حديث الرسول عن الغناء

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٤٩ ، ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٠
حديث الرسول عن الغناء

حديث: ليكوننَّ من أمتي أقوام

متن الحديث

عن أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه- أنّه سمع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: "لَيَكونَنَّ مِن أُمَّتي أقْوامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ، والخَمْرَ والمَعازِفَ، ولَيَنْزِلَنَّ أقْوامٌ إلى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عليهم بسارِحَةٍ لهمْ، يَأْتِيهِمْ - يَعْنِي الفقِيرَ - لِحاجَةٍ فيَقولونَ: ارْجِعْ إلَيْنا غَدًا، فيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ إلى يَومِ القِيامَةِ".[١]


صحة الحديث

أخرجه البخاري في صحيحه، وقد قال ابن القيّم مؤكّدًا صحة هذا الحديث: "هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه محتّجًا به، وعلّقه تعليقًا مجزومًا به، فقال: باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه"، وقد جاء هذا التعقيب من ابن القيّم لأنّ البعض قد ضعّف هذا الحديث لأنّ البخاري لم يذكره بسنده المتصل، ولكنّ هذا التعليق لا يقدح في صحّة الحديث لأنّ عنوان الباب الذي وُضِع فيه الحديث يدلّ على ثبوته.[٢]


شرح الحديث

إنّ رسول الله يُخبر أنّ أقوامًا من أمّته سيستحلّون الحِر والحرير، والحِر هو الزنا، واستحلالهم له يكون إمّا باعتقادهم حلّه، أو بفعلهم له ووقوعهم فيه واسترسالهم في ذلك، والحرير هو لبس الحرير للرجال، والخمر أي شرب الخمر، والمعازف وهي آلات الملاهي والموسيقى، ويُخبر أيضًا أنّ أقوامًا سيسكنون بجانب عَلَم، أي: جبل كبير، والراعي يذهب بالماشية لتسرح ويعود بها إلى مألفها في العشي، كناية عن رغد العيش والدعة التي يعيشون فيها، ولكنّ صاحب الحاجة يأتيهم ويطلبهم فيقولون له تعال غدًا، وعندما يرجع عليهم يجد أنّ عذاب الله قد أتاهم ليلًا ووقع عليهم الجبل العالي.[٣]


حديث: صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة

متن الحديث

عن أنس بن مالك -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: "صوتانِ ملعونانِ في الدنيا والآخرةِ: مزمارٌ عندَ نعمةٍ، وَرَنَّةٌ عندَ مصيبةٍ".[٤]


صحة الحديث

قال السيوطي إنّ الحديث السابق هو حديثٌ حسن، وقد أخرجه البزّار والضياء المقدسي.[٥]


شرح الحديث

إنّ معنى صوتان ملعونان أي أنّ صاحبها ملعون، فلعن الصوت عبارة عن لعن فاعله، وربّما كان المراد إبعاد هذه الأصوات من رحمة الله تعالى، أو أنّه هذه الأصوات لا تُرفع كما يُرفع الكلم الطيّب، فالكلم الطيّب الحسن يصعد إلى الله عزّ وجلّ، وقوله: "في الدنيا والآخرة"، أي: أنّ هذا اللعن مستمر في الدارين، والمزمار هو الآلة التي يُزمّر بها ويُغنّى، والمراد هو الغناء بالإطلاق وليس آلة المزمار، ويُحتمل أن يكون المراد هو الغناء بآلة المزمار وحدها والصوت الذي يخرج منها، ومعنى "عند نعمة" كناية عن استخدام أدوات العزف والغناء في الأفراح، ورّنة تعني صيحة، والمقصود هنا النياحة والصياح عند وقوع مصيبة، كالنياحة على الأموات، ولعن هذين الصوتين يقتضي تحريمهما.[٦]


حديث: في هذه الأمة خسْف ومسخ

متن الحديث

عن عمران بن الحصين -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: "في هذِهِ الأمَّةِ خَسْفٌ، ومَسْخٌ، وقَذْفٌ، إذا ظَهَرَتِ القِيَانُ والمعازِفُ وشُرِبَتِ الخمورُ".[٧]


صحة الحديث

قال السيوطي: حديثٌ صحيح.[٨]


