ما بعد سقوط الخلافة العثمانية: أحوال العالم العربي والغربي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:١١ ، ١٩ يوليو ٢٠٢٠
ما بعد سقوط الخلافة العثمانية: أحوال العالم العربي والغربي

سقوط الخلافة العثمانية

بعد أربعة قرون كاملة من السيطرة على معظم الوطن العربي وآسيا وأجزاء من أوروبا، وتحديدًا في بدايات القرن العشرين، بدأت الدولة العثمانية بالتراجع شيئًا فشيئًا، حتَّى اشتعلتِ الحرب العالمية الأولى، فرضتْ هذه الحرب على الخلافة العثمانية الوقوف في طرف من أطرافها، فانضمت الخلافة العثمانية إلى اتحاