مقاصد سورة التوبة

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٠١ ، ٢٥ يونيو ٢٠١٩
مقاصد سورة التوبة

سورة التوبة

هي السورة التاسعة في القرآن الكريم البالغ عدد سوره مائةٌ وأربعة عشر سورة، نزلت في المدينة المنوّرة وعدد آياتها مائةٌ وتسعةٌ وعشرون آية، وهي تقع بين الجزأين العاشر والحادي عشر وتسبقها سورة الأنفال وتليها سورة يونس، تتميز هذه السورة بأنّها السورة الوحيدة التي لا تبتدأ بالبسملة، وقد جاء في نصّ الحديث الشريف أنّ سورة التوبة هي آخر سورةٍ نزلت كاملةً: "عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ"[١]، وسيأتي هذا المقال على بيان مقاصد سورة التوبة وسبب تسميتها وأسباب نزولها.[٢]

سبب تسمية سورة التوبة

اشتهرت سورة التوبة في عصر الرسول -عليه الصلاة والسلام باسمين ألا وهما "التوبة وبراءة"، ويُعتبر اسم براءة هو الأكثر شيوعًا بين المسلمين، فأمّا تسميتها باسم براءة كان لأن الله -جلّ وعلا- استهلّ السورة بقوله: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ}[٣]، كما أنّها في جميع مضمونها تشير إلى براءة المسلمين من المشركين وكفرهم، وأمّا تسميتها باسم التوبة فإنّه لأنّها كانت بمثابة دعوةٍ للمشركين والكفار بالتوبة إلى الله -عزّ وجلّ- وذلك بقوله: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[٤] وقد أمر الله عباده المسلمين بأنّ يعفوا ويغفروا ويخلوا سبيل المشركين إن أسلموا والتزموا بتعاليم الله -تعالى- وتابوا إليه وأنّه سيغفر لهم ويرحمهم.[٥]
وبالإضافة إلى أنّ الله -تعالى- قد كرر أمر التوبة في عموم السورة الكريمة، فإنّ أهل التفسير قالوا إنّ سبب تسميتها يعود إلى أنّ الله -سبحانه وتعالى- ذكر فيها توبة الصحابة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وذلك بقوله: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[٦]، وفي مضمون هذه الآية إقرارٌ بأنّ الله قد قبل توبتهم وتاب عليهم وغفر لهم وهو ما يُعتبر من أعظم مقاصد سورة التوبة.[٥]

أسباب نزول سورة التوبة

شأن سورة التوبة كأيّ سورة مدنيّة من حيث نزولها، فلكلّ مجموعةٍ من آياتها سبب نزولٍ مستقل، ولكنّها في عموم آياتها تتحدّث عن براءة الله من المشركين والكفار وغضبه عليهم، وإنّ من بعض ما جاء عن أسباب نزول سورة التوبة ما يأتي:[٧]

  • يرجع سبب نزول الآيات الأولى من سورة التوبة إلى أنّ الكفار والمشركين قد نقضوا عهودهم مع النبيّ الكريم وصحابته، كما أنّها كانت بمثابة إعطاء الإذن بقتالهم فكان قوله -تعالى-: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}.[٨]
  • وممّا جاء عن أهل التفسير أنّ المسلمين بعد أن أسروا العباس في معركة بدر كانوا يعيّرونه بقطيعة الرحم ومحاربته رسول الله، فردّ عليهم بقوله: "ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا" فقال له عليٌّ -رضي الله عنه-: "ألكم محاسن" فقال: "نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني"، فنزل قوله -تعالى-: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ}.[٩]
  • أمّا الآيات الكريمة: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[١٠]، فقد نزلت في "كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية" فهؤلاء الثلاثة تخلفوا عن معركة تبوك دون عذرٍ يمنعهم، فقاطعهم رسول الله وأمر جميع المسلمين بمقاطعتهم عقابًا لهم، فلمّا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت واستغفروا الله غفر لهم وتاب عليهم.

