من منظور نفسي: ما هي أهداف تكوين العلاقات بين الراشدين

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٣٩ ، ٢٥ يوليو ٢٠٢٠
من منظور نفسي: ما هي أهداف تكوين العلاقات بين الراشدين

العلاقات الاجتماعية

إنّ الإنسان بطبعِهِ كائنًا اجتماعيًّا، ولا يستطيع العيش بصورةٍ طبيعيّة إلّا بوجودِ التفاعلات التي تتمّ بينه وبين الأفراد من حوله، فإنّ الإنسان ومنذ وجوده على الأرض كان هدفه إقامة علاقات مع الآخرين من جنسه[١]، وقد طوّر الإنسان الكثير من الوسائل والطرق حتى يتمّ هذا التواصل ويتحقّق الفهم بينهم، وإن أراد الفرد العودة إلى أصل العلاقات الاجتماعية بين البشر سيجد أنّها قديمة قِدَم البشر قد بدأت مع بداية خلق الله للإنسان وتكاثره على وجه الأرض، وقد برزت حاجة الإنسان للتفاعلات الاجتماعية باعتبار البشر كائنات لهم مشاعر وقيم وحاجات اجتماعية ونفسية، فإن العلاقات الاجتماعية تؤثر وبشكل كبير على الصحة النفسية للإنسان، وإن مصطلح العلاقات الاجتماعية يصف جميع التفاعلات بين الأفراد في المجال اجتماعيّ، سواء كانت إيجابيّة مثل الاحترام والتسامح أو سلبية مثل التكبر والقسوة، ومن المهم دراسة هذه العلاقات الاجتماعية بين الناس لزيادة القدرة على تطوير المهارات الاجتماعية وفَهم مبادئ العلاقات الاجتماعية مثل الكرامة والفروق الفردية والمصلحة المشتركة والحوافز والتعاون.[٢]

ما هي أهداف تكوين العلاقات بين الراشدين

تعدّ العلاقات بين الرّاشدين عاملًا مُهمًّا في الحفاظ على الصحّة النفسية، والتي تعكس بدورِها على صحّة الفرد الجسدية، لذا كان من المهم لدى الأفراد تكوين علاقات فيما بينهم، ويوجد لهذه العلاقات العديد من الأهداف التي يسعى الفرد لتحقيقها، منها الآتي:

الدعم الاجتماعي

إنّ من أهداف تكوين العلاقات بين الراشدين الحصول على الدعم الاجتماعي، فإن الإنسان يحتاج إلى الشعور بالرعاية والمساعدة من الأشخاص المحيطين به، فإن الشبكة الاجتماعية التي يكوّنها الفرد تزوّده في هذا الدعم الاجتماعيّ، وهناك أنواع للدعم الاجتماعي التي يمكن تقديمُها، منها الدعم الوجداني، والذي يكون بإظهار التعاطف والحنان والمودة والمحبة والثقة والتقبل والتآلف والتشجيع والرعاية والدّفء، والدعم الملموس، مثل تقديم المساعادة المالية أو الخدمات، والدعم المعلوماتي وهو تقديم النصح والتوجيه والمعلومات والاقتراحات المفيدة للآخرين، وتلك المعلومات تكون من شأنها حل مشاكلهم، وإن مصادر هذا الدعم كثيرة مثلالأسرة والأصدقاء والزوج والزوجة وزملاء العمل، ومن أهم المقدمين لهذا الدعم هما الزوج والزوجة لأن لهذا الدعم أثر كبير على الصحة النفسية وتقليل والتوتر والضعوط النفسية والاكتئاب، ومن الجدير بالذكر أن هناك فروق بين الجنسين في تقديم الدعم الاجتماعي فإن النساء يقدّمن الدعم أكثر من الرجال ويشاركن بشكل أكبر في شبكة العلاقات الاجتماعية وأيضًا فإنّ النساء يبحثن بشكل أكبر على الدعم الاجتماعي عند مواجهتهن للضغوطات، فالدّعم الاجتماعي يمكن أن يكون الهدف الأساسي الذي يدفع النساء لتكوين العلاقات.[٣]

