الزمن بين رأي العلم والشريعة الإسلامية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٢٩ ، ١٦ ديسمبر ٢٠٢٠
الزمن بين رأي العلم والشريعة الإسلامية

ما هو الزمن؟

لطالما ارتبط الزمان والمكان معًا كشيءٍ واحد بأذهان البشر، إذ لا يمكنهم إدراك الموجودات خارج إطار الزمان والمكان، وقد اختلف البشر على مفهومٍ واضحٍ للزمن؛ فالأمر ليس بتلك البساطة، وحتى يُفهم كيف بدأ الأمر يجب العودة إلى البداية، إلى نشأة الكون وحاجة البشر لتحديد الوقت في حياتهم.[١]


نشأة الزمن

كيف كان الناس قديمًا يعرفون الوقت؟

بدأ الأمر حين لاحظ البشر تعاقب الليل والنهار وحركة الشمس بصورة متكررة؛ إذ حاولوا أن يقسّموا الوقت من شروق الشمس إلى غروبها إلى حين شروقها مرةً أخرى فظهر مفهوم "اليوم"، وتقسيمه إلى أجزاء أصغر يمكنهم من خلالها ترتيب أحداث حياتهم، فقسّموه بالاعتماد على حركة شيء آخر.[٢]


فمثلًا يتحدد وقت الصلاة في الإسلام بالاعتماد على حركة الشمس، كقول الإمام أحمد بن حنبل في دخول وقت صلاة الظهر: "من الزوال إلى أن يصير ظلُّ كلّ شيءٍ مثلَه[٣] فارتبطت حركة الشمس والظل بتحديد وقت صلاة الظهر، وكذلك في تحديد وقت دخول شهر رمضان، إذ يُعتمد تحديد وقت دخوله على رؤية الهلال، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنه قال:"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ".[٤][٥]


وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أنه قال: "ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ ويُقْسَمُ لَحْمُها، حتَّى أسْتَأْنِسَ بكُمْ"،[٦] ويقصد هنا أن يجلسوا حول قبره زمنًا قدر ما يحتاجه ذبح الجمل وتقطيعه،[٧] أو كما في تقدير وقت صلاة الشروق، حيث يقول الفقهاء: "ووقتها يبدأ من ارتفاع الشمس قدر رمح"، أي أن ترتفع عن الأفق بمقدار طول الرمح بحيث تقدّر بوقتنا الحاضر: بعد شروق الشمس بربع ساعة.[٨]


وبالخلاصة: فإن الزمان والمكان مرتبطين معًا، ولا يمكن إدراك واحد منهما بمعزل عن الآخر، حيث مفهوم "اليوم" يعتمد على حركة الشمس والأرض، وكذلك تقسيماته بالدقائق والساعات.


كيف ينظر العلم إلى مسألة الزمن؟

يمكن فهمُ الزمن من خلال ترتيب الأحداث، بحيث يكون هناك قبلٌ وبعدٌ، ولكن العلماء التجريبيّين لم يجدوا للأحداث كلها المرجعية الساكنة سكونًا مطلقًا، بحيث يتم ترتيب الأحداث بالرجوع إليها؛ إذ كل الأشياء تتحرك، فإذا كانت الأرض تدور حول الشمس وحول محورها، والشمس تتحرك في فلكها، فكيف سيتحدّد إن كان حدثان قد وقعا في وقتين مختلفين، بأنهما قد وقعا في المكان نفسه؟ وكيف يترتّب حدوثهما؟ قبل ماذا وبعد ماذا؟ لقد حاول العلم تفسير ذلك واختلفوا عليه.[٩]


الزمن المطلق

أو كما تُعرف بنظرية نيوتن عن الزمن، حيث إن الأشياء كلها تتحرّك، وبالتالي سيختلف تقسيم الزمن تبعًا للحركة، فمقدار اليوم على كوكب المشتري يختلف عن مقدار اليوم على كوكب الأرض، ويرجع ذلك إلى أنّ مدار المشتري أكبر من مدار الأرض، وبالتالي سيحتاج إلى قطع مسافة أكبر ليتم دورته، وبالتالي إلى وقت أطول لليوم حتى ينقضي، ولذلك عجز نيوتن عن إثبات مكان ساكن سكونًا مطلَقًا، بحيث يعدّ مرجعية مطلقة لكل الحركات.[١٠]