مقاصد سورة التوبة

لعلّ من أعظم مقاصد سورة التوبة أنّها أعلنت أنّ الله ورسوله بريئون من أفعال المشركين وأنّ الله قد أذن بقتالهم وذلك بقوله: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ}[٣]، وقد ميّز -سبحانه وتعالى- بين الحقّ والباطل وبين الشرك والإيمان، مع تحذير المسلمين من شر المنافقين وفتنتهم، وقد كان في حادثة الثلاثة الذين أعرض عنهم الرسول -عليه الصلاة والسلام- والمسلمون جميعًا مقصدٌ من مقاصد سورة التوبة ألا وهو أنّ عاقبة من يُعرض عن الداعي في سبيل الله ومن يتخلّف عن الجهاد يكون عقابه شديدًا في الدنيا والآخرة، إلّا إذا تاب واستغفر فإنّ الله غفورٌ رحيم.[١١]
ومن مقاصد سورة التوبة بيان أنّ المسلمين يؤمنون إيمانًا كاملًا بقضاء الله وقدره ويوقنون بأنّ كلّ ما قد يصيبهم هو بعلم الله وتقديره وبأنّه خيرٌ لهم وأنّه مولاهم وعليه يتوكلون، فقد قال -تعالى-: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[١٢]، والتأكيد على وحدوية الله -جلّ وعلا- وبأنّ من قال بأنّ له ولدٌ أو جعل معه إلهًا آخر كاليهود والنصارى فإنّ الله مقاتلهم وأنّهم الأخسرون، وذلك في قوله -جلّ وعلا-: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}[١٣]، والتأكيد على أنّ الدين عند الله الإسلام وأنّ هذا ما أتى به جميع الأنبياء والمرسلين.[١١]
ويتبين أيضًا من مقاصد سورة التوبة أنّ الله -جلّ وعلا- أكّد على أمر المساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام في الأوامر والأحكام التشريعية المفروضة عليهم وفي أدائهم واجباتهم كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها، فقد قال -تعالى-: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[١٤]، وتوضح الآية الكريمة أنّ المساواة بين المؤمنين والمؤمنات كانت أيضًا في جنات النعيم التي وعدهم الله بها جزاء إيمانهم وإحسانهم.[١١].

لماذا لم تبدأ سورة التوبة بالبسملة

قال بعض أهل العلم في أمر عدم الابتداء بالبسملة في سورة التوبة بأنّ البسملة هي أمانٌ من الله وأنّ سورة التوبة نزلت بعد غضب الله على المشركين بعد أنّ نقضوا عهدهم مع الرسول وصحابته -رضوان الله عنهم-، ولهذا لم تُذكر البسملة في بدايتها، وقال آخرون أنّ الصحابة الذين تولوا جمع المصحف الشريف لم يتأكدوا ما إذا كانت سورة التوبة وسورة الأنفال التي تسبقها هما سورتان مستقلتان أم أنهما سورة واحدة، فقرروا أن يفصلوا بينهما لكن دون بسملة، وهكذا إن كانتا سورتين منفصلةٌ إحداهما عن الأخرى فقد فصلوهما، وإن كانتا سورةً واحدةً فهم لم يجعلوا بينهما بسملةً تفصلهما، والله -تعالى- أعلم.[١٥]

المراجع[+]

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري ، عن البراء بن عازب ، الصفحة أو الرقم: 4364، صحيح.
  2. "سورة التوبة"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 23-06-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب سورة التوبة، آية: 01.
  4. سورة التوبة، آية: 05.
  5. ^ أ ب "مقاصد سورة التوبة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 23-06-2019. بتصرّف.
  6. سورة التوبة، آية: 117-118.
  7. " من أسباب النزول.. سورة التوبة"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 23-06-2019. بتصرّف.
  8. سورة التوبة، آية: 12.
  9. سورة التوبة، آية: 17.
  10. سورة التوبة، آية: 118.
  11. ^ أ ب ت "مقاصد سورة التوبة"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 23-06-2019. بتصرّف.
  12. سورة التوبة، آية: 51.
  13. سورة التوبة، آية: 30.
  14. سورة التوبة، آية: 70-71.
  15. " سبب عدم البداءة في سورة التوبة بالبسملة"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 23-06-2019. بتصرّف.