التواضع في الإسلام

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٤٢ ، ١٩ ديسمبر ٢٠١٩
التواضع في الإسلام

الأخلاق في الإسلام

إنّ للأخلاق عموماً، وللتواضع في الإسلام بشكلٍ خاصٍ، مكانةٌ عاليةٌ، وشأنٌ عظيمٌ، ومنزلةٌ رفيعةٌ، فالأخلاق أحد الأصول الأربعة التي يقوم عليها هذا الدين؛ فهو يقوم على الإيمان، والأخلاق، والعبادات والمعاملات، ولهذا دعا الله -تعالى- عباده المسلمين إلى التّحَلّي بالأخلاق، فالدعوة إلى الله وتوحيده -تعالى- وإخلاص العمل له تتطلب من العبد أن يكون ذا خُلُقٍ حَسَن، كما أنّ الفطرة السليمة تدعو صاحبها إلى التّحلّي بالأخلاق الحسنة، وذمِّ الأخلاق السيئة، وقد بيَّن الله -تعالى- هذه المكانة في العديد من الآيات الصريحة في كتابه العزيز، فضلاً عن العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة التي أشارت إلى فضل ومكانة وقيمة الأخلاق ودورها في بناء المجتمع وغرس القيم بين أفرداه،[١] ومن ذلك ما جاء في قول الله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}،[٢] أما من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ورد عن الصحابي الجليل أَبِي الدرداء - رضي الله عنه – أنه َقالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: مَا مِنْ شَيْءٍ فِي اَلْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ اَلْخُلُقِ،[٣] وفي هذه المقالة سيتم بيان أحد أبرز الأخلاق التي دعا لها الإسلام وحثَّ عليها، حيث ستبحث المقالة موضوع التواضع في الإسلام من حيث دعوة نبي الله له، وآثاره وبعض الأمور الأخرى المتعلقة به.

التواضع في الإسلام

يُعدّ التواضع في الإسلام من أبرز الأخلاق والصفات المحمودة التي ينبغي على العباد التّحَلّي بها لنيل رضا الله تعالى، فالتواضع في الإسلام، من صفات الأنبياء والمرسلين، ومن صفات عباد الله الصالحين، حيث قال الله -تعالى- في القرآن الكريم: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}،[٤] فمن صفات عباد الله الصالحين أن تكون مشيتهم على الأرض مشيةً هيّنةً سهلةً بلا تكلفٍ، ولا خُيلاء، وأن يكون تواضعه مع الله تعالى، ومع الناس، وقد حثَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم المؤمنين على التواضع في كثيرٍ من الأحاديث النبوية،[٥] حيث قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنَّ اللهَ أَوْحَى إليَّ: أن تَواضَعوا حتى لا يفخرَ أحدٌ على أحَدٍ، و لا يبغي أحدٌ على أحَدٍ،[٦] وحتى يكون العبد متّصفاً بخُلُقِ التواضع في الإسلام لابدّ أن يتوفر فيه شرطين هما؛ الإخلاص، والقدرة، فلا بدّ للعبد أن يبتغي ويقصد في تواضعه إرضاء الله تعالى، ولا بد أن يكون ذا قدرةٍ كاملةٍ على فعل وترك ما يريد.[٧]

التواضع في القرآن الكريم والسنة النبوية

التواضع في الإسلام يندرج تحت باب الأوامر الإلهية؛ لما له من أهميةٍ عظيمةٍ وأثرٍ جليل، وقد بينت ذلك نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وفيما يأتي بيان بعض النصوص التي ذكرت أو أشارت إلى معنى التواضع:

التواضع في القرآن الكريم

في القرآن الكريم العديد من الآيات التي أشارت إلى موضوع التواضع والتي تدعو وتحث على هذا الخُلُق العظيم، وهذه الآيات بمجملها لم تورد لفظة التواضع صراحة وإنما أشارت إليه من خلال إيراد بعض الكلمات الدالة عليه، ومن هذه الآيات القرآنية ما يأتي:[٨]

  • قول الله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.[٩]
  • قول الله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا}.[١٠]
  • قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}.[١١]

التواضع في السنة النبوية

حثّ الدين الإسلامي الحنيف ورغَّب في التواضع، ابتغاءً لمرضاة الله تعالى، فمن تواضع لله رفعه، وقد جاءت نصوصٌ كثيرةٌ في السُنة النبوية تحث على التواضع في الإسلام، ومن تلك النصوص ما يأتي:[١٢]

  • ما رواه الصحابي الجليل أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي- صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ، إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ.[١٣]
  • ما رواه الصحابي الجليل عياض بن حمار -رضي الله عنه- عن النبي- صلّى الله عليه وسلّم- قوله: إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ علَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ علَى أَحَدٍ،[١٤]أي أن يتواضع العبد لأخيه، سواءٌ أكان مثل عمره أو أكبر منه أو أصغر منه.
  • ما رواه الصحابي الجليل حارثة بن وهب رضي الله عنه أنَّه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ الجَنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لو أقْسَمَ علَى اللهِ لأَبَرَّهُ، ثُمَّ قالَ: ألا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قالَ: كُلُّ عُتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ.[١٥] فهذه النصوص النبوية والآيات الشريفة تدل على أهمية التواضع في الإسلام ومكانته الرفيعة.