ولكنّه ظلّ مؤمنًا بذلك رغم عدم منطقيّة الأمر، حتى ظهرت النظرية النسبية لتثبت أن الزمن يعتمد على متغيرات أكثر، فمثلًا: لو كان هنالك شخص يقف فوق قطار يتحرّك وشخص آخر يقف على الأرض، وقام الأول برمي كرة لترتطم بسطح القطار مرتين، فإن الشخص فوق سطح القطار سيرى بأن الكرة ارتطمت في نفس النقطة مرتين، ولكن الذي على الأرض سيرى أنها ضربت السطح في منطقتين مختلفتين. وبالتالي فإن الزمن وقياسه أمر نسبيّ، يعتمد على الكثير من المتغيّرات.[١١]


نسبيّة الزمن

وهي نظريّتا آينشتاين العامّة والخاصة، وبببساطة هما تعبّران عن المتغيّرات التي تؤثّر في حساب الزمن: الجاذبية والسرعة وحالة المراقِب، تجتمع كلّها تحت ما يسمّى بنسيج الزمكان "الزمان والمكان" باعتبارهما مرتبطين ببعضهما، حيث انتهت فكرة الزمان المطلق تمامًا، وحلّ مكانها القوانين التي ترتبط بسرعة الضوء الثابتة في كل حال.[١٢]


ومن قوانين النسبية الخاصة والعامة، أن الجاذبية تجعل الحركة أبطأ، وبالتالي فإن الزمن يجري عندها بشكلٍ أبطأ، وأن السرعة تُبطِئ من الزمن كلما زادت، حيث لو وصلتْ سرعةُ متحرّكٍ ما إلى سرعة الضوء فسيتوقّف الزمن تمامًا عنده، وبالتالي فكل مراقِب سيحسب قيمة الزمن بالاعتماد على مراقبتِه وحالة حركته، وليس كما هو حقيقة. فمثلًا: لو وضعت توءمين، واحدًا عى كوكب الأرض، وواحدًا ينطلق في رحلة عبر الكون بسرعة كبيرة لعدة سنوات، فحين يعود، وحسب الزمن الذي تحسبه على الأرض فإن الذي عاد سيكون أصغر بسنوات من الذي بقي على الأرض، ويرجع ذلك إلى الاختلاف في حساب السنة، وليس بسبب اختلاف حقيقيّ في عمرهما.[١٣]


بالخلاصة: مع تقدّم العلم وخاصةً مع فيزياء الكمّ التي بدأت تتعارض مع النسبية في المستوى دون الذرّي، كحركة الإلكترونات، فإنّ الأمر يصير جدليّا أكثر حول إدراك الزمان والمكان، الذي يبدأ من تعريف الزمن بأنه: ترتيب الأحداث قبل وبعد، ولكن قبل ماذا؟ وبعد ماذا؟ فهذا يعتمِد على المراقِب.


كيف تنظر الشريعة إلى مسألة الزمن؟

قبل الشروع في هذا العنوان، تجدر الإشارة إلى أن الذين تناولوا مسألة الزمن تناولوها من حيث فلسفة الزمن، واستدّلوا بالبراهين العقلية في إدراك الزمن، حيث تحدّث فيه علماء الكلام المسلمون دفاعًا عن عقيدتهم، وتناولها الفلاسفة المسلمون وغير المسلمين أيضًا في تصوّرهم عن العالم، وتناولها العلم التجريبي في تطبيقاته العلمية والحسابات الرياضية، وعليه فإن مسألة الزمن قد حظيت بالاهتمام الكبير نظرًا لحساسيّتها، وسيقف المقال في هذه الفقرة مع نظرة الشريعة إلى مسألة الزمن، توضيح جانبي علماء الكلام المسلمين والفلاسفة في تعريفهم للزمن، وأهم الاعتراضات بينهما.[١٤]


