ عقدةً ولا يحلَّها، حتَّى ينقضيَ أمدُها أو ينبذَ إليهم على سواءٍ)،[٨] فقول النبي -صلى الله عليه وسلم- "فلا يشدُّ عقدةً ولا يحلَّها"؛ أي لا يتصرف تصرفًا يخالف العقد، وقوله "حتَّى ينقضيَ أمدُها أو ينبذَ إليهم على سواءٍ"؛ أي ينتهي مدة العقد، أو يبلغهم أن الصلح قد انتقض وارتفع وأنه يريد غزوهم.[٩]

معاشر المسلمين، لقد سار الصحابة -رضي الله عنهم- على هذا الخلق العظيم من الوفاء بالعقود والعهود، فلماّ تُوفّي النبي -صلى الله عليه وسلم- قال أبو بكر للصحابة -رضي الله عنهم-: "من كان له عِدَةٌ عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو دَيْنٌ فليأتِني".

قال جابرٌ-رضي الله عنه-: فأتيتُه فقلتُ: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لي: (لو قد جاء مالُ البحرَين أعطيتُك هكذا وهكذا وهكذا، فلم يجِئ مالُ البحرَيْن حتى قُبِض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: فحثَا لي أبو بكر من مال البحرَيْن لما جاءه حثيةً فعدَدتُها، فإذا هي خمس مائة، فقال لي: خُذ مثلَيْها)،[١٠] فالحديث الشريف أيها الأحبة يدل على حسن خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وإنفاذه لوعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته،[١١]

أيها المسلمون، لقد رتب الله -سبحانه وتعالى- على الوفاء بالعقود والعهود ثمرات عديدة، منها: حصول الأجر العظيم، فقد وعد الله -سبحانه وتعالى- الموفين بعهودهم بالجزاء العظيم، قال -تعالى-: (إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّـهَ يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّـهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).[١٢][١٣]

وثاني هذه الثمرات دخول الجنة، فقد وعد الله -تعالى- من أوفى بعهده والتزم ميثاقه بدخول الجنة، قال -جل في علاه- في محكم التنزيل: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)،[١٤] قال ابن جرير: "وعهده إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة".[١٣]

وثالث هذه الثمرات هو التقوى، فإن الوفاء بالعهد من صفات المتقين، قال الله -سبحانه وتعالى- في كتابه العزيز: (بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)،[١٥][١٣] فاللهم اجعلنا من الموفين بعهودنا يا أرحم الراحمين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، اتّقوا الله -عباد الله- حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.[١٦]

عباد الله، فلنحذر من نقض العهود، قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَلا تَشتَروا بِعَهدِ اللَّـهِ ثَمَنًا قَليلًا إِنَّما عِندَ اللَّـهِ هُوَ خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمونَ)،[١٧] وقد حذرّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- من نقض العهود وعدم الوفاء بها، وجعلها علامة من علامات النفاق، فعن أبي هريرة -رضي الله عنها- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (آيةُ المُنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائتُمِنَ خانَ).[١٨]

وقد ثبت في الحديث الصحيح عن بريدة بن حصيب الأسلمي -رضي الله عنه- قال: "كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا علَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ في خَاصَّتِهِ بتَقْوَى اللهِ، وَمَن معهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا"، ثُمَّ قالَ: (اغْزُوا باسْمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَن كَفَرَ باللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وإذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إلى ثَلَاثِ خِصَالٍ، أَوْ خِلَالٍ، فأيَّتُهُنَّ ما أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ منهمْ، وَكُفَّ عنْهمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلى الإسْلَامِ).[١٩]

حيث أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- أمراء الجيوش قبل الغزو بأن لا يغدروا؛ أي لا ينقضوا العهد،[٢٠]أيها الأحبة في الله، إن من أخطر أنواع نقض العهد، نقض العهد مع الله -عز وجل-.

