معنى آية: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٥٠ ، ١٨ أغسطس ٢٠٢٠
معنى آية: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر

سورة القمر

سورة القمر من السور المكيّة بالكامل عند الجمهور، وقال بعضهم إنّ بعض آياتها مدنيّة وربّما قد جاءه ذلك الاعتقاد من أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قد تلا تلك الآيات في يوم بدر، واسمها المشهور عند السلف هو "اقتربت الساعة" وقد ورد بهذا الاسم في حديث أبي واقد الليثي حين سأله عمر بن الخطّاب "ما كانَ يَقْرَأُ به رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ في الأضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقالَ: كانَ يَقْرَأُ فِيهِما بـ {ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ}، وَ{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ}"،[١] وكذلك تُسمّى سورة "اقتربت" نسبة للكلمة الأولى في السورة، وكذلك من أسمائها سورة القمر وهذا الاسم الذي أورده الإمام الترمذي، وترتيبها من حيث النزول 37 نزلت بعد الطارق وقبل ص،[٢] وعدد آياتها 55 آيةً باتّفاق أهل الأمصار، وترتيبها في المصحف 54 وهي من السور المفصّل في القرآن الكريم، وفي هذه السورة آية يقول فيها تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}[٣] سيقف معها هذا المقال.[٤]

معنى آية: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر

تقف هذه الفقرة مع تفسير قوله تعالى في سورة القمر: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}،[٥] فهذه الآية فيها وعيدٌ من الله -تعالى- للكفّار من أهل مكّة وكلّ الذين قد أرسل الله -تعالى- رسوله إليهم من الأقوام الذين كذّبوا النبي -صلّى الله عليه وسلّم- وجاهروا بمعاداته، وكان في الآية تسلية للنبي -صلّى الله عليه وسلّم- من الفجور الذي قابله به قومه وغيره من العرب الذين بدأ الدعوة من عندهم.[٦]


فيقول تعالى لنبيّه -صلّى الله عليه وسلّم- إنّ الرّسل من قبلك قد كُذِّبوا فحاق بالذين كذّبوهم أشدّ العذاب، ونَجَى الأنبياء والرسل والذين آمنوا بهم، ومن أولئك كان قوم نوحٍ الذين قابلوا نبيّهم بأسوأ ما قابل به قومٌ نبيّهم، فقالوا عن نوح -عليه السلام- إنّه مجنون، وقال الإمام القرطبي إنّ المُراد من تكرير لفظ التكذيب في الآية مرّة بعد مرّة هو الحال التي كان عليها قوم نوح -عليه السلام- من تكذيبهم الرسول؛ فكأنّه تعالى يقول إنّهم كذّبوه على تكذيبهم إيّاه، وذلك أنّهم كلمّا جاء قرن من القرون كذّبوا النبي، فكان القرن يأتي ويندثر ويموت ويأتي بعده قرنٌ آخر يتابعون سيرة أسلافهم في تكذيب النبي عليه -وعلى سائر الأنبياء والمرسلين- الصلاة والسلام.[٦]


فإذًا قد كذّب قوم نوح -عليه السلام- نبيّهم وزجروه عن دعوته؛ أي: إنّه قد زُجِرَ عن دعوته بالسب والشتم والوعيد بالقتل، وقالوا له كما أورد الله -تعالى- على لسانهم في سورة الشعراء إذ قال تعالى: {قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}،[٧] وقالوا لبعضهم بعضًا كما حكى القرآن عنهم على لسان نوح -عليه السلام- في سورة نوح: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}.[٨][٦]


