خطبة عن التوبة وفضائلها وأثرها على الفرد والمجتمع

خطبة عن التوبة وفضائلها وأثرها على الفرد والمجتمع
خطبة عن التوبة وفضائلها وأثرها على الفرد والمجتمع

مقدمة الخطبة

الحمد لله الملك الوهاب الرحيم التواب، الذي خلق الناس كلهم من تراب، وهيّأهم لما يكلفون به بما أعطاهم من الألباب، الحمد لله الذي فتح لعباده المُذنبين باب التوبة، ووعدهم بالمغفرة لمن تاب وأناب، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بلا شك ولا ارتياب، وأن محمدًا عبده ورسوله الذي أنزل عليه الكتاب، تبصرة وذكرى لأولي الألباب، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآب وسلم تسليمًا.[١]

الوصية بتقوى الله

عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، وتوبوا إليه فهو يحب التوابين والمُتقين، واستغفروه من الذنوب فهو خير الغافرين، وأُحذّركم ونفسي من مُخالفته وعصيان أوامره، لقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).[٢]

ولقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّـهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّـهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).[٣][٤]

الخطبة الأولى

عباد الله، نتحدّث معكم اليوم -إن شاء الله- في هذا اليوم المُبارك عن التوبة، وفضائلها، وشُروطها، وما يتعلّق بها، واعلموا أن الله -تعالى- قد أَمَرَ عباده بالتوبة النصوح؛ وهي التوبة التي يُقلع صاحبها عن المعصية، ويندم على فعلها، ويعزم على عدم العودة إليها، فالتوبة ليست كلاماً يُقال باللّسان فقط، فيقول الإنسان: تُبتُ إلى الله، أو اللهم تُب عليّ، وهو مُصرٌ على معصيته.[٥]

ولكن التوبة الحقيقية -إخواني في الله- هي التي يعزم صاحبها فيها على عدم العودة إلى المعصية ومُخالفة أوامر الله -تعالى-، فيُسارع بالتوبة إلى ربه قبل أن يُغلق باب التوبة عنه، فهي -كما تعلمون- تُقبل من العبد ما لم يُغرغر؛ أي ما لم تصل روحه إلى حُلقومه.[٥]

وجاء ذلك صريحاً في قوله -تعالى-: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّـهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَـٰئِكَ يَتُوبُ اللَّـهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا* وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا). [٦]

فليُسارع المُسلم بالتوبة، فمَن منّا يأمن من إتيان الموت بغتةً، وليكُن ذلك بلسانه وقلبه معاً، فكيف يتوب المُسلم وهو مُصرٌّ على ذنبه ومعصيته؟! وكيف يتوب مِن الغِش مَن يغشّ الناس في بيعه وشرائه ومُعاملاته؟! وكيف يتوب من الغيبة مَن لا زال يغتاب الناس ويأكل لحومهم؟! وكيف يتوب من أكل أموال الناس مَن يأكلها مراتٍ ومراتٍ؟! فلنحاسب أنفسنا ونتعاهد نوايانا.

إخواني في الله، ليبادر كُل واحدٍ منا بالتوبة وإرجاع الحُقوق إلى أصحابها قبل أن يأتي اليوم الذي قال عنه النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (مَن كانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ، مِن قَبْلِ أنْ يُؤْخَذَ لأخِيهِ مِن حَسَناتِهِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ أخِيهِ فَطُرِحَتْ عليه).[٧]

واعلموا أن التوبة تتضمّن القيام بالعبادات والمأمورات التي جاءت من الله -تعالى- بقدر ما استطاع المسلم فعلها والالتزام بها، مع طلب المغفرة من الله -تعالى- بقلوبنا وألسنتنا، قبل أن يُعاجلنا الموت، أو يغرُّنا الشيطان بأمانيّه وطول البقاء في الدُنيا.[٥]

عباد الله، إنّ من أعظم العبادات توبة العبد إلى ربه، وقد أوجبها الله -تعالى- على جميع عباده، سواءً من الكُفر أو الشرك أو النِفاق أو المعاصي والذُنوب، وقد أمر الله -تعالى- جميع عباده بالتوبة والرُجوع إليه في قوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّـهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)،[٨] وتكون التوبة بترك الذُنوب جميعها صغيرها وكبيرها، ومن التقصير في الطاعة.[٩]

أما شُروط التوبة المقبولة -معاشر الفضلاء-؛ فهي أن يُقلع صاحبها عن المعصية، ويندم على فعلها، ويعزم على عدم العودة إليها، وأمّا إن كانت المعصية تتعلق بحقّ إنسانٍ؛ كالمال أو الغيبة، فلا بُد من رد المال، وطلب المُسامحة من صاحبه إن كان الحق معنوياً، وقد وعد الله -تعالى- عباده التائبين بالقبول عند تحقق شُروطها، فقال: (وَإِنّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهتَدى)،[١٠] وفتح لهم باب التوبة في جميع الأوقات؛ سواءً في الليل أو النهار.[٩]

واعلموا أنّ باب التوبة لا يُغلق إلا عند طُلوع الشمس من مغربها كذلك، وهذا يدُلنا على عظيم فضل الله -تعالى- وكرمه بعباده، بل إن الله -تعالى- سمّى نفسه بالتواب؛ وهذا يدُل على قبوله للتوبة من عبده مهما تكرر منه، قال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)،[١١] ومن عظيم فضله أنه وعد عباده التائبين بعظيم الثواب يوم القيامة، وجعل لهم مكان السيئة الحسنة بسبب توبتهم.[٩]