فقد انطلق بعض الفلاسفة المسلمين وغير المسلمين في تعريفهم للزمن من تصوّرهم أن العالم أزليّ، وممتد من اللابداية إلى اللانهاية، وأنه في حركة دائمة، ولقد استمدّوا ذلك من فلاسفة اليونان القدماء،[١٥] وقولهم بأن العالم قديم يعترض مع رأي العلم التجريبي من جهة، ومع رأي علماء المسلمين من جهة أخرى، إذ إنّ نظرية الانفجار العظيم ونظريّة تمدد الكون تعارضان كون العالم أزليًا، أمّا قولهم أن العالم لا نهائي في الزمن، فهذا يتعارض مع مفهوم اللانهاية عند العلماء التجريبيين والمتكلمين؛ إذ اللانهاية ليست رقمًا حقيقيًّا يمكن الوصول إليه، بل هي مجرد مفهومٍ؛ يعني أن أيّ رقم ستصل إليه هناك دائمًا رقم أكبر منه.[١٦]


ثمّ حتى إن آينشتاين ينظر للزمن باعتباره خطًا مستقيمًا نسير فيه، وبالتالي فإنّ الماضي والمستقبل موجودان دائمًا كما الحاضر، ولكنه ديناميكي؛ بمعنى أن العالم مثل ساحة ملعب كبير، تتغير معالمُها بحركة اللاعبين فيها.[١٧]


رأي المتكلمين

لقد عرّف علماء الكلام المسلمون -أي المشتغلين بعلم الكلام- الزمن بتعريفات مختلفة ولكنها ذات معنى واحد، إذ قال بعضهم إنّ الزمن ارتباطٌ بين حدَثين، أو إنّه مقدّر معلوم يُعلم به مقدّر موهوم، فمثلا إذا قيل :متى يحضر زيد؟ فالإجابة: عند غروب الشمس، وإن قيل: متى تغرب الشمس؟ فالإجابة: عند حضور زيد، فإذا عُلِمَت واحدة منهما عُلِمَت الأخرى، وهكذا.[١٨]


فالزمن اعتبارٌ ذهنيّ، ويقصد بهذا أن الزمن إنّما هو ما تُقدّر به الحركة، وبالتالي هو ليس حقيقيًا، ويتغيّر بتغيّر حال السائل عن الوقت، وتغيّر المرجع الذي استند إليه في تحديد الوقت، حيث ارتبط الزمن بالحركة، والحركة تدلّ على التغيّر، ثم ينتزع العقلُ فكرة الزمن من التغيّر.[١٩]


ثمّ انتقلوا إلى أنّ الزمن مرتبطٌ بالحركة أي بالمكان، وبالتالي لا يُمكن الفصل بينهما، فإذا كان الجسم يشغل حيزًا في المكان فإن الجسم عبارةٌ عن أجزاءٍ تقبل الانقسام، ولا بدّ من الوصول إلى جزءٍ لا يمكن تقسيمه، وإلّا استمرّت القسمة إلى المالانهاية، والمالانهاية لا تتحقق في الواقع.[١٩]


والزمن كذلك لا بد أن ينقسم إلى جزء لا يمكن تقسيمه، وهو المدّة التي يتجدد بها العرَض "كالحركة واللون والرائحة"، حيث إن الجواهر ثابتة والأعراض متجدّدة، بحيث إن الماضي يفنى والمستقبل لم يُوجد بعد،[٢٠] وانتقلوا من الجوهر الفرد والعرَض إلى إثبات بداية العالم وحدوثِه، واحتياجه إلى الخالق، حيث فسّروا ترتيب الأحداث بالأسبقية بالوجود، وللإجابة عن سؤال قبل ماذا وبعد ماذا؟ أوضحوا ذلك بأن الأشياء تسبق بعضها بالحدوث في وجودها بعد العدم، كأن نقول: الثمانية قبل التسعة ليس في الزمان وإنما تسبقها بالوجود.[٢١]