قال الله -تعالى- في كتابه العزيز: (وَالَّذينَ يَنقُضونَ عَهدَ اللَّـهِ مِن بَعدِ ميثاقِهِ وَيَقطَعونَ ما أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ أَن يوصَلَ وَيُفسِدونَ فِي الأَرضِ أُولـئِكَ لَهُمُ اللَّعنَةُ وَلَهُم سوءُ الدّارِ)،[٢١] وقال -سبحانه وتعالى-: (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّـهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).[٢٢]

الدعاء

إخوتي في الله، ادعوا الله وأنتم موقنين بالإجابة:

  • (اللهمَّ اهدِنا فيمَن هدَيت، وعافِنا فيمَن عافيت وتولَّنا فيمَن تولَّيت، وباركْ لنا فيما أعطيت، وقِنا شرَّ ما قضيت، إنك تَقضي ولا يُقضى عليكَ، إنه لا يَذِلُّ مَن والَيت، ولا يَعزُّ مَن عاديت، تباركت ربَّنا وتعالَيت يا ذا الجلال والإكرام).[٢٣]
  • (اللَّهمَّ آتِنا في الدُّنيا حسَنةً، و في الآخرةِ حَسنةً، و قِنَا عذابَ النَّار).[٢٤]
  • (اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الثَّباتَ في الأمرِ والعزيمةَ على الرُّشدِ وأسألُكَ شُكرَ نعمتِكَ وحُسنَ عبادتِكَ وأسألُكَ قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا وأسألُكَ من خيرِ ما تَعلمُ وأعوذُ بِكَ من شرِّ ما تعلَمُ وأستغفرُكَ لما تعلَم).[٢٥]
  • اللهم اجعلنا من الموفين بالعهود والعقود، واحشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
  • اللهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
  • اللهم بارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
  • اللهم اجعلنا شاكرين لنعمك مثنين بها عليك، قابلين لها وأتممها علينا يا أرحم الراحمين.
  • اللهم أعنا على الوفاء بالعقود والعهود، ولا تجعلنا من المخلفين لعهودهم.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

المراجع[+]

  1. ابن عثيمين (1988)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 547، جزء 7. بتصرّف.
  2. سورة أل عمران، آية:102
  3. سورة المائدة، آية:1
  4. سورة الإسراء، آية:34
  5. محمد حجازي، التفسير الواضح (الطبعة 10)، بيروت:دار الجيل الجديد، صفحة 474، جزء 1. بتصرّف.
  6. رواه الألباني، في سنن أبي داود، عن أبي رافع، الصفحة أو الرقم:2758، حدبث صحيح.
  7. الطيبي، شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (الطبعة 1)، الرياض:مكتبة نزار مصطفى الباز، صفحة 2753، جزء 3.
  8. رواه الألباني، في سنن أبي داود، عن عمرو بن عبسة، الصفحة أو الرقم:2759، حديث صحيح.
  9. البغوي (1983)، شرح السنة (الطبعة 2)، بيروت:المكتب الإسلامي، صفحة 166، جزء 11.
  10. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن جابر بن عبدالله، الصفحة أو الرقم:3164، حديث صحيح.
  11. مجموعة من المؤلفين، خطب المسجد النبوي، صفحة 4. بتصرّف.
  12. سورة الفتح، آية:10
  13. ^ أ ب ت مجموعة من المؤلفين، موسوعة الأخلاق الإسلامية، صفحة 100. بتصرّف.
  14. سورة البقرة، آية:40
  15. سورة آل عمران، آية:76
  16. مجموعة من المؤلفين، خطب المسجد النبوي، صفحة 4.
  17. سورة النحل، آية:95
  18. رواه الألباني، في سنن الترمذي، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2631، حديث صحيح.
  19. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن بريدة بن حصيب الأسلمي، الصفحة أو الرقم:1731، صحيح.
  20. ابن عثيمين، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، صفحة 1068، جزء 10.
  21. سورة الرعد، آية:25
  22. سورة البقرة، آية:27
  23. رواه الألباني، في سنن الترمذي، عن الحسن بن علي، الصفحة أو الرقم:464، صحيح.
  24. رواه الألباني، في صحيح الجامع الصغير وزيادته، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:3597، حدبث صحيح.
  25. رواه الألباني، في مشكاة المصابيح، عن شداد بن أوس، الصفحة أو الرقم:915، صحيح لغيره.

16 مشاهدة