خطبة عن المرأة بعد الإسلام

خطبة عن المرأة بعد الإسلام
خطبة عن المرأة بعد الإسلام

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين الذي خلق الخلق، فأعطى كلَّ واحدٍ منهم ما يستحقُّ، وجعل من سننه في خلقه سنَّة التَّفاوت والتَّباين والاختلاف، وأشهد أن لا إله إلَّا الله، الذي خلق الذَّكر والأنثى، وخصَّ كلَّ واحدٍ منهما بخصائص، وأوجب عليه واجباتٍ، وجعل لهم حقوقاً، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله، وهو الذي حرَّر المرأة من قيود العبوديَّة، وأعطاها حقَّها، وأوصى بها الرَّجل، وحثَّ على صلتها والرَّحمة بها.[١]

الوصية بتقوى الله

معشر المسلمين، أوصيكم ونفسي المقصّرة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأحذِّركم ونفسي عن مخالفة أمره، قال -سبحانه وتعالى- في كتابه: (وَأَنَّ هـذا صِراطي مُستَقيمًا فَاتَّبِعوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبيلِهِ ذلِكُم وَصّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقونَ).[٢]

الخطبة الأولى

معاشر المسلمين، إنَّ الإسلام قد كرّم المرأة وحرَّرها كما حرَّر الرَّجل من عبوديّة غيره -سبحانه-، ثمَّ حرَّرها من عبوديَّة الرَّجل الذي كان يظلمها، ولا يُعطيها حقَّا في مالٍ، ولا في اختيارٍ، ولا في زواجٍ، ولا في طلاقٍ، وقد أكَلَ الرّجل في الجاهلية حقوقها واستضعفها، وتسلّط على مهرها، ويزوّجها الوالد لمن يشاء دون الرُّجوع إلى اختيارها، ودون مشاورةٍ منها ولا رضا.

أما الإسلام فقد رفع من مكانها ومكانتها، وجعلها أُمَّا تُحْترم ويجب برَّها، وأختاً تُوصَل ويجب وصالها، وجعل الإساءة إليها من أعظم الإساءات، وجعل التعرُّض إلى ضعفها من أكبر المعاصي، وقد سأل الله -تعالى- فقال: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ[٣] فجعلها نقيَّةً عندما أثبت أنَّه لا ذنب لها عندما وُلدت، وأنَّ قتلها هو الذَّنب الأعظم.

وقد اهتمَّ الله -تعالى- بعلياء سمائه بالمرأة منذ ولادتها، فحرَّم وأدها، ثمَّ أوصى بها، وجعل لها الميراث، فترث كما الرَّجل يرث، وتأخذ حقوقاً مثلما يأخذ، وأوصى بحقِّها،[٤] معاشر المسلمين، إن الله -تعالى- قد أوْصى بالرفق بالمرأة، وأوصى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اسْتَوْصُوا ‌بِالنِّسَاءِ خَيْرًا).[٥]

وهذه وصيّة النبيّ الكريم بها، بل وصل الحدُّ إلى أنَّه أوصى خيراً برقَّتها ونعومتها، فقال: (رُوَيْدَكَ ‌بِالقَوَارِيرِ)،[٦] فقد شبّهها تشبيهاً ما سبق له كلّ مَن قبله، ولم يلحقه به من هو بعده، ومهما حاولوا أن يصفوا المرأة فلن نجد وصفاً أرقَّ من وصفها بالقوارير، فرفقاً ثمَّ رفقاً ثمَّ رفقاً.[٧]

لقد عظَّم الإسلام المرأة، ووهبها حقوقاً، في حين كانت في زمن الجاهليَّة مهانةً، وكانت مهانةً عند كثيرٍ من الأمم السابقة، وقد شهدت كثيرٌ من الحضارات القديمة ظلماً للمرأة واستضعافاً لها، وهضماً لحقوقها، وامتهاناً لكرامتها، بل بلغ الأمر أكثر من ذلك، إذ كانت في بعض العصور قبل الإسلام متاعاً يورّث من جملة متاع البيت.[٨]

أما حالها في الإسلام؛ فقد جعلها وارثةً لا موروثةً، وكريمة مكرّمة؛ أمّاً وزوجةً وأختا وابنةً ورَحِماً، وجعلها مكلَّفةً ومسؤولةً في الشّرع، لها حقوقها، وعليها واجباتها والتزاماتها، وهي راعيةٌ ومسؤولةٌ عن رعيّتها،[٨] قال الله -تعالى-: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا).[٩]

عباد الله، أيُّ مكانةٍ تلك التي نالتها المرأة كما في الإسلام؟ فمِن يوم ولادتها تُذبح عنها العقيقة، وقد حثّ الإسلام على تربيتها تربيةً حسنةً صالحةً؛ لتنشأ على الخُلُق وتتربَّى على الفضيلة، ولم يتركها بلا رعايةٍ ولا اهتمامٍ، بل خصّها بالوصيّة تكريماً لها، وتأكيداً على حسن تربيتها.

