خطبة عن الشباب عماد الأمة

خطبة عن الشباب عماد الأمة
خطبة عن الشباب عماد الأمة

مقدمة الخطبة

الحمد لله الذي أعز الإسلام بشباب هذه الأمة، فجعل منهم القادة والفاتحين والعلماء، حملوا رايات الإسلام مشرقاً ومغرباً، وفتح الله بهم القلوب المقفلة، وأنار بهم العيون المظلمة، وأشهد أن لا إله إلا الله، الذي سخّر لنا من أنفسنا بنين وحفدة، تقرّ بهم العيون، وترتاح إليهم النفوس، وتحيى بهم الأمم وترتفع، وتزدهر البلاد وتنتفع، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، الذي أوصى بالشباب خيراً، ورفع لهم قدراً، وشدّ لهم أزراً.[١]

الوصية بتقوى الله

معشر المسلمين، أوصيكم ونفسي المقصرِّة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأحذِّركم ونفسي عن مخالفة أمره، قال -سبحانه وتعالى- في كتابه: (وَأَنَّ هـذا صِراطي مُستَقيمًا فَاتَّبِعوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبيلِهِ ذلِكُم وَصّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقونَ).[٢]

الخطبة الأولى

معاشر المسلمين، لقد اهتمّ الإسلام بالشباب، ومنحهم الرعاية، فأثنى الله -تعالى- في القرءآ الكريم على الشباب، ونوّه إلى ذكرهم، ووصفهم بوصف الشباب، من أجل أن يدلّل على قيمة هذه المرحلة الجميلة من عمر الإنسان، فقال الله -تعالى- عن الفتية الذين دخلوا الكهف هروبا بدينهم، وخوفا على إيمانهم، فقال الله -تعالى-: (نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُم بِالحَقِّ إِنَّهُم فِتيَةٌ آمَنوا بِرَبِّهِم وَزِدناهُم هُدًى).[٣]

وحافظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الشباب، وخشي عليهم الانحراف، وخاف عليهم أن يقعوا في المعاصي، فقال: (يَا ‌مَعْشَرَ ‌الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ)،[٤] فأوصاهم بما يحفظ لهم دينهم، وييسّر لهم معاشهم ودنياهم.

إن الله تعالى جعل بالشباب ما لم يجعله بالشيوخ، حيث الطاقة والقوة والاندفاع، وحيث الهمة العالية، والعمل الدؤوب، وإن صروح هذا الدين بُنيت ورُفعت مناراته على أكتاف الشباب، حيث بهمتهم ارتفع الإسلام، وفتحت البلدان.[٥]

وتوسعت الأقطار، وبنيت المساجد، فصدحت بالأذان، وانتشر القرآن على ألسنة القارئين والمجوّدين حتى عمّ الخير وانتشر، وقوي الإسلام واشتهر، وذهب الظلام واندحر، فالحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله ما أقبل النهار وأدبر.[٥]

معاشر المسلمين، عندما يكون الشاب بكامل طاقته وقوته، ثم تراه ساجداً وراكعاً وصائماً ومطيعاً لربه، تاركاً لشهوات نفسه، ومجاهداً لفتن كقطع الليل المظلم، فهذا هو النصر العظيم، إن الطاعة والانقياد لله تعالى في زمن الشباب من أعجب العجب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ ‌لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ ‌صَبْوَةٌ).[٦]

ومن أجل ذلك جعل الله الشاب المعرِض عن المعصية في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ ‌يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ).[٧]

معاشر المسلمين، إن لفترة الشباب، وعمر الشباب منزلة عند الله -تعالى- ولهذه الفترة حساب خاصّ، ومختلف عن غيره من فترات العمر، حيث قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَلاَ تزولُ قدَمُ ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ من عندِ ربِّهِ حتَّى يسألَ عن خمسٍ: عن عمرِهِ فيمَ أفناهُ، وعن شبابِهِ فيما أبلاَهُ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وماذا عملَ فيما علِمَ).[٨]

ماذا سنجيب ربنا إن وقفنا بين يديه وسألنا عن هذه المرحلة؟ هل سنجيبه كما سوف يجيبه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر أصحاب نبينا -صلى الله عليه وسلم-؟ هل سنجد في كتابنا وحسابنا تلاوة وصلاة وصياماً وجهاداً، أم ماذا نحن واجدون في دواوين الحساب يوم القيامة.[٩]

معاشر المسلمين، إن الشباب عماد الأمة، فكيف حالنا إذا زال هذا العماد؟ وكيف إذا انحرف ومال هذا العماد عن مكانه؟ حتما ستميل معه الأمة بأكملها، فهو كالبناء القائم إذا انحرف عموده،يميناً أو شمالاً؛ انحرف البناء بأكمله عن مساره، أو تصدّع، أو انهدم، فلا قرار له، ومن أجل ألا ينهدم هذا الصرح الشامخ، ومن أجل ألا ينصدع وتزول أركانه، ينبغي على المصلحين والمربين من أبناء هذه الأمة أن يمنعوا هذا الانهدام.