تحقيق الانتماء

إنّ الانتماء غريزة بشريّة وفطرة طبيعيّة يولد بها الإنسان، بل لا يمكن التخلّي عنها أو التفريط بها، فالانتماء يولّد لدى الأفرد الشعور بالحب والولاء والافتخار، كما أنّ الانتماء يقي الفرد من العزلة والانطواء وشعوره بالفردية، وأيضًا فإن الانتماء يساعد الفرد على الشعور بهوية واضحة ويبعده عنالاضطرابات النفسية والاغتراب المجتمعي، وكما أنّه يُسهم بالمحافظة على الروابط الأسريّة[٤], ويقصد بالانتماء الانتساب لدائرة معينة من الأفراد، وقد ينتمي الفرد لأكثر من دائرة، لذا فإنّ الإنسان يسعى إلى تكوين العلاقات المختلفة ليحصلَ على أكثر من دائرة اجتماعية تحقق له الشعور بالانتماء، فعند حدوث الأزمات يحتاج الفرد للانتماء لمجموعة من الأفراد ليشعر بالأمان.[٥]

تحقيق المصلحة المتبادلة

اعتقد هومانز الذي أسس نظرية التبادل الاجتماعي أن العلاقات بين الراشدين تتشكل بهدف الربح المتحقّق من تلك العلاقة، فنظر إلى العلاقات على أنها مشروع ربح وخسارة، ومن خلال ذلك ينظر الفرد إلى ما يكسبه من العلاقة ويطرح منه كلفة تلك العلاقة، وكلما زادت الأرباح وقلت التكلفة زادت الجاذبية بين الأفراد، ويرى أيضًا العالم بلاو أن التفاعلات وتكوين العلاقات بين الناس باهظ الثمن بمعنى أن الفرد يبذل الكثير من الجٌهد والوقت والطاقة والمال والمشاعر والخبرات التي قد تكون مؤلمة، لذا ينبغي أن يفوق ما يجنيه الفرد من العلاقة ما يصرفه فيها من تكاليف حتى تتشكل العلاقة، وهنا يوضحّ أن العلاقات بين الناس تقام على أساس ما يقدمه الفرد للآخرين وما يقدمه الآخرين له، مع أن بعض العلماء رأى أنه من غير المناسب النّظر إلى العلاقات بين البشر بهذه الطريقة الاقتصادية.[٦]

مراحل تكوين العلاقات بين الراشدين

إنّ الإنسان -وعلى مرّ العصور- يُكوّن العلاقات، وتلك العلاقات قد تستمرّ وقد يصيبها الركود وتنتهي وتزول، وهناك عددٌ من النّظريّات التي شرحت مراحل تكوين العلاقات بين الراشدين بشكلٍ مفصّل، ومن تلك المراحل الآتي:[٧]

نظرية المصفاة

يَرى أصحاب هذه النظرية كيركوف وديفز أنّ العلاقات بين البشر تمرّ بسلسلة من المصافي، فقد لاحَظا عددًا من "المَصافي" التي تمرّ بها العلاقة حتى تتحقق، أول مصفاة هي التّشابه في الخلفية الثقافية والديمغرافية مثل: العِرق والدين والطبقة الاجتماعية وقد تمّ وضعها كمصفاة أولى؛ لأنّها تحدد إمكانية اللقاء بين الأفراد في المقام الأول، إذ إنّ اختيار الإنسان للأصدقاء والأحباب يتحدد بمن يستطيع مقابلتهم في الواقع، وبالتالي فتكون هذه المصفاة محكومة بالظروف الاجتماعية، أمّا المصفاة الثانية تكون في التشابه في الخصائص النفسية وبالأخص التشابه في القيم الأساسية فإن من خلال هذا التشابه يمكن التنبؤ بإمكانية استمرار العلاقة وثباتها، وبعد استمرار العلاقة وتصنيفها بالعلاقة بعيدة العهد تمر العلاقة بمصفاة ثالثة وهي الحاجات العاطفية، وهو المتغير الأقدر على التنبّؤ باستقرارالعلاقة، فإنّ التكامل في الحاجات العاطفية يؤهل العلاقة للاستمرار عبر الزمن.[٧]

نظرية مورستين

يرى العالم مورستين أنّ العلاقات تتم من خلال عدة مراحل، تبدأ بالانجذاب القائم على الشكل الخارجي والسمات الخارجية، وتسمّى هذه المرحلة مرحلة التنبيه، فينتبه الفرد إلى أنّ هناك شخصًا آخر يعجبه شكلُهُ الخارجيّ كجمال الهيئة أو الملابس، ثمّ بعد التقرّب ينتقل الفرد إلى المرحلة الأخرى وهي مرحلة التشابه في القيم والاعتقادات، وإن استمرت العلاقة ينتقل إلى مرحلة الدّور، وبهذه المرحلة يتطلب من كل طرف القيام بدوره المطلوب منه في العلاقة حتى يضمن استمراريتها، كالقيام مثلًا بدور الزوج أو الزوجة، وتعد هذه المرحلة أهم مرحلة تضمن الحصول على علاقة سعيدة طويلة المدى مع استمرارية تأثير الشكل الخارجي والقيم والمعتقدات التي يحملها طرفَا العلاقة.[٧]