ثمرات التواضع

ذكر العلماء -رحمهم الله- للتواضع في الإسلام ثمارٌ وفوائدٌ عديدةٌ، وتلك الثمرات قد توّصل إليها العلماء -رحمهم الله- من خلال بحثهم في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية سالفة الذكر، وغيرها من النصوص، ومن أبرز تلك الثمرات ما يأتي:[١٦]

  • محبة الله -تعالى- لعباده المتواضعين؛ فإنّ الله -تعالى- مدح في القرآن الكريم التذلُّل لعباده المؤمنين، وكذلك خفض الجناح والذلّ للوالدين.
  • إكرام الله -تعالى- للعباد المتواضعين يوم القيامة.
  • رفعة الله -تعالى- لعباده المتواضعين في الدنيا والآخرة.
  • دخول المتواضعين الجنة.

علامات التواضع

للتواضع في الإسلام مظاهرٌ وعلاماتٌ يُعرف بها العبد، ويمتاز بها، ويمكن الوصول إلى تلك المظاهر والعلامات من خلال الاطّلاع على ظاهر حال المسلم، ومن العلامات التي يمكن من خلالها معرفة المسلم المتواضع ما يأتي:[١٧]

  • عدم التعالي أثناء الحديث مع الآخرين.
  • عدم الثناء على النفس لغير حاجة، حيث قال الله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}.[١٨]
  • التواضع عند طلب العلم، فلا يمنع العبد إذا كان مثقفاً أن ينحني بين يدي العلماء، وطلبة العلم؛ ليتعلمَ عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.
  • الاعتراف بالخطأ، وقبول الصواب من الآخرين، مهما كان وضعهم.

وسائل التواضع

ذكر أهل العلم العديد من الوسائل التي تُعِين العبد على التخَلُّق بخُلُق التواضع، والاتصاف به، بعد استعراضهم للأدلة والنصوص الشرعية، الموصلة إلى هذا الخُلُق، ومن الوسائل التي توصل إلى التواضع ما يأتي:[١٩]

  • تقوى الله تعالى: فمن الأمور المهمة التي تعين العبد على التخلّق بخُلُق التواضع، تقوى الله ومخافته، فمتى كان العبد متقياً لله خائفاً منه كان ذلك رادعاً له عن التكبر ووقايةً له عن كل ما يُغضب الله تعالى، ودافعاً له لفعل الطاعات.
  • تطبيق مبدأ عامل الناس كما تحب أن يعاملوك: فالمرء بطبعه يُحب أن يتواضع له الناس، ويعاملوه بكل رفقٍ ولين، ويبغُض كل من يعامله بتكبر.
  • التفكر في أصل الإنسان: فإذا عرف الإنسان نفسه، وأنّ أصله من التراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، إلى أن جعله شيئاً مذكوراً، واذا عرف أنّ آخره إلى الموت كان رادعاً له عن التكبر.
  • معرفة الإنسان لقدره: فمتى عرف الإنسان قدره، وحدود قوته، وقارنها بقدرة وقوة الله تعالى، وأنّه ضعيف مقارنةً بقوة الخالق، لا يسعه إلاّ أن يكون متواضعاً.
  • تذكر المصائب والأمراض والأوجاع: وما لأهلها من تواضع وتذلل.
  • تطهير القلب من الأمراض؛ كالحسد والحقد، والعُجب والغرور، وذلك لأنّ القلب إنّما هو موطنٌ لكل هذه الأمراض فإذا طَهُر صلُح العمل.

المراجع[+]

  1. "حسن الخلق"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 9-12-2019. بتصرّف.
  2. سورة آل عمران، آية: 134.
  3. رواه الألباني، في السلسلة الصحيحة، عن أبو الدرداء، الصفحة أو الرقم: 2/535 ، إسناده صحيح.
  4. سورة الفرقان، آية: 63.
  5. "التواضع زينة الأخلاق1"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 9-12-2019. بتصرّف.
  6. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن عياض بن حمار، الصفحة أو الرقم: 1725، حسن.
  7. "التواضع في الاسلام"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 9-12-2019. بتصرّف.
  8. "آيات عن التواضع للمؤمنين"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 11-12-2019. بتصرّف.
  9. سورة الشعراء، آية: 215.
  10. سورة الإسراء، آية: 37.
  11. سورة المائدة، آية: 54.
  12. "التواضع في السنة النبوية"، www.dorar.net، اطّلع عليه بتاريخ 10-12-2019. بتصرّف.
  13. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 2588، صحيح.
  14. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عياض بن حمار، الصفحة أو الرقم: 2865، صحيح.
  15. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن حارثة بن وهب الخزاعي، الصفحة أو الرقم: 2853، صحيح.
  16. "التواضع"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 11-12-2019. بتصرّف.
  17. "علامات التواضع"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 11-12-2019. بتصرّف.
  18. سورة النجم، آية: 32.
  19. "الوسائل التي تعين على اكتساب التواضع"، www.dorar.net، اطّلع عليه بتاريخ 11-12-2019. بتصرّف.