وينبغي على المصلحين من علماء هذه الأمة أن يرشدوا الشباب إلى الطريق المستقيم بكل طرق الرشاد والإرشاد، ولا يكون ذلك إلا بالتوعية المستمرة، والتثقيف والتعليم، فإن خسارة الشباب خسارة عظيمة جسيمة، فحذار حذار! أعيدوا الشباب إلى رشدهم، فإن الخطب جلل وعظيم.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ ‌اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا).[١٠]

معاشر المسلمين، لقد سادت بين شباب اليوم شتى أنواع الانحرافات والمعاصي، فانتشرت بينهم المعاصي صغيرها وكبيرها، وانحرف الشباب إلى شرب السكر، وتعاطي المخدرات، وغرقوا في التفاهات، وتعاظمت وتفاقمت المصائب، فأصبح الواحد من هؤلاء الشباب يمضي في حياته بدون ترتيب، وبلا أهداف، وبلا تخطيط ولا طموح، لا تعرف لهؤلاء الشباب طريقاً واضحاً، ولا هدفاً سامياً، ولا إرادة مستقلة، ولا هداية ولا قدوة.[١١]

تجد كثيراً من شباب المسلمين يسيرون ويمضون في دهاليز ومتاهات، لا يدرون من أين البداية، ولا يعلمون أين النهاية، فما مثلهم إلا كمثل السائر في دروب الضباب، لا يعرف ما وراءه، ولا يدرك ما أمامه، ولا يدري أين المنتهى، ودرب الله -تعالى- معلوم، واضح المعالم، لا يزيغ من اهتدى إليه، وإنما الزائغ هو الذي أعرض عنه.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ ‌تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ)،[١٢] فيا أيها المعلمون، يا أيها المربون، خذوا بأيديهم قبل فوات الأوان، وقبل أن تأتي ساعة لا تنفع فيها الندامة.[١٣]

الخطبة الثانية

معاشر المسلمين عامة، معاشر الشباب خاصة، إن أعداء الأمة الإسلامية لا ينامون ولا يتوقفون عن التخطيط لهدم هذا الدين، ونقض أركانه، وإن مداخلهم إلى هذا الحصن الحصين وإلى هذا الصرح الشامخ كثيرة من أهمّها وأكثرها خطورة هو مدخل الشباب، ولذا لا ينفكّ أعداء الله -تعالى- عن المحاولة من أجل هدم هذا الصرح الكبير، فإذا انهدم الشباب انهدمت هذه الأمة.[١٤]

معاشر المسلمين، إن الوقاية والعلاج والتحصن من هذه الهجمات المتتابعة على الإسلام والمسلمين لا تكون إلا بالتحصن بتعاليم الإسلام السمحة، وبالمحافظة على دين الله -تعالى-، وذلك لا يتمّ ولا يستقيم إلا بالرجوع إلى الله -تعالى- في كل أمورنا، واتخاذ الكتاب العزيز دستورنا، ولا بدّ من تربية الشباب المسلم على هذا النهج القويم، وعلى هذا الصراط المستقيم، وينبغي أن نردّهم إلى دين الله -تعالى- ردّا جميلا.

والواجب على كل من أوتي ولاية على شابّ من شباب المسلمين، أن يتقي الله -تعالى- فيه، ولا يتركه نهبا لكلّ ناهش، فليؤدّبه وليعلمه، فإن هذا الشابّ إحدى الأمانات بين يدي والديه، فينبغي أن يصونا هذه الأمانة، ولا يضيّعاها، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّكُمْ ‌رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ).[١٥][١٦]

الدعاء

  • اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات
  • اللهم اغفر لحيّنا، وميّتنا، وغائبنا، وشاهدنا، وذكرنا، وأنثانا.
  • اللهم ردّ شباب المسلمين إلى دينك ردّا جميلا.
  • اللهم وفق شباب المسلمين لما تحبّ من القول وترضى.
  • اللهم احفظ شبابنا، وشباب المسلمين أجمعين، واجعلهم هداة مهديين.
  • اللهمّ حبب القرآن الكريم إلى قلوبهم، وعلمهم منه ما جهلوا، وانفعهم بما حفظوا.
  • اللهم أبعد عن المسلمين شرور أعدائهم، واحفظهم بحفظك الذي لا يزول.
  • اللهم جنّبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وجنبنا مصارع السوء.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المراجع[+]

  1. ابن عثيمين (1408)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 626، جزء 8. بتصرّف.
  2. سورة الأنعام، آية:153
  3. سورة الكهف، آية:13
  4. رواه البخاري، في الصحيح، عن عثمان، الصفحة أو الرقم:5065، صحيح.
  5. ^ أ ب السيد طه أحمد (20/3/1436)، "الشباب أمل الأمة وسر نهضتها"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 6/10/2021. بتصرّف.
  6. رواه أحمد، في المسند، عن عقبة بن عامر، الصفحة أو الرقم:17371، حسن لغيره.
  7. رواه البخاري، في الصحيح، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:660، صحيح.
  8. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عبدالله بن مسعود، الصفحة أو الرقم:2416، صحيح.
  9. يوسف بن جمعة سلامة (1436/08/21)، "الشباب في الإسلام"، الخطباء، اطّلع عليه بتاريخ 6/10/2021. بتصرّف.
  10. رواه البخاري، في الصحيح، عن النعمان بن بشير، الصفحة أو الرقم:2493 ، صحيح.
  11. د. بدر عبد الحميد هميسه، "أيها الشباب احذروا"، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 6/10/2021.
  12. رواه ابن ماجه، في السنن، عن العرباض، الصفحة أو الرقم:43، صحيح.
  13. سليمان بن حمد العودة (1434)، شعاع من المحراب (الطبعة 2)، الرياض - المملكة العربية السعودية:دار المغني للنشر والتوزيع، صفحة 114، جزء 4. بتصرّف.
  14. محمد نصر الدين محمد عويضة، فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، صفحة 499، جزء 4. بتصرّف.
  15. رواه البخاري، في الصحيح، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم:2409، صحيح.
  16. محمد عبدالرحمن صادق (26/5/2021)، "الشباب لباب الأمة وعصبها"، طريق الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 6/10/2021. بتصرّف.

21 مشاهدة