نظرية ليفنجر

يَرى ليفنجر أن العلاقات بين الراشدين تمرّ يخمس مراحل، يمكن لتلك المراحل أن تدفَعَ العلاقة للتقدّم أو تحمّل عوامل سلبية تحول دون تطور العلاقة وتقود لفشلها، أولها التعارف أو التّجاذب المبدئي ويتكون من خلال التفاعل المتكرر مع الشخص في عدم وجود فرصة لتكرار التفاعل، فإنّه تنتهي فرصة تكوين العلاقة، المرحلة الثانية تكون بناء العلاقة ويساعد التّشابه في الاتجاهات وغيرها من الخصائص النفسيّة على بناء وتطوير العلاقة، ثم المرحلة التي تليها تكون بتوثيق العلاقة والاستمرار بها، وقد يحدث بعدها تدهور وانحدار حتى تنتهي تلك العلاقة.[٧]

كيفية إدارة العلاقات بين الراشدين

إنّ إدارة العلاقة بين الراشدين تعمل على الحصول على علاقات طويلة المدى وهذا يعود على صحة الفرد النفسية بالإيجاب، لذا يجب معرفة بعض النصائح التي تؤدي إلى إدارة العلاقة وإدامتها على المدى البعيد، من هذه نصائح الآتي:

  • الابتعاد عن الاستبداد في العلاقة: لا يجب على أيّ فرد استخدام أسلوب الاستبداد مع الآخرين، فإنّ المعاملة الحَسَنة تساعد على إدامة العلاقات، فالعلاقات الزوجيّة أو العلاقات بين الأصدقاء أو العائلة بشكلٍ عامّ يجب أن تبتعدَ عن الاستبداد والطغيان والاستغلال العاطفي.[٨]
  • الاشتراك في اتخاذ القرارات: في العلاقات التي استمرّت لفترات طويلة لوحظ أن الشركاء يشتركون في اتخاذ القرارات، فإنّ هذه الخطوة يمكن أن تقي من الكثير من المشاكل، فيحدث من خلالها الاتفاق والتفاهم بين أطراف العلاقة حتى لو اضطر أحد الطرفين أن يتنازل للآخر يحدث ذلك عن طيب خاطر.[٨]
  • تفادي النقد: إنّ بعض الأشخاص ينتقدون أصدقاءهم بشكلٍ كبير، ممّا يؤدّي لهم الأذى وإنهاء العلاقة في النهاية، لذا من المهمّ الابتعاد عن النقد لأنّه يشعر الآخرين في الإحباط والسّوء.[٩]
  • تجنب التطفل: إنّ إقامة العلاقات مع الآخرين لا تعني التطفّل على حياتهم الشخصية، فالأسئلة الكثيرة ومحاولة التدخل في جميع أمور الآخرين قد يؤثر سلبًا على العلاقة.[٩]
  • الهدوء والتأني: إن إدارة العلاقة تحتاج إلى الهدوء والتأنّي، فإنالعصبية والانفعال تشعر الآخرين بعدم الراحة في العلاقة، أما الهدوء يعطي الشعور بالراحة والانسجام ويفتح الرغبة في الحديث والاستماع أيضًا.[٩]
  • الابتسام: إنّ من أهمّ الأمور التي تجعل العلاقات مستمرة وطيبة كثرة الابتسام وبشاشة الوجه، فإن الابتسامة تجعل الشخص يكسب محبة الآخرين وودهم.[٩]