الزمن مخلوق

بعض علماء الكلام فصلوا بين الزمن والحركة، حيث اعتبروا أن الزمن موجود حقيقة، ومنهم الإمام الرازي، حيث إن الإمام الرازي استفرد بقوله أن الزمان مخلوق فعلًا بشكل مستقلٍ عن الحركة، بحيث إن الحركة هي انتقال الأجزاء من حيّز إلى حيّز، ولمّا كان انتقال الجزء من الحيّز الأول إلى الحيّز الثاني فإنّ الحيز الثاني تقدّم زمانيًا على الحيّز الأول، وبالتالي فإنّ الزمان يخلق لحظة بلحظة وليس اعتبارًا ذهنيًا فقط، وهذا يعترض مع قول الفلاسفة، ومع علماء الكلام في نتيجة قوله على الرغم من استناده على مقدّماتهم.[٢٢]


وبالخلاصة: فإنّه لا تعارض بين الرأيين؛ إذ العلم التجريبي يتفق مع قول علماء الكلام في ما يخصّ مسألة الزمن؛ إذ يرتبط الزمن عند الفريقين بالحركة، وفي الحالتين هو نسبيّ، ولكن الخلاف فلسفيًّا في قضية الماضي والمستقبل، فإنّ علماء المسلمين يقولون على عكس آينشتاين بأن الماضي قد فنيَ، والمستقبل لم يُوجد بعد، والحاضر متجدد.


شبهات حول الزمن

ما أبرز الشبهات المُثارة حول الزمن وما يتعلق به؟

بعد تناول مفهوم الزمن ونشأته وتطبيقاته، سيتم الانتقال إلى الشبهات التي تُثار حول مسألة الزمن والمسائل المرتبطة به، وفيما يلي بعض هذه الشبهات:


هل يجري الزمن على الله؟

لقد تبيّن عند المتكلمين من خلال ما تقدّم أن الزمان نسبيّ يكون إمّا اعتبارًا ذهنيًّا وإمّا مخلوقًا، وبالتالي فإنه لا يجري عليه الزمن من جهة العقل، فالبرهان العقلي يقتضي أن يكون الله خارج الزمان؛ لأنّ الخالق لا يتغيّر والزمن هو التغير، ولو جاز أن يتغيّر الله سيكون فانيًا؛ لأنّ الفناء تغيّر في الحالة من الوجود للعدم، والتغيّر محال عندهم على ذاته سبحانه،[٢٣] ولمّا كان الزمان والمكان مرتبطين فقد ثبت عندهم عدم جريان الزمن على الله تعالى، وثبت بذلك عندهم أن المكان لا يحويه أيضًا، لأنّه -تعالى- خالق الزمان والمكان، فلا يجري عليه الزمان، ولا يحويه مكان، فهو الغنيّ عنهما.[٢٤]


إشكالية خلق القرآن

تعد شبهة خلق القرآن من المسائل المهمة في باب الزمن، فالكلام حروف وأصوات، وكل الأصوات لها بداية ونهاية، وبالتالي هي أحداث تحتاج للترتيب، فيجري الزمن عليها، وهنا خرج المعتزلة بقولهم إن الله ليس متكلّمًا، وأن الكلام مخلوق لأن التغيّر يحدث فيه، ولا يجب أن يحدث التغيير في ذات الله سبحانه حيث لا يجري عليه الزمن،[٢٥] وذهب بعض المسلمين إلى أن الله -سبحانه وتعالى- متكلّم، وأنّ النقل جاء بذلك في مواطن عدّة في القرآن، مثل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ}،[٢٦] وقوله سبحانه: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ}،[٢٧]ولكنه يتكلّم بكلامٍ يليق بجلاله سبحانه متى شاء وكيفما شاء.[٢٨]


أمّا المتكلمون من الأشاعرة فذهبوا إلى أن الله متكلّم بكلامٍ نفسي، بلا حرف ولا صوت، وبالتالي فإن القرآن الذي نقرأ، هو لغة يجري عليها الزمن، وكلام الله لا يجري عليه الزمن، فكان لا بدّ من جعلٍ وتصيير، بأن يخلق الله لغةً حادثة تحمل المعنى القديم من القرآن في نفسه سبحانه، بالتالي فإن القرآن كلامه سبحانه ويحمل المعاني التي لا تجري عليها الزمن، قد نزل بلغةٍ حادثة تجري عليها الأزمنة، حيث اللغة كلها مجازات.[٢٩]