وفي هذا يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ عَالَ ‌جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ)،[١٠] وقال: (مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، فَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ ‌وَكَسَاهُنَّ ‌مِنْ ‌جِدَّتِهِ، كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ).[١١][١٢]

وقد عظم الله -تعالى- حقّ المرأة زوجة، فأمر بالإحسان إليها، وأمر الزوج بحسن معاشرة زوجته، وجعل للمرأة كثيراً من الحقوق على زوجها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (خيارُكم خيارُكم لنسائِه).[١٣] وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرفق الناس بزوجاته، فكان يلاطفهنّ، ويدللهنّ، ويصبر على غيرتهنّ.[١٤]

ثمَّ بعد أنْ أصبحت أُمَّا؛ أمر ببرّها، وجعل الجنَّة تحت أقدامها، يا الله! الجنة التي عرضها عرض السَّماوات والأرض تكون تحت قدميها، فقد جاء رجلٌ يريد الجهاد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له النبيّ الكريم: (وَيْحَكَ، ‌الْزَمْ ‌رِجْلَهَا، فَثَمَّ الْجَنَّةُ).[١٥][٨]

معاشر المسلمين، الحذر ثمَّ الحذر من بعض الأفكار الغريبة التي انتشرت في مجتمعاتنا الإسلامية، فإن كثيرا من الأفكار غير الشرعية تعمل على تدمير الحياة الاجتماعيَّة في بلاد المسلمين، ومن تلك الأفكار تفريغ البيت المسلم من دور الأمّ، وصرفها عن العناية بأسرتها، فينبغي أن لا يخلو البيت من الأمِّ المربية والأم الحنون، وأن لا تكلف الأمّ من العمل ما لا تطيقه؛ كي تستطيع القيام بتربية أولادها التربية الحسنة.

وكثيرٌ من هذه الأفكار كفيلة بدمار المجتمع المسلم؛ لأن فساد النساء فساد للمجتمعات، فينبغي صيانة المرأة من الزلل، والحرص على بناء مجتمع مسلم تكون المرأة فيه نعم الشريك، فتنأى بنفسها عن أماكن الفساد، لأن الصلاح في حياة المرأة يؤدي إلى الصلاح في منهج الأسرة، وصلاح منهج الأسرة يؤدي إلى صلاح المجتمعات والأمم.[١٦]

فاحذري يا أختي، وتصفَّحي التاريخ، وانظري كيف كانت المرأة في عهد ما قبل الإسلام وفي كلِّ الحضارات التي سبقت الإسلام، والحضارات التي عاصرته، ثمَّ انظري إلى ما جعله الإسلام للمرأة، من الوصيّة بها والتركيز على إعطائها ما تستحقّ من الحقوق.

وذلك حتى ندرك أن الإسلام ليس عدواً للمرأة، فلو كان كذلك لاستمرَّ على المعتقدات القديمة، ووافقها على استضعاف المرأة وظلمها، ولكنَّه جاء ليحررها، ويخلصها من ظلمها، أليس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو القائل: (إنَّما النِّساءُ ‌شَقائِقُ الرِّجالِ).[١٧]

بل وقد خصَّص الله تعالى- سورةً طويلةً من سور القرآن الكريم، وأعطاها اسم سورة النساء، وما ذلك إلَّا تكريماً للمرأة، وإعلاءً لشأنها، ورفعةً لها، أمَّا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ينسَ أن يذكر المرأة في أعظم يومٍ من أيَّام السَّنة كاملةً، وفي أعظم الأمكنة، وفي أعظم الأشهر، وفي أعظم المناسك.

لقد خطب الرسول -صلى الله عليه وسلم- في عرفات في موسم الحجّ، وذكَّر الناس في ذلك الموقف العظيم المهيب بحقوق المرأة، وأمر بحسن الوصاية بها، فقال: (فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ ‌أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ).[١٨]

معاشر المسلمين، إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أوصى بالمرأة خيراً حتى آخر نفسٍ في حياته، ولم ينسَ الوصاية بها في المحافل والاجتماعات، والمناسبات صغيرة وكبيرة، حتى أنّه وصَّى بها وهو على فراش الموت.