نظرية التعلق في العلاقات بين الراشدين

تصف هذه النظرية طبيعة تطوّر العلاقات وامتدادها إلى علاقاتٍ طويلة المدى، كانت هذه النظرية في البداية تختصّ بسلوك التعلق عند الأطفال ولكنها اتسعت لتشمل أيضًا العلاقات بين الراشدين وحدث ذلك في أواخر الثمنينات على يد سيندي هازان وفيليب شيفر، وقد تم الاتفاق على أربعة أنواع للتعلق بين الراشدين أولها التعلق الآمن، ويميل الراشدون إلى اتخاذ هذا النمط، فهو يعطي أطراف العلاقة الشعور بالراحة ويحقّق التوازن بين الحميميّة والاستقلالية ومن خلاله يأخذ الإنسان فكرة إيجابية عن نفسه وسشعر بالسعادة، أما النوع الثاني هو التعلق القلق أو المضطرب يعاني به الفرد من الرغبة بالوصول إلى مستوى عالٍ من الحميمية والقُرب والحصول على الاستجابة الكلية من الطرف الآخر فيعتمد عليه بشكل كبير ومبالغ، وهذا يحدث بسبب قلة الثقة بالنفس وعدم القدرة على اتخاذ القرارات فيظهر هذه المشاعر المفرطة من العاطفةوالقلق، أما بالنسبة للنوع الثالث فهو الرافض الانطوائيّ، وهو على عكس النوع الثاني، فهو يظهر تجنبًا تامًا للتعلق ويشعر أنه مكتفٍ بذاته وأنه لا يحتاج إلى العلاقات، ومن سلبياتهم أنّهم يميلون إلى كبت مشاعرهم فهم لا يشعرون بالراحة في القرب العاطفي ويتركون شركاءهم لأسباب سخيفة، أما النوع الرابع فهو التعلق المشوش غير المنتظم وهو مزيج بين التعلق القلق والتعلق الانطوائي ويمتلكون مشاعر مختلطة فهم يرون أنفسهم عديمي القيمة ولا يثقون بشركائهم ويميلون أيضًا لكبت مشاعرهم ويسعون للحصول على أقل درجة من التقارب العاطفي الحميمي.[١٠]

ومن الجدير بالذكر أن العلاقة الحميمة تكشف -وبشكل كبير- عن نمط التعلق الذي يمتلكه الفرد، فالعلاقات التي تشبع الرغبة الحميمية تؤدي إلى تعلق أكثر أمانًا في حين أن تلك العلاقات التي لا تشبع تلك الرغبة تؤدي إلى أنواع التعلق غير الآمن، ويمكن تعريف الحميمية على أنها مجموعة من التفاعلات بين شخصين يكشف فيه الفرد عن أشياء مهمّة عن نفسه ويستجيب طرف العلاقة الآخر بطريقة تحقق الشعور بالرّضا والقَبول والاهتمام، ويمكن أن تكون هذه التفاعلات لفظية عن طريق الكشف اللفظي أو بطرق غير لفظيّة مثل: الاحتضان واللمس والتقبيل أو السلوك الجنسي، وبهذا فإن العلاقة الحميمة بين الراشدين تطلب عدة شروط، وهي الرغبة في الانفتاح للطرف الآخر والكشف عن مشاعره وأفكاره ومخاوفه، والرغبة في الحصول على الدعم العاطفي، والاستعداد للانخراط في علاقة حميمية جسدية.[١١]

وهناك نوع من أنواع التعلّق يحدث بعد الانفصال عن الشريك، فبعد تفكك العلاقة العاطفيّة يمرّ الرّاشدون بقلقِ الانفصال والشعور بالحزن، ويمكن أن يستخدم الفرد العديد من الاستراتيجيات في هذه المرحلة منها الصحى ومنها غير الصحيّ، فالذين يمتلكون تعلقًا آمنًا يميلون للبحث عن مصدر للدعم وهذه الاستراتيجية تعدّ الأكثر فعالية، أمّا النمط الانطوائي فهو من يميل إلى الانفصال في البداية ويقلل من قيمة العلاقة، أما النمط القلق فهم الأكثر عرضة للمرور بحالة طويلة من التوتر والقلق بعد انتهاء العلاقة.[١١]

المراجع[+]

  1. "علاقة اجتماعية"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-09. بتصرّف.
  2. "نظرة عامة حول مفهومي العلاقات الإنسانية والصحة النفسية"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-09. بتصرّف.
  3. "دعم اجتماعي"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-09. بتصرّف.
  4. "غريزة الانتماء"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-09. بتصرّف.
  5. "الانتماء الجميل"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-10. بتصرّف.
  6. روبرت مكلفين (2002)، [http:// مدخل إلى علم النفس الاجتماعي]، عمان-الأردن:دار وائل للنشر ، صفحة 154. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت ث روبرت مكلفين (2002)، [http:// مدخل إلى علم النفس الاجتماعي]، عمان-الأردن:دار وائل للنشر، صفحة 152. بتصرّف.
  8. ^ أ ب "5 نصائح لتعزيز التفاهم في الزواج"، www.lahamag.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-11. بتصرّف.
  9. ^ أ ب ت ث "مبادئ فن التعامل مع الأصدقاء"، www.sayidaty.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-11. بتصرّف.
  10. "نظرية التعلق"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-11. بتصرّف.
  11. ^ أ ب "التعلق في الراشدين "، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-11. بتصرّف.