خطبة عن الشباب والفتن

خطبة عن الشباب والفتن
خطبة عن الشباب والفتن

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الحمد لله الذي خلق الإنسان ثم صوره، وألهمه الرشد وعلّمه، وحماه من الضلالة، ويسّر السبيل له، وبالرسل الكرام أوضح له المسالك، فوقاه من الزلة والمهالك.

وأشهد أن لا إله إلا الله، خالق الصبح والإبصار، جاعل الناس إما إلى الجنة وإما إلى النار، الذي خلق الموت والحياة فتنة، ليعلم من يهتدي، ويعلم من هو في ضلال مبين، ثم أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي أوصى بالشباب خيرًا، وجعل لهم حقوقًا، وجعل عليهم واجبات، وأعلى من شأنهم، وزكى أنفسهم واحترم فتوّتهم، وحذّرهم وأرشدهم ووقّرهم، وأرشد الناس إلى توقيرهم واحترامهم.[١]

الوصية بتقوى الله

معاشر المسلمين، أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأحذّركم وإياها من مخالفة أمره والخروج عن سبيله، فاتّقوا الله حق التقوى، واعبدوه حقّ العبادة، فمن التزم الطريق الرشيد فاز وأفلح، ومن ضلّ عن الطريق فالنار هي العقبى، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).[٢][٣]

الخطبة الأولى

معاشر المسلمين، إن الشباب عمود الأمة، وحملة رايتها، وشعلة أملها، والوميض الذي ينير دروبها، إن الشباب على مرّ التاريخ كان منهم القادة والسادة، والعلماء والشعراء والأدباء، ومنهم أصحاب الرأي، وكم من شابٍ ساد في شبابه، وقاد في مقتبل العمر الجيوش وانتصر.

وإنا نرى هؤلاء الشباب هم من يحمل العلم وينشره، وهم من يتولى الجمعيات والمؤسسات الخيرية ويدعمها، إن نفس الشاب الحية الغضة الطرية المندفعة القوية يجب أن توجه إلى أعمال الخير، ويجب أن ينتبه إليها المصلحون، والأمة تحتاج إلى هذه الفتوة وهذه القوة من أجل بناء المجتمعات.[٤]

معاشر المسلمين، إن كثيرًا من شبابنا وشاباتنا تختلط عليه المعالم، ولا تتضح له السبل، ولا تنجلي له الحقائق، لا سيما في هذا الزمن الذي اختلطت فيه الأمور، ولم تتبين فيه المسالك والدروب، فقد كثرت الشبهات واستفحلت، وتداخل الخير في الشر، ولم تتضح سبل الهداية في كثير من الأمور، والذي يحتاجه شباب هذه الأمة أن يعرفوا إلى أين يذهبون، وفي أي طريق من الطرق يسيرون.

ولا بدّ لهم من الرجوع إلى كتاب الله العظيم، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، والتمسك بالعلم، والنظر في كتب العلماء، والاسترشاد بنصائحهم، فإن هذا الزمن غدار خداع، تشتبه فيه الأمور، ولا بد من تجليتها وتوضيحها، قال الله -تعالى-: (وَأَنَّ هـذا صِراطي مُستَقيمًا فَاتَّبِعوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبيلِهِ ذلِكُم وَصّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقونَ).[٥][٦] 

معاشر المسلمين، إن بعض الشباب من أبناء أمّتنا لم ينجح في تجاوز الفتن، وانساق في ظلماتها ووقع في فخّ الانحلال، فدخلت الفتن في قلوبهم، وتشرّبت الشبهات في عقولهم، وتمكّنت الشهوات من نفوسهم، فانجرفوا في سيل جارف من الملذّات والفتن والشهوات، ولم يصبروا على مصاعب الطريق ومصائبه.، فانخدعوا بما أفرزته الحياة المعاصرة من ملذات وشهوات، واتبعوا غير السبيل.