ولِعظم التوبة ومنزلتها فقد قام بها الأنبياء والمرسلون والصالحون، لقوله -تعالى- على لسان إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).[١٢]

عباد الله، فلنبادر إلى التوبة، فحبّ الله -سبحانه- أكبر من كُل الذُنوب، أكبر من كُل شهوة، أكبر من كُل ألم، فهو يغفر ولا يُبالي، بل إنّه يفرح بتوبة عبده المُذنب ورُجوعه إليه، والإنسان التائب هو حبيب الله، لقوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).[١٣]

والتائب هو الإنسان الفائز والسعيد في الدُنيا والآخرة، بل إنّ الله -تعالى- يُسخّر للتائب ملائكته بالدُعاء له، ولمن صلح من أهله، فالفوز والفلاح في الدُنيا والآخرة لمن تاب ورجع إلى ربه، والدُنيا قصيرة ومحدودة، والموت يأتي إلينا بغتةً ونحن لا نشعر.[١٤]

عباد الله، إن من فضائل وثمرات التوبة حُصول الرّضا من الله -تعالى-، ومغفرته للتائب، وطمأنينة القلب والنفس وانشراح الصدر، وغسل أدران العاصي، وصدق الشاعر إذ قال عن التوبة:[١٥]

قدم لنفسك توبةً مرجوة

قبل الممات وقبل حبس الألسن

بادر بها غلق النفوس فإنها

ذُخر وغنم للمُنيب المُحسن

فلنقبل -عباد الله- على رب كريم بقلوبنا وأخطائنا، فهو واسع الكرم والمغفرة، يحبّ التائبين والمقبلين إليه، فخير الأيام والساعات هي التي يرجع فيها العبد المذنب إلى ربه، فهو طريق الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة.[١٦]

وبارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، ونفَعَنا بهديِ سيِّد المرسلين وقوله القويم، أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ الله العظيمَ لي ولكم ولكافة المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية 

الحمد لله الذي له الحمد كله، وإليه يرجع الأمر كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.

معاشر المُسلمين، إنّ من رحمة الله -تعالى- بنا أن شرع لنا باب التوبة، وأوجبه علينا، ويتحقّق بالتوبة الزيادة في الحسنات، ونُقصان سيئات، والتوبة المقبولة هي التي تتحقّق شُروطها المعروفة، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على عدم العودة إليها، وإن كان الذنب يتعلق بحقوق الآدميين فلا بد من طلب المسامحة منهم.[١٦]

والتوبة الحقيقية -إخوامي الكرام- تكون بالجوارح والقلب، وأفضل أيام الدنيا هو اليوم الذي يتوب العبد فيه لربه، فيقبل الله -تعالى- هذه التوبة منه، فالفوز والسعادة في الدنيا والآخرة يكون بالتوبة والرجوع إلى رب العباد، قال -تعالى-: (فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ).[١٧]

الدعاء 

  • اللهم تب علينا، وتجاوز عن سيئاتنا، واغفر زلاتنا وأخطائنا، واشرح صدورنا للتوبة النصوح، إنك أنت التواب الرحيم، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.
  • اللهم استر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، وارزقنا توبة إليك قبل الممات، وفرّحنا عند لقائك يا رب العالمين.
  • اللهم إنا نسألك البر والتقوى، واجعل سعينا في رضاك، نعوذ بك من الكفر والضلالة، ونسألك أن تدخلنا في عبادك الصالحين.
  • اللهم اجعلنا من التوابين المتطهرين، الأوابين إليك، المنيبين المخبتين لك، وتوفّنا مع الأبرار يا عزيز يا غفار.
  • اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء همومنا وأحزاننا، وذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المراجع[+]

  1. اختيار وكالة شئون المطبوعات والنشر بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد (1423)، خطب مختارة (الطبعة 3)، السعودية:وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 258. بتصرّف.
  2. سورة النساء، آية:1
  3. محمد العثيمين (1988)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 653، جزء 8. بتصرّف.
  4. سورة التحريم، آية:8
  5. ^ أ ب ت محمد العثيمين (1988)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 653-655، جزء 8. بتصرّف.
  6. سورة النساء، آية:17-18
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة ، الصفحة أو الرقم:6534، صحيح.
  8. سورة النور، آية:31
  9. ^ أ ب ت علي عبد الرحمن الحذيفي، "التوبة وفضلها"، ملتقى الخطباء، اطّلع عليه بتاريخ 9/3/2022. بتصرّف.
  10. سورة طه، آية:82
  11. سورة الشورى، آية:25
  12. سورة البقرة، آية:128
  13. سورة البقرة، آية:222
  14. راكان المغربي، "فضائل التوبة"، ملتقى الخطباء، اطّلع عليه بتاريخ 9/3/2022. بتصرّف.
  15. عمر بن عبد الله بن مشاري المشاري، "التوبة أهميتها وشيء من ثمراتها"، ملتقى الخطباء، اطّلع عليه بتاريخ 9/3/2022. بتصرّف.
  16. ^ أ ب "أهمية التوبة "، طريق الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 9/3/2022. بتصرّف.
  17. سورة القصص، آية:67

6 مشاهدة