فاتّهموا نبيّهم -عليه السلام- بالجنون، وقالوا إنّه مجنون حاشاه عليه السلام؛ فهم يرونَ أنّ ما كان عليه آباؤهم وأجدادهم وأسلافهم هو الصواب، وما جاء به نبي الله نوح -عليه السلام- هو ضربٌ من الجنون ليس إلّا، ولذلك لم يؤمن به إلّا قليلٌ منهم، ولم يكتفوا بما قابلوه به من التكذيب ولكن قد حاولوا أذيّته بكلّ ما استطاعوا من الشتم والسباب والوعيد بالرجم والقتل، وهذا حال أهل الضّلال والشّرك وأعداء الله دومًا؛ فهم يفعلون ما بوسعهم لإبعاد الناس عن درب الحقّ، ويدعون دومًا إلى سبيل الشيطان، ولكنّ الله -تعالى- يمهلهم لوقتٍ معلوم، عندها يقطع دابر القوم الذين كفروا وينصر عباده الصالحين، والعاقبة دومًا للمتّقين، والله أعلم.[٦]


معاني المفردات في آية: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر

بعد الوقوف بإسهاب وتفصيل مع معنى قوله تعالى في سورة القمر: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}،[٩] فإنّ هذه الفقرة تقف لإماطة اللثام عن معاني بعض المفردات الكامنة في الآية لما في ذلك من زيادة يجدها القارئ لهذه الآية، وذلك فيما يأتي:

  • كذّبت: التّكذيب في اللغة هو نقض كلام الآخرين بدعوى أنّه كذب، فيقولون كذّبَ فلانٌ فلانًا تكذيبًا وكِذّابًا إذا نسبه للكَذِب، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النبأ: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا}،[١٠] وقال بعض العلماء إنّ الكذب يُقال له أيضًا كِذَاب، ومن ذلك الآية التي يقول فيها تعالى: {لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا}،[١١] والله أعلم.[١٢]
  • قوم: القوم هم جماعة من الناس يجمعهم أمر يقومون له، وقوم المرء أقرباؤه من نفس السلالة.[١٣]
  • عبدنا: العبد هو كلّ إنسان مملوك لغير الله تعالى، وهو كذلك الإنسان الحر والمملوك لأنّه عبد لله تعالى، والجمع عبيد وعباد وعبدون وأعبُد وعبدان بتثليث العين.[١٤]
  • مجنون: الجنن في اللغة يدل على الاستار والتواري، ومنه قيل للجنين جنينًا؛ لاستتاره في بطن أمّه، وقيل كذلك لمن ذهب عقله مجنون.[١٥]
  • وازدُجِر: الازدجار يعني الكف والمنع والانقياد، فيقولون ازدَجَر فلانٌ إذا انقاد، وأمّا قولهم ازدُجِرَ فلانٌ فمعناه أنّه كُفَّ عن شيء ما ومُنِعَ ونُهِيَ عن ذلك، والفاعل مزدَجِر والمفعول مُزدَجَر.[١٦]


إعراب آية: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر

قبل الختام، وبعد الوقوف مع تفسير معنى آية: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر، ومع شرح بعض مفرداتها فإنّ هذه الفقرة تقف مع إعرابٍ شافٍ لقوله تعالى في سورة القمر: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}؛[١٧] إذ في الإعراب زيادة في البيان والإيضاح، وذلك فيما يأتي:


إعراب المفردات:

  • كَذَّبَتْ: فعلٌ ماضٍ مبني على الفتح الظاهر على آخره، والتاء تاء التأنيث الساكنة لا محل لها من الإعراب.[١٨]
  • قَبْلَهُمْ: قبلَ ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة، والميم للجمع، وظرف الزمان متعلّق بالفعل كذّبت.[١٩]
  • قَوْمُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.[١٨]
  • نُوحٍ: مضاف إليه مجرور وعلامة جرّه الكسرة الظاهرة على آخره.[١٨]
  • فَكَذَّبُوا: الفاء عاطفة، وكذّبُوا فعل ماضٍ مبني على الرفع لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والألف للتفريق بين واو الجماعة والواو التي هي من أصل الفعل.[١٨]
  • عَبْدَنَا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، ونا ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة.[١٨]
  • وَقَالُوا: الواو عاطفة، وقالُوا فعل ماضٍ مبني على الرفع لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والألف للتفريق.[١٨]
  • مَجْنُونٌ: خبر مرفوع لمبتدأ محذوف تقديره هو، وتقدير الكلام: قالوا هو مجنون، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.[١٨]
  • وَازْدُجِرَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهول مبني على الفتح الظاهر على آخره، ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره هو يعود على نوحٍ عليه السلام.[٢٠]


