التورية في اللغة العربية

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٠١ ، ٧ أغسطس ٢٠١٩
التورية في اللغة العربية

علم البديع

هو علم يُعرف به تحسينُ وجوه الكلام، وهو فرعٌ من فروع علم البلاغة العربية، ويراعي علم البديع مطابقة مقتضى الحال والدلالة الواضحة، وكان أول من جمع علم البديع ووضع قواعده هو الخليفة العباسي عبد الله بن المعتز وكان أديبًا، وذلك في كتابٍ قام بتأليفه بعنوان البديع في نقد الشعر، وقد تعدّدت المؤلفات في هذا العلم مثل كتاب نقد الشعر لقدامة بن جعفر، وينقسم علم البديع إلى قسمين: محسنات لفظية: مثل الجناس والسجع ورد الصدر على العجز، ومحسنات معنوية مثل: الطباق والمقابلة والتورية وحسن التعليل والمشاكلة والتوجيه[١]، وفي هذا المقال سيتم الحديث عن التورية في اللغة العربية.

التورية في اللغة العربية

التورية في اللغة العربية لها معنيان أحدهما لغويّ والثاني اصطلاحيّ، إذ تعني لغةً: إخفاء الشيء، أمّا في الاصطلاح فتُعرّف التورية أنّها: إيراد لفظ له معنيان، معنى قريب ظاهر غير مقصود ومعنًى بعيد خفي وهو المقصود، يعني أن يقول المتحدث كلامًا له معنى يفهمه السامع ولكن المتحدث يريد معنًى آخر[٢]، ولكن لا بدّ من وجود قرينة تدلّ على المعنى البعيد يستطيع أن يتوصل إليها السامع بالتروي والتأمل، وقد يطلق على التورية في اللغة العربية الإيهام، ويكمن جمال التورية في اللغة العربية فيما يأتي:[٣]

  • يستطيع الأديب من خلال التورية التلطف، وأن يبلغ غايته من النص وأن يخفي المعنى الحقيقي، وقد يستخدمها بعض الشعراء والأدباء في الهجاء.
  • التورية يمكن أن تحرّك الذهن وتثير الشعور عند التأمل في معرفة المعنى البعيد المقصود غير المعنى الظاهر.
  • تزيد من مرتبة الأديب، وتعطي حسنًا وجمالًا للنص الأدبيّ.

أنواع التورية في اللغة العربية

تعدّدت أساليب الشعراء والأدباء في إيراد المعنى المقصود، فمنهم من يأتي بالمعنى بشكل مباشر ومنهم من يستخدم المحسنات البديعية لإعطاء جمال ورونق للنص الأدبي، ومن المحسنات البديعية المستخدمة في هذا التورية، وتقسم التورية في اللغة العربية إلى أربعة أقسام:[٤]

  • التورية المجرّدة: وهي التورية التي لم يذكر فيها لازم من لوازم المعنى القريب وهو المورى به، ولا من لوازم المعنى البعيد وهو المورى عنه.
  • التورية المرشحة: وهي التورية التي يُذكر فيها لازم من لوازم المعنى القريب وهو المورى به، وقد يُذكر هذا اللازم قبل المورى به أو بعده.
  • التورية المبيّنة: وهي التورية التي يُذكر فيها لازم من لوازم المورى عنه، ويكون هذا اللازم قبل لفظ التورية أو بعده.
  • التورية المهيأة: وهي التورية التي حصلت نتيجة ارتباطها بلفظ قبلها أو بعدها، أو أن تكون التورية في لفظين، لولاهما لَما كانت التورية.

التورية في القرآن الكريم والسنة النبوية

وردَ في القرآن الكريم بعض الأمثلة عن التورية في اللغة العربية، وقد تحدث الرسول-صلى الله عليه وسلم- عن التورية عند حاجة المسلم لاستخدامها إذا كان لذلك مبرر فقال-صلى الله عليه وسلم-: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب"[٥] يعني التورية، ومن أمثلة التورية في اللغة العربية من القرآن الكريم والسنة النبوية:

  • قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ}[٦]،جاءت التورية هنا في لفظ {جَرَحْتُم} وتحتمل معنيان: معنًى ظاهر غير مقصود وهو الجرح في الجسم، ومعنًى آخر بعيد مقصود وهو إرتكاب الذنوب والمعاصي.[٧]
  • قول الله تعالى: {حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}[٨]، جاءت التورية في هذه الآية بكلمة يد، ولها معنيان معنًى قريب غير مقصود وهي عضو من أعضاء جسم الإنسان، ومعنًي بعيد مقصود وهو الذل والهوان.
  • "أقبل نبي الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة وهو مُردِفٌ أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعرَفُ، ونبي الله شابٌّ لا يُعرَفُ، قال: فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق؛ وإنما يعني سبيل الخير"[٩]، جاءت التورية في لفظ السبيل ومعناه الطريق يعني أنه يدلّه على الطريق، لكن المعنى البعيد المقصود هو أنَّ الرسول-صلى الله عليه وسلم- يدلّه إلى الخير.

التورية في الشعر العربي

ورد في الشعر العربي ألوان من البلاغة والبديع، وتفنن الشعراء في استعمال الألفاظ والمعاني حتى يخرجوا بأبيات شعرية بعضها ما زالت باقية منذ العصر الجاهلي حتى الآن، ومن أمثلة التورية في اللغة العربية من الشعر العربي ما يأتي:[٤]

  • أصونُ أديمَ وجهي عن أناسٍ
لقاء الموتِ عندهم الأديبُ

ورُّبَّ الشِّعر عندهم بَغيضُ

ولو وافى به لهم حَبيبُ

جاءت التورية هنا في لفظ حبيب وللكلمة معنيان: المعنى القريب هو المحبوب وهذا المعنى القريب الذي لم يريده الشاعر، والآخر هو المعنى البعيد الذي أراده الشاعر ويقصد به أبو تمام الشاعر وهو حبيب بن أوس.

  • يا عاذلي فيهِ قُلْ لي
إذا بَدا كيف أَسلو؟

يمرُّ بي كلَّ وقتٍ

وكلّما مَرَّ يحلو

جاءت التورية هنا في لفظ مَرَّ وله معنيان: الأول قريب وهو طعم المرارة ولكن الشاعر لم يقصد هذا المعنى، بل قصد المعنى البعيد وهو المرور.

  • جُودوا لنسجَعَ بالمديـ
حِ على عُلاكم سَرْمَدا

فالطيرُ أحسن ما تغرّ

دُ عند ما يقعُ النَّدى

جاءت التورية هنا في لفظ الندى وله معنيان: المعنى القريب الذي لم يريده الشاعر وهو قطرات الماء في الصباح الباكر، ومعنى بعيد أراده الشاعر وهو الجود والكرم.

المراجع[+]

  1. "علم البديع"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 22-07-2019. بتصرّف.
  2. "متى تصح التورية ؟ وما هي الضرورة فيها ؟"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 22-07-2019. بتصرّف.
  3. "التورية"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 22-07-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب عبد العزيز عتيق، علم البديع (الطبعة الأولى)، بيروت - لبنان: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 124. بتصرّف.
  5. رواه البيهقي، في السنن الكبرى للبيهقي، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، الصفحة أو الرقم: 10/199، موقوف وهو الصحيح.
  6. سورة الأنعام، آية: 60.
  7. "التورية"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 22-07-2019. بتصرّف.
  8. سورة التوبة، آية: 29.
  9. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 3911، صحيح.