شرح الحديث

إنّ الخسف هو أنّ الأرض تنخسف وتسقط الأبنية والدور إلى داخل الأرض، ويكون ذلك لبعض المدن والقرى، والمسخ هو: تحويل الله تعالى بعض البشر من صورة بني آدم إلى صور وأشكال بعض الحيوانات كالقردة والخنازير، والقذف هو سقوط الحجارة من جهة السماء على المخالفين لأمر الله المُراد تعذيبهم،[٩] وهذا العذاب سينزل بالأقوام التي يظهر فيها القيان والمعازف وشرب الخمر.[١٠]


والقيان جمع قينة وهي الجارية التي تُغنّي، والمعازف هي آلات الغناء واللهو، ومن المحتمل أنّ هذه العقوبات الثلاث تقع عندما تظهر تلك الفواحش مجتمعة، ويحتمل أنّها قد تقع عند ظهور أي واحدة منهن سواءً ظهور القيان أو المعازف أو شرب الخمر، وإن كانت كلّ واحدةٍ منهن بزمن مختلف، ويُحتمل أيضًا أنّ هذه العقوبات قد تنزل عند شيوع أي معصية بين الناس.[١٠]


حديث: تُعزَفُ على رؤوسهم المعازفُ والمغنيَّات

متن الحديث

عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم يقول: "ليكونَنَّ من أمتي أقوام يستحِلُّونَ الحِرَ والحريرَ والخَمرَ والمعازفَ، وفي لفظ: ليشربَنَّ ناسٌ من أمتي الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها، تُعزَفُ على رؤوسهم المعازفُ والمغنيَّات، يخسِفُ الله بهم في الأرضِ ويجعلُ منهم القردةَ والخنازيرَ".[١١]


صحة الحديث

قال ابن القيّم صحيح الإسناد،[١٢] وقال الألباني صحيح.[١٣]


شرح الحديث

إنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- يُبيّن في هذا الحديث مجيء أقوام هم من أمّته ولكنّهم مرتكبي لجريمة الزنا، ومعتقدين لحلّها أو أنّهم منغمسين في فعلها دون رادع، ويلبس رجالهم الحرير وهو محرمٌ عليهم، ويشربون الخمر الذي حرّمه الله في كتابه العزيز، ويستحلّون أيضًا المعازف التي هي كل ما يُعزف به كالعود والطبل والمزمار وجميع آلات اللهو.[١٤]


واللفظ الآخر من الحديث يدلّ أيضًا على أنّ أقوامًا من أمة محمد سيشربون الخمر ويتخذون له أسماءً أخرى وكأنّهم بتغييرهم للاسم يجعلون الحرام حلالًا، مثل ما نشهده اليوم من تسمية الخمور بالمشروبات الروحيّة، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ المعازف تنتشر بينهم انتشارًا كبيرًا وتكثر المغنيات، فيكون فعلهم لهذه المعاصي موجبًا لنزول عذاب الله بهم وهو الخسف في الأرض، وتحويل صورهم إلى صور قردة وخنازير، وفي هذا الحديث دليل على تحريم المعازف والغناء لأنّ رسول الله قرن بينها وبين شرب الخمر، وتوعّد أصحابها بالمسخ والخسف.[١٤]


حديث: أمزامِير الشَّيطان في بيت رسول اللَّه

متن الحديث

عن عائشة -رضي الله عنه- قالت: "دَخَلَ أبو بَكْرٍ وعِندِي جَارِيَتَانِ مِن جَوَارِي الأنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بما تَقَاوَلَتِ الأنْصَارُ يَومَ بُعَاثَ، قالَتْ: وليسَتَا بمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقالَ أبو بَكْرٍ: أمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ في بَيْتِ رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وذلكَ في يَومِ عِيدٍ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أبَا بَكْرٍ، إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وهذا عِيدُنَا".[١٥]


صحة الحديث

إنّ الحديث السابق حديث صحيح فهو مروي في صحيح البخاري.[١٦]


شرح الحديث

تُخبر السيدة عائشة - رضي الله عنها- في هذا الحديث أنّ أبوها أبو بكر الصديق - رضي الله عنه- دخل عليها وكان عندها جاريتان من الأنصار، وقيل إنّ إحداهما كانت لحسّان بن ثابت، وقيل إنّ كليهما كانتا لعبد الله بن سلام، واسم إحداهما حمامة والأخرى اسمها زينب، وكانتا تغنيان وقد وردت روايات أخرى للحديث تبيّن أنّهما كانتا تضربان على الدف، وتُنشدان ما تقاولت به الأنصار، أي: ما قاله بعضهم لبعض من الفخر أو الهجاء يوم بعاث، وهو حصن للأوس أو مكان في ديار بني قريظة كانت فيه أموالهم.[١٧]


ثمّ تتابع السيدة عائشة فتقول: وليستا بمغنيتين، أي إنّ هاتين الجاريتين ليس الغناء حرفة لهن، وبهذا نفيٌ منها عنهن بطريق المعنى ما أثبتت باللفظ، فالغناء يُطلق على رفع الصوت والترّنم والحداء، ولا يُسمّى من يفعل ذلك مغنيًا، فالمغنّي هو الذي يُنشد بتمطيط وتكسّر، ويعمَ إلى تهييج المشاعر وتشويق النفوس، ويتعرّض لذكر الفواحش أحيانًا حتّى يستثير الغرائز الكامنة في نفوس البشر، وهذا النوع من الغناء متفق على أنّه حرام.[١٧]


وفي هذا السياق يقول القاضي عياض: "أي ليستا ممن تغني بعادة المغنيات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك النفوس كما قيل: الغناء وقرينة الزنا وليستا أيضًا, ممن اشتهر بإحسان الغناء الذي فيه تمطيط وتكسير وعمل يحرك الساكن ويبعث الكامن ولا ممن اتخذه صنعة وكسبًا"، فهذا معنى وافٍ لكونهما تغنيان وليستا مغنيتين.[١٨]


فقال أبو بكر - رضي الله عنه- عندما رأى ذلك، أمزامير الشيطان؛ أي أتشتغلون بمزامير الشيطان وتلتبسون بها في بيت رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- وكان اليوم يوم عيد، ووجود المغنية التي اتخذت من الغناء صنعة لها لا يليق أن يكون بحضرة الرسول الكريم، ولكنّ مجرّد الترّنم ببعض الأبيات التي ليس فيها فُحش أو محظور شرعي وتطريب الصوت وتحسنيه بذلك لا بأس به.[١٨]


فأجابه رسول الله بأنّ هذا يوم عيد وإظهار السرور والفرح في العيدين من شعائر الدين وإعلاء أمره، واستدلّ البعض على أنّ العيد مخصّص في الإسلام للراحة وانبساط النفوس إلى الطيّبات والمباحات في الدنيا كالأكل والشرب والجماع، وذلك لأنّ رسول الله أباح وجود الغناء لأجل العيد.[١٨]


واستدلّ العلماء أيضًا من هذا الحديث على جواز سماع صوت الجارية وهي تُغنّي وإن لم تكن مملوكةً لمن يسمع غناءها، لأنّ رسول الله لم يُنكر على أبي بكر سماعه للغناء وإنّما أنكر عليه إإنكاره لوجود هذا النوع من الغناء في بيت رسول الله، ولكنّ هذا الجواز متعلّق بأمن الفتنة.[١٧]


المراجع[+]

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي مالك الأشعري، الصفحة أو الرقم:5590، حديث صحيح.
  2. ابن القيم، كتاب إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، صفحة 259. بتصرّف.
  3. السيوطي، كتاب التوشيح شرح الجامع الصحيح، صفحة 3466-3465. بتصرّف.
  4. رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:5033، حديث صحيح.
  5. السيوطي، كتاب الجامع الصغير وزيادته، صفحة 7249. بتصرّف.
  6. الصنعاني، كتاب التنوير شرح الجامع الصغير، صفحة 8-9. بتصرّف.
  7. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن عمران بن الحصين، الصفحة أو الرقم:4273، حديث صحيح.
  8. السيوطي، كتاب الجامع الصغير وزيادته، صفحة 7722. بتصرّف.
  9. المناوي، كتاب فيض القدير، صفحة 459. بتصرّف.
  10. ^ أ ب الصنعاني، كتاب التنوير شرح الجامع الصغير، صفحة 556-557. بتصرّف.
  11. رواه الرباعي، في فتح الغفار، عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري، الصفحة أو الرقم:4، حديث له شواهد.
  12. ابن القيم، كتاب إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد، صفحة 459. بتصرّف.
  13. الألباني، غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، صفحة 228. بتصرّف.
  14. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين، كتاب مجلة مجمع الفقه الإسلامي، صفحة 1915. بتصرّف.
  15. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:952، حديث صحيح.
  16. البخاري، صحيح البخاري، صفحة 17. بتصرّف.
  17. ^ أ ب ت القسطلاني، كتاب شرح القسطلاني، صفحة 206-207. بتصرّف.
  18. ^ أ ب ت الكرماني، شمس الدين، كتاب الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، صفحة 62. بتصرّف.