ولا تجد العديد منهم إلا عاكفين على ما لا ينفعهم في دينهم، ولا في دنياهم، متسمّرين أمام الشاشات ليل نهار، لا يملّون ولا يكلّون، وقد تشبّعت ثقافاتهم بكل الثقافات، وأخذوا أفكارهم من كل الجهات، حتى فقدوا التميز المطلوب منهم، واتبعوا سبيل غير الراشدين. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ ‌يُمْسِي ‌مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا).[٧][٤]

معاشر المسلمين، لما خلق الله -تعالى- النفس البشرية جعل فيها شهوات ونزوات، فالنفس تميل الى هذه الشهوات بالغريزة والطبع، قال الله -تعالى-: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ).[٨]

وإن الشباب هم أكثر إحساسًا وإرهافًا لهذه الشهوات؛ وذلك لقوة داعي الغرائز في نفوسهم، وقلة الخبرة والتجارب في الحياة، ومن أجل ذلك نلاحظ سرعة تهافت الشباب على هذه الشهوات، وانسياقهم إلى هذه الملذات، ولا يهتمّ واحدهم أكان ذلك من حلال أو من حرام.

عباد الله، إن المتّبع لغريزته والمُعرِض عن أمر ربه إذا لم يستعمل عقله للهداية، وإذا لم يستمع لموعظة ربه، يتحقق فيه قول الله -تعالى-: (إِنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِندَ اللَّـهِ الصُّمُّ البُكمُ الَّذينَ لا يَعقِلونَ)،[٩] ونخشى إن تمادى الأمر في شبابنا أن يصيبهم قول الله -تعالى-: (وَمِنهُم مَن يَستَمِعونَ إِلَيكَ أَفَأَنتَ تُسمِعُ الصُّمَّ وَلَو كانوا لا يَعقِلونَ).[١٠][١١]

إنّ ما يتعرض له الشباب من استهداف خارجي وداخلي في مخاطبة شهواتهم،مع ما توفر لهم من وسائل الترفيه المباح وغير المباح، وسهولة الوصول إلى هذه الوسائل وتوفّرها بأسعار زهيدة أو بدون ثمن، مع انشغال الأهل؛ آباء وأمهات عن القيام بواجب التربية والتوجيه.

بالإضافة إلى عدم نشاط المصلحين في التوعية والتربية، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كل ذلك كان سببًا في خسارة كثير من شبابنا، وضياعهم وانحرافهم وراء الملذات، وتركهم الهدف الذي من أجله خُلقوا، وهو عبادة الله -تعالى-، وتحقيق مراد الله في أرض الله.

إخواني في الله، يجب علينا أن نعيد النظر في هذه الأزمة المتلفة للعقول، والملتفّة حول الأعناق، إن لم نتدارك الشباب، فإن المجتمعات ستتردى في أسفل سافلين، وهذا واجب المصلحين والمربين أن يدقوا ناقوس الخطر؛ لأن الله -تعالى- يقول: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).[١٢][١١] 

معاشر المسلمين، إن شبابنا لا يملكون الخبرات الكافية لمعرفة حقيقة ما هم عليه، وليس الخطر في انسياقهم في الشهوات فحسب، بل هناك خطر - لعلّه- أوجع من هذا، وهو أن الشباب لا يدركون الخطر المحدّق بهم، ولا يعرفون إلى أي هوّةٍ وإلى أي قعر هم هابطون، ولا يدرك الشباب حق الإدراك بمخططات الأعداء لهذه الأمة، لأن السمّ يدسّ في الدسم، ولأن العمى يأتي من الضوء الساطع والانبهار به.

إن شبابنا غارقون في الإعجاب بالثقافات التي تتضمّن أفكاراً باطلة، مسترسلين في محبتها وتقليدها، فتجد الواحد منهم منخرطًا في تقليدها دون وعي ولا رشاد ولا بصيرة، ثمّ استغرب شبابنا حتى وصل إلى قعر الضياع ليصدق فيهم قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَتَتَّبِعُنَّ ‌سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ).[١٣]

ونقول للشباب الملتزمين: استمرّوا، فإن الطريق مليء بالشبهات والشهوات، واحذروا المنكّسين والمخذلين، فإن الأمر يحتاج إلى شجاعة ورباطة جأش، وتمسكوا بالعلوم الشرعية وأكثروا من التزود من علوم الوحي، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا ‌لَنْ ‌تَضِلُّوا ‌بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ).[١٤][١٥]

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، ثم الصلاة على النبي المصطفى، الذي أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح شباب هذه الأمة خير النصيحة، فكان خير من نصح لعوام الأمة وخاصتهم، لشيبهم وشبابهم، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، وبعد.

