ميكانيكا الكم الحديثة: هل نجحت التجارب الحديثة في إثباتها؟

ميكانيكا الكم الحديثة: هل نجحت التجارب الحديثة في إثباتها؟


ميكانيكا الكم الحديثة: هل نجحت التجارب الحديثة في إثباتها؟

مفهوم ميكانيكا الكم الحديثة

لأي العلوم تنتمي ميكانيكا الكمّ الحديثة؟ تعدّ ميكانيكا الكمّ (بالإنجليزيّة: Quantum Mechanics) فرعًا من فروع علم الفيزياء الذي يدرس الميكانيكا الصغيرة جدّاً،[١] فهوَ علم يتعامل مع سلوك المادة والضوء على مقياس الجزيئات والذرات ومكوناتها التي تشمل الإلكترونات، والبروتونات، والنيوترونات، وبعض الجسيمات الأخرى الباطنية مثل الكواركات والغلوونات،[٢] فيقدّم هذا العلم وصفًا وتفسيرًا لخصائص هذه الأجسام مثل وصف حركة الأجسام بأحجام وسرعات مختلفة، وتفاعلات الجسيمات مع بعضها البعض،[١] وتفاعل الجسيمات مع الإشعاع الكهرومغناطيسي، وغيرها.[٢][١]


يتميّز علم ميكانيكا الكمّ بكونه يقدّم نتائج غير متوقعة ومختلفة عن النتائج التي تقدّمها الميكانيكا الكلاسيكيّة التقليديّة، وذلكَ عندما تتعلّق النتائج بالأجسامِ الصغيرة أو الخفيفةِ جدّاً،[٣] وقد بدأَ ظهور علم ميكانيكا الكمّ منذ مطلع القرن العشرين، وقد ساهمَ في نشأتها العديد من العلماء الذينَ قدّموا 3 مبادئ ثوريّة في هذا العلم، وهيَ:[١]

  • الخصائص الكميّة: مثل خصائص الموضع، والسرعة واللون، فقد وضعَ العلماء مبدأ ينصّ على أنّ مثل هذه الخصائص قد تحدث أحياناً فقط بمقدار دقيق ومحدد، وهوَ مبدأ يعارض الميكانيكا الكلاسيكيّة التي تنصّ على أنّ هذه الخصائص يجب أن تكون ضمن طيف سلس ومستمرّ، وقد صيغَ من هذا المبدأ مفهوم التكميم.
  • جزيئات الضوء: كانَ من المتعارفِ عليه علميّاً وبالتجارب العلميّة أنّ الضوء يتصّرف كموجة، إلّا أنّ ميكانيكا الكمّ تصف الضوء على أنّه يتصّرف أحياناً كجسيم، كأن يرتدّ عن الجدران، وتتراكم قمم وقيعان موجاته أو تلغي بعضها البعض، وغيرها من المبادئ.
  • موجات المادة: ينصّ المبدأ على أنّ المادة قد تتصرّف كموجات، وهو عكس ما كانَ متعارفاً عليه سابقاً بأنّ المادّة ليست سوى جسيمات.


هل نجحت التجارب الحديثة في إثبات نظرية ميكانيكا الكم؟

قد تظهر فيزياء الكم على أنّها غريبة، ولكنّ التجارب الحديثة أثبتت صحّة نظرية ميكانيكا الكمّ، وفيما يلي أبرز التجارب التي تعدّ دليلاً على صحّة هذا العلم ونظرياته:


تجربة تداخل الجزيء الواحد

تثبت هذه التجربة صحّة نظرية ميكانيكا الكمّ المتعلقة بازدواجيّة طبيعة الأجسام (أي أنّ الأشياء كلّها في الكون لها طبيعتيْن، طبيعة جسيمية وموجة)، وقد كانت أوّل تجربة لإثبات صحّة النظريّة على يد العالم روبرت ميليكان، الذي برهنَ نظرية آينشتاين حول التأثير الكهروضوئيّ أو ما يسمّى الفوتونات حاليًا، وتبعه العالم لويس دي برولي الذي وضّح الطبيعة الموجيّة للإلكترون من خلال تجربة أدّت إلى انحراف الإلكترون عن النيكل، وتجربة جورج باجيت طومسون التي بيّنت حيود الإلكترونات عن الأغشية الرقيقة، وغيرها من التجارب التي تعتمد على إظهار التداخل بينَ موجات المادّة التي تمرّ عبرَ شقين أو أكثر في حاجز.[٤]