إعراب الجمل:

  • جملة {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ}: استئنافيّة لا محلّ لها من الإعراب.[١٩]
  • جملة {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا}: معطوفة على الجملة السابقة فهي مثلها لا محلّ لها من الإعراب.[٢١]
  • جملة {وَقَالُوا مَجْنُونٌ}: معطوفة على الجملة الاستئنافيّة الأولى فهي مثلها لا محلّ لها من الإعراب.[٢١]
  • جملة {مَجْنُونٌ} مع محذوفها: مقول القول في محل نصب مفعول به.[٢١]
  • جملة {وَازْدُجِرَ}: معووفة على جملة {وَقَالُوا مَجْنُونٌ} فهي مثلها لا محلّ لها من الإعراب.[٢١]


الثمرات المستفادة من آية: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر

ختامًا تقف هذه الفقرة مع الثمرات المستفادة من آية: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}،[٢٢] ففي قراءة القرآن الكريم كثيرٌ من العبر والدروس المستفادة والثمرات التي يمكن أن يجنيها من يقرأ كتاب الله -تعالى- بتدبّرٍ وقلبٍ واعٍ، ومن تلك الثمرات التي يمكن جنيها من هذه الآية الكريمة ومن الآيات التي تتّصل بها:

  • بيان ضرورة الاتعاظ بما جرى للأمم السابقة الذين كذّبوا أنبياءهم وحاربوهم وحاربوا الله تعالى، فأهلكهم الله -سبحانه- وجعلهم أحاديث ونصر رسله والذين آمنوا معهم، وجعل كلمة الذين كفروا السّفلى وكلمة الله هي العُليا.[٢٣]
  • بيان الكيفيّات التي يؤيّد الله -تعالى- بها رسله ضدّ أعداء الدين الحنيف، وفي ذلك رادعٌ لمن جاء بعد تلك الأقوام لعلّهم يعودون إلى رشدهم.[٢٣]
  • بيان أنّ الذين اتّبعوا الانبياء قبل رسول الله محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- هم قلّة، وأشار لذلك ابن عاشور في تفسيره للآية الكريمة، فقد أُضيف المكذّبون إلى نبيّ الله نوح -عليه السلام- لأنّ من ىمن به هم قلّة، وفي ذلك تسلية للنبي عليه -الصلاة والسلام- غذ كان الذين آمنوا به آنذاك قلة كما كان عدد الذين اتبعوا الأنبياء قبله قلة، والله أعلم.[٢٤]

    المراجع[+]

  • رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي واقد الليثي، الصفحة أو الرقم:891، حديث صحيح.
  • "التحرير والتنوير - سورة القمر"، islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • سورة القمر، آية:9
  • "سورة القمر"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • سورة القمر، آية:9
  • ^ أ ب ت ث "تفاسير الآية 9 من سورة القمر"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • سورة الشعراء، آية:116
  • سورة نوح، آية:23
  • سورة القمر، آية:9
  • سورة النبأ، آية:28
  • سورة النبأ، آية:35
  • "تعريف و معنى التكذيب في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • "تعريف و معنى قوم في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • "تعريف و معنى العبد في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • "تعريف و معنى المجنون في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • "تعريف و معنى ازدجر في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • سورة القمر، آية:9
  • ^ أ ب ت ث ج ح خ "۞ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ (القمر - 9)"، www.quran7m.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • ^ أ ب "الجدول في إعراب القرآن"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • محمد علي طه الدرة (2009)، تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه (الطبعة 1)، دمشق:دار ابن كثير، صفحة 363، جزء 9. بتصرّف.
  • ^ أ ب ت ث "الجدول في إعراب القرآن"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • سورة القمر، آية:9
  • ^ أ ب "تفسير سورة القمر للناشئين (الآيات 1 - 55)"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  • "الحاوي في تفسير القرآن الكريم"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.