إذْ كانت الوصاية على المرأة آخر كلامه -صلى الله عليه وسلم-، فقال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ ‌الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ)،[١٩] فإذا كانت المرأة على خاطره وهو في نزعات الموت، فكيف ينساها وهو في حياته سليماً معافىً، فهل في النَّاس من يتفكَّر؟ وهل فيهم من يتدبَّر؟![٢٠]

الخطبة الثانية

معاشر المسلمين، إنَّ دين الإسلام قائمٌ على الاحترام والتَّعاطف والرَّحمة والتَّسامح، فالكبير يعطف على الصَّغير، والرَّجل على المرأة، والجار على جاره، والقريب على أرحامه، ولو تتبّعتم تعاليم الإسلام؛ لوجدتم ذلك جلياً فيه، فالإسلام فيه صلة الرَّحم، وبر الوالدين، وحقوق الجار، وغير ذلك، وفي هذا السِّياق، يكون العطف والرَّحمة والإنصاف بالمرأة.

وقد أراد المنافقون أن يَدخلوا إلى الإسلام من إحدى ثغراته الحصينة، فإذا استطاعوا أن يخرقوا هذا الخرق، وأن يجعلوا لهم هُوّة في هذا الجدار، وهو المرأة المسلمة العفيفة، فإنَّ النَّتيجة هي انهيار المجتمع المسلم من الدَّاخل، ثمَّ تأتي البقيَّة، فإذا انهارت قيمة المرأة، وذهب دورها في الحياة؛ أصبح الإسلام هشَّاً قابلاً للانهيار؛ لأنَّ المرأة هي صمَّام الأمان للأسرة والمجتمعات الإسلاميَّة.[٢١]

الدعاء 

  • اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً، (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).[٢٢]
  • اللهمَّ احم أعراض المسلمين من الضَّياع، واحمِ بنات المسلمين من شرِّ الأتباع.
  • اللهمَّ جمِّل نساءنا بالحجاب، وجمِّل شبابنا بالوقار، واجعلهم هداةً مهديين يا ربّ العالمين.
  • اللهمَّ فرِّج همَّ المهمومين، ونفِّس كرب المكروبين يا كريم.
  • اللهمَّ اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، يا ربَّ العالمين.
  • اللهمَّ اغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهمَّ ضاعف حسناتهم وتجاوز عن سيّئاتهم يا أرحم الراحمين.
  • اللهمَّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وانصر كلمة الحقّ والدين يا ربّ العالمين.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المراجع[+]

  1. ابن عثيمين (1408)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 429، جزء 2. بتصرّف.
  2. سورة الأنعام، آية:153
  3. سورة التكوير، آية:8
  4. "النساء في الإسلام "، طريق الإسلام ، 16/6/2003، اطّلع عليه بتاريخ 5/10/2021. بتصرّف.
  5. رواه مسلم، في الصحيح، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:1468، صحيح.
  6. رواه البخاري، في الصحيح، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:6161، صحيح.
  7. محمد الأمين الهرري (1430)، الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج (الطبعة 1)، صفحة 148، جزء 23. بتصرّف.
  8. ^ أ ب ت "المرأة عندما كرمها الإسلام "، طريق الإسلام، 3/9/2013، اطّلع عليه بتاريخ 5/10/2021. بتصرّف.
  9. سورة النساء، آية:124
  10. رواه مسلم، في الصحيح، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:2631، صحيح.
  11. رواه أحمد، في المسند، عن عقبة بن عامر الجهني، الصفحة أو الرقم:17403، صحيح.
  12. د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة، الرياض :مطبعة سفير ومؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، صفحة 48. بتصرّف.
  13. رواه الترمذي، في سنن الترمذي ، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:1162، إسناده صحيح.
  14. د. أمينة نايت سي (14/6/1438)، "منهج تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع المرأة "، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 21/12/2021. بتصرّف.
  15. رواه ابن ماجه، في السنن، عن معاوية بن جاهمة، الصفحة أو الرقم:2781، صحيح.
  16. "تكريم الإسلام للمرأة"، الموقع الرسمي لمعالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، اطّلع عليه بتاريخ 5/10/2021. بتصرّف.
  17. رواه أبو داود، في السنن، عن عائشة، الصفحة أو الرقم:236، حسن لغيره.
  18. رواه مسلم، في الصحيح، عن جابر بن عبدالله، الصفحة أو الرقم:1218، صحيح.
  19. رواه ابن ماجه، في السنن، عن ابي هريرة، الصفحة أو الرقم:3678، حسن.
  20. يحيى بن موسى الزهراني، "حقوق المرأة "، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 5/10/2021. بتصرّف.
  21. د. سعود بن غندور الميموني (6/8/1439)، "خطبة عن تكريم المرأة في الإسلام مقالات متعلقة "، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 5/10/2021. بتصرّف.
  22. سورة البقرة، آية:32

5 مشاهدة