تفسير حديث: أن الله ينزل إلى السماء كل ليلة

في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: "ينزل رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ".[٣٠][٣١]


حيث اختلفت الفرق في هذا بين المتكلمين وأهل الحديث، حيث قال أهل الحديث: بأنّ الله ينزل كل ليلة كما أخبر عن نفسه سبحانه، نزولًا يليق بجلاله، لا نسأل عن كيفية ذلك، فيجب إثبات صفة النزول له -سبحانه- من غير تمثيل أو تعطيل أو تحريف.[٣٢]


أما المتكلمون فقد انطلقوا من ارتباط الزمان والمكان، حيث إن الزمان يعرف بالتغيّر والحركة، وإن كان الله متحركًا فهذا يجعله متأثرًا بالزمن، وبالتالي محتاجًا للمكان، إذ سيتحرك من مكان إلى مكان، وهذا ممتنع عندهم، فقالوا في معنى الحديث أن الله يطلب من عباده أن يقوموا في الليل للدعاء في هذا الوقت، وأنه سيستجيب لهم ويسمع دعاءهم ويغفر ذنوبهم، فالمقصود عندهم من الحديث قرب الله في تلك الأوقات من استجابة دعائهم مجازًا ومعنًى، وليس القرب المكانيّ حقيقةً.[٣٣]


هل العالم أزليّ؟

لقد سبق الحديث في المقال إلى نفي المالانهاية، واعتبارها مفهومًا فقط؛ إذ هي ليست رقمًا حقيقيًّا، وما زالت العلوم التجريبية تسير في فهم الكون ونشأته، حيث إن الفيزياء لا تستطيع التعامل مع المالانهايات في تطبيقاتها، فلا بد للتطبيقات من أن تحتوي على مدخلاتٍ يُمكن قياسها،[٣٤] ولكن التساؤل هنا، هل يستطيع العقل -بالاستغناء عن التجربة- أن يُستدل على أن العالم له بداية؟[١٦]


فمثلًا: لو كانت الأيام من بداية الكون إلى يومنا هذا مجموعة من أحجار الدومينو، وحتى يُضرب حجر اليوم الحالي هذا ليأتي، يجب الرجوع إلى البداية من ضربة الحجر الأول، ستحتاج إلى ضرب عددٍ لا نهائي من الأحجار قبل أن تصل إلى حجر اليوم، فلن يأتي اليوم الحالي أبدًا، سيُحتاج دائمًا إلى أحجارٍ قبل أن تصل حجر اليوم، وهذا التسلسل إلى المالانهاية مستحيل، وبالتالي لا بد للعالم من بداية زمانيةٍ ومكانيةٍ، لأنّ لكل فلكٍ دورة تُقاس بالنسبة له وتحدد اليوم، ولأنّها تمتد من المالانهاية، فإن المالانهاية في كوكب ما، ستختلف عن المالانهاية في كوكب آخر، وهذا يعني عدم تساوي المالانهايات وهذا مستحيل.[٣٥]


لكن ومع تطور نظرية ميكانيكا الكم: وهي نظرية تتنبأ بعدد من النتائج الممكنة واحتمالات حدوث حدثٍ ما، ولا تتنبأ بحدثٍ أو نتيجة واحدة، وهذا ما يعرف "بمبدأ عدم اليقين"، الذي بدأ يُظهر تعارضه مع النسبية،[٣٦] ومع تعارض النظريات العلمية القديمة والحديثة، فقد ظهرت تأويلات كثيرة في محاولة إدراكنا للعالم وطبيعة الزمان والمكان فيه، حيث يختلط الرأي العلمي بالمرجعية الدينية، فمثلًا: نجد بعض العلماء التجريبيين يميلون إلى رفض نظرية الانفجار العظيم؛ لأنها تخدم النظرة الدينية عن بداية الكون والزمن.[٣٧]


والخلاصة: إن حساب الزمن يختلف باختلاف حالة المُراقب، إذا ما كان متحرّكا أو ساكنًا، أو إذا ما كان متأثرًا بالجاذبية على حسب قوّتها في موقعِه، ولذلك فالمؤثرّات المختلفة تجعل الزمن مسألة نسبيّة.