تجربة الكمّ اللامحليّ

قامَ العالم آلان أسبكت وزملاؤه في فرنسا بعمل تجربة في أوائل الثمانينيّات، وقد استخدموا فيها ذرات الكالسيوم المُثارة إلى حالة معينة من الطاقة العالية، والتي انبعثَ منها فوتونان في اتجاهين متعاكسين، في حين تشابكت استقطاباتهما، ثمّ استمرّت التجارب المشابهة من قبل شركة أسبكت،[٤] والتي كانت تعمل على إثبات نظرية الكم التي تنصّ على أنّ نتائج القياسات التي تؤخذ في موقع معيّن يمكن أن تعتمد على خصائص الأشياء البعيدة عن الذرة المراد قياس خصائصها، وهو ما يعرف بالتشابك.[٥]


أفكار وفرضيات ميكانيكا الكم

فيما يلي مجموعة من أهمّ الأفكار والنظريات المطروحة في ميكانيكا الكمّ:

  • الكون مكمم: تطرح هذه الفرضيّة فكرة وجود وحدات كموميّة منفصلة لكميّات مألوفة مثل؛ الطاقة، والزخم، والشحنة الكهربائية، والكتلة، أي أنّ هذه الكميّات غير مستمرة، بل يوجد بينَ وحداتها الصغيرة فترات فاصلة.[٦]
  • الحالة الكموميّة: توضّح هذه النظريّة أنّ جميع الجسيمات دون الذريّة تنتقل من حالة كموميّة إلى أخرى، ولا يمكن أن تتواجد بين حالتين، وقد تكون الحالة عبارة عن طاقة، أو زخم زاوي، أو خصائص أخرى.[٦]
  • مبدأ عدم اليقين: وهو ينصّ على أنّه "لا يمكن تحديد موقع وزخم أي شيء في وقت واحد بدقة غير محدودة".[٦]
  • نظرية الأطياف الخطية للغازات المُثارة: توضّح هذه النظريّة أنّه عند مرور تيّار كهربائيّ عبرَ غاز منخفض الضغط، سينطلق منه ضوء يتكوّن من خطوط لونيّة منفصلة وضيّقة، إذ يمكن رؤية هذه الألوان من خلال النظر إليه عبرَ الموشور.[٦]
  • نظرية المجال المحدد: تحاول هذه النظريّة التوفيق بينَ مبادئ الفيزياء الكميّة ونظريات آينشتاين للنسبيّة العامّة، ومن أبرز المواضيع التي تتعلق بهذه النظريّة: الجاذبيّة الكموميّة، وحلقة الجاذبيّة الكميّة، ونظريّة الأوتار، والنظريّة الموحدة الكبرى، والتناظر الفائق، وغيرها.[٧]
  • نظرية التشابك الكميّ: تصف هذه النظرية حالة الارتباط بين الجسيمات المتعددة.[٧]


تطبيقات على نظرية ميكانيكا الكم

كيفَ استفادَ العلماء من نظرية ميكانيكا الكمّ في التطبيقات العمليّة؟ يتم تطبيق نظريات ميكانيكا الكمّ في العديد من المجالات، وفيما يلي أهمّ التطبيقات:

  • الليزر: يعتمد مبدأ عمل الليزر على ميكانيكا الكمّ، فهوَ جهاز ينبعث منه ضوء أحاديّ اللون من خلال عمليّة التضخيم الضوئي التي تعتمد في حدوثها على الانبعاث المحفز للفوتونات مسببةً تضخيم الضوء.[٨]
  • الهولوغرافي: وهو جهاز تقنية بصريّة يعمل على إنتاج صور ثلاثيّة الأبعاد، وهو مرتبط بميكانيكا الكمّ لكونه يعتمد في عمله على الليزر، والتداخل والانحراف.[٨]
  • الضوء الفلوريّ والفسفوريّ: يعدّ الضوء الفلوريّ شكلاً من أشكال التلألؤ الضوئيّ، ويقوم مبدأ عمله على انبعاث الضوء من مادة امتصت الضوء أو أي إشعاع كهرومغناطيسي آخر، أمّا الضوء الفسفوريّ فهوَ مرتبط باللمعان، وهو مشابه للضوء الفلوريّ إلّا أنّ المادة الفسفوريّة لا تقوم بإعادة إصدار الإشعاع على الفور، ومن التطبيقات العمليّة لهذا الضوء: الطلاء، والألعاب، وأقراص الساعات المتوهجة في الظلام.[٨]
  • كيمياء الكمّ: وهيَ من أبرز التطبيقات لميكانيكا الكمّ على علم الكيمياء، وتشمل دراسة الترابط الكيميائيّ،[٩] والجدول الدوريّ الذي يعرض العناصر الكيميائيّة حسب أعدادها الذريّة، وتكوينات الإلكترون، وخصائصها الكيميائيّة.[٨]
  • الكمبيوتر والأجهزة الذكيّة: وهيَ أجهزة تعمل على أشباه الموصلات التي صممّت بالتلاعب بالخصائص الكهربائيّة للسيليكون، ولا يمكن عمل ذلك إلّا بمبدأ من مبادئ ميكانيكا الكمّ الذي يشرح طبيعة عمل الموجة.[١٠]
  • أجهزة الاتصالات: تعمل أجهزة الاتصالات بالألياف الضوئيّة التي تعدّ ميكانيكا كلاسيكيّة، ولكنّ دور الميكانيكا الكموميّة يكون في مصادر الضوء المستخدمة لإرسال الرسائل، والتي تعدّ أجهزة كموميّة مثل الليزر.[١٠]
  • نظام تحديد المواقع: يعمل نظام تحديد المواقع في الهواتف الذكيّة أو ما يعرف نظام GPS بفضل ميكانيكا الكمّ.[١٠]
  • تطبيقات أخرى: دخلت نظريات ميكانيكا الكمّ في العديد من التطبيقات الأخرى مثل البصريّات الكموميّة، والإحصاء الكميّة، وصناعة مغناطيس فائق التوصيل، والترانزستورات، والتصوير بالرنين المغناطيسيّ، والمجهر الإلكترونيّ، وغيرها.[٩]


الخلاصة

تعد ميكانيكا الكم إحدى فروع علم الفيزياء، والتي تدرس سلوك المادة والضوء ضمن جسيمات دقيقة جدًا، وتقدم تفسيرًا لحركتها وتفاعلاتها مع بعضها البعض، والتي تتضمن العديد من الأفكار والفرضيات، أهمها؛ الكون المكمم، والحالة الكمومية، ومبدأ عدم اليقين، وغيرها من النظريات المهمة، وقد نجحت العديد من التجارب الحديثة في إثباتها، ومن أبرزها؛ تجربة تداخل الجزيء الواحد، وتجربة الكم اللامحلي، وقد استفيد من ميكانيكا الكم في العديد من التطبيقات العملية؛ كالليزر، والهولوغرافي، والضوء الفلوري، وكيمياء الكم، وأجهزة الاتصالات، والكمبيوتر، وغيرها العديد.

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت ث Robert Coolman (27/9/2014)، "What Is Quantum Mechanics"، Live Science، اطّلع عليه بتاريخ 19/6/2021. Edited.
  2. ^ أ ب Gordon Squires (1/6/2021), "Quantum Mechanics", Britannica, Retrieved 19/6/2021. Edited.
  3. "Quantum Mechanics", Chemistry LiberTexts, 16/8/2020, Retrieved 19/6/2021. Edited.
  4. ^ أ ب Chad Orzel, "Three Experiments That Show Quantum Physics Is Real", Forbes, Retrieved 19/6/2021. Edited.
  5. Chad Orzel, "Six Things Everyone Should Know About Quantum Physics", Forbes, Retrieved 19/6/2021. Edited.
  6. ^ أ ب ت ث "Summary of Important Ideas in Quantum Physics ", Weinberg College Of Arts & Sciences, Retrieved 19/6/2021. Edited.
  7. ^ أ ب Andrew Jones (16/8/2019), "Quantum Physics Overview", Thought Co, Retrieved 19/6/2021. Edited.
  8. ^ أ ب ت ث "Applications of Quantum Mechanics", Lumen Learning, Retrieved 19/6/2021. Edited.
  9. ^ أ ب "Quantum Theory", By Ju's Classes, Retrieved 19/6/2021. Edited.
  10. ^ أ ب ت Chad Orzel (13/8/2015), "What Has Quantum Mechanics Ever Done For Us", Forbes, Retrieved 19/6/2021. Edited.

72 مشاهدة