معاشر المسلمين، لن أجعل الصفحات كلها سوداء، ولن أذكر المساوئ متجاهلا محاسن الشباب، ومتجاهلا ما نراه وما نشهده في أيامنا هذه من رجوع الشباب إلى دين الله -تعالى-، وإلى المسير على خطى أسلافهم من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم-.

أيها الشباب، نعلم أن العاطفة تغلب الشباب وتسيطر عليهم في كثير من المواقف، ويتسابق كثير من الشباب وراء اندفاعاتهم، وهذا الاندفاع يضعف الإتقان في العمل، فلا تتبعوا عواطفكم، ولا تسيروا خلف رغباتكم وشهواتكم.

وإن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما أنكر وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقف أمامه أبو بكر، فقال: (أَلا ‌مَنْ ‌كَانَ ‌يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، ‌وَمَنْ ‌كَانَ ‌يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ)،[١٦] فعندها وقف عمر عن حديثه، وتراجع عما كان يقول، وكان وقّافا عند حدود الله.

فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يرجع عن عاطفته، ويرجع إلى العقل، وإلى الحق، فلا تغلبنّكم العاطفة، وكونوا كأبي بكر، وإن غلبتكم فارجعوا كما رجع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، تفلحوا وتنتصروا، وتحقّقوا مرادكم ومراد الله فيكم.[١٧]

الدعاء

  • اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
  • اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا، وحاضرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، يا رب العالمين.
  • اللهم اهد شباب المسلمين، واحفظهم من الضياع، وردّهم إلى دينك ردّاً جميلًا.
  • اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
  • اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المراجع[+]

  1. مجموعة من المؤلفين، خطب المسجد الحرام، صفحة 24. بتصرّف.
  2. سورة آل عمران، آية:102
  3. ابن عثيمين (1408)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 626، جزء 8. بتصرّف.
  4. ^ أ ب سليمان بن حمد العودة (1434)، شعاع من المحراب (الطبعة 2)، الرياض - المملكة العربية السعودية :دار المغني للنشر والتوزيع، صفحة 68، جزء 11. بتصرّف.
  5. سورة الأنعام، آية:153
  6. مجموعة من المؤلفين، الأمة بين سنتي الابتلاء والعمل، صفحة 89. بتصرّف.
  7. رواه مسلم، في الصحيح، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:186، صحيح.
  8. سورة آل عمران، آية:14
  9. سورة الأنفال، آية:22
  10. سورة يونس، آية:42
  11. ^ أ ب عبدالله بن محمد البصري (11/81432)، "الشباب في أزمة فمن ينقذهم"، قصة الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 17/10/2021. بتصرّف.
  12. سورة آل عمران، آية:104
  13. رواه البخاري، في الصحيح، عن أبي سعيد، الصفحة أو الرقم:3456 ، صحيح.
  14. رواه مسلم، في الصحيح، عن جابر بن عبدالله، الصفحة أو الرقم:1218، صحيح.
  15. حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ (13/4/1437)، "وصايا مهمة لشباب الأمة"، ملتقى الخطباء، اطّلع عليه بتاريخ 17/10/2021. بتصرّف.
  16. رواه البخاري، في الصحيح، عن عائشة، الصفحة أو الرقم:3668، صحيح.
  17. عادل بن محمد العالي (18/1/2021)، "الشباب والفتن المعاصرة الشباب والتقليد والسعادة والبطالة"، طريق الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 17/10/2021. بتصرّف.

20 مشاهدة