المراجع[+]

  1. آينشتاين، النظرية النسبية العامة والخاصة، صفحة 38. بتصرّف.
  2. "تحديد بداية اليوم ونهايته يختلف باختلاف الأحكام المعلقة عليه"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 8/12/2020. بتصرّف.
  3. أحمد بن حنبل، كتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد الفقه، صفحة 606. بتصرّف.
  4. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:1909، حديث صحيح.
  5. صهيب عبد الجبار، المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة، صفحة 297. بتصرّف.
  6. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عمرو بن العاص، الصفحة أو الرقم:121، حديث صحيح.
  7. ياسر الحمداني، موسوعة الرقائق والأدب، صفحة 4826. بتصرّف.
  8. " صلاة الإشراق أجرها ووقتها"، دار الإفتاء، اطّلع عليه بتاريخ 2020-11-21. بتصرّف.
  9. ستيفين هوكينج، قراءة كتاب تاريخ موجز للزمان من الإنفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، صفحة 27. بتصرّف.
  10. ستيفين هوكينج، تاريخ موجز للزمان من الإنفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، صفحة 27. بتصرّف.
  11. ستيفين هوكينج، قراءة كتاب تاريخ موجز للزمان من الإنفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، صفحة 25-28. بتصرّف.
  12. ستيفن هوكنج، تاريخ موجز للزمان من الإنفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، صفحة 35-42. بتصرّف.
  13. ستيفين هوكينج، قراءة كتاب تاريخ موجز للزمان من الإنفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، صفحة 35-42. بتصرّف.
  14. محمد باسل الطائي، الزمن في الفكر الفلسفي والفكر الإسلامي، صفحة 25. بتصرّف.
  15. أبحاث هيئة كبار العلماء، مجلة البحوث الإسلامية، مجلة البيان وآخرون، مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 74-77. بتصرّف.
  16. ^ أ ب ستيفين هوكينج، قراءة كتاب تاريخ موجز للزمان من الإنفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، صفحة 52. بتصرّف.
  17. ستيفين هوكينج، قراءة كتاب تاريخ موجز للزمان من الإنفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، صفحة 41-42. بتصرّف.
  18. الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، صفحة 114. بتصرّف.
  19. ^ أ ب مجلة البحوث الإسلامية، مجلة البيان، موجز دائرة المعارف الإسلامية وآخرون، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة، صفحة 333. بتصرّف.
  20. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية في مصر، كتاب موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة، صفحة 198. بتصرّف.
  21. أبو حامد الغزالي، كتاب تهافت الفلاسفة، صفحة 110-112. بتصرّف.
  22. الفخر الرازي (1987)، المطالب العالية، بيروت- لبنان:دار الكتاب العربي، صفحة 52-55، جزء 5. بتصرّف.
  23. الجويني، لمع الأدلة، صفحة 103-104. بتصرّف.
  24. الجويني، لمع الأدلة، صفحة 107-109. بتصرّف.
  25. الجويني، لمع الأدلة، صفحة 102-105. بتصرّف.
  26. سورة البقرة، آية:34
  27. سورة القصص، آية:62
  28. عثمان بن محمد الخميس، فبهداهم اقتده، صفحة 348. بتصرّف.
  29. الجويني، لمع الأدلة، صفحة 102-105. بتصرّف.
  30. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:1145، حديث صحيح.
  31. محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، صفحة 144.
  32. محمد بن صالح العثيمين، لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، صفحة 58. بتصرّف.
  33. حسن علي السقاف، صحيح شرح العقيدة الطحاوية، صفحة 343. بتصرّف.
  34. ستيفين هوكينج، قراءة كتاب تاريخ موجز للزمان من الإنفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، صفحة 52. بتصرّف.
  35. أبو حامد الغوالي، تهافت الفلاسفة، صفحة 99. بتصرّف.
  36. ستيفين هويكنج، قراءة كتاب تاريخ موجز للزمان من الإنفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، صفحة 57-59. بتصرّف.
  37. ستيفين هوكينج، قراءة كتاب تاريخ موجز للزمان من الإنفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، صفحة 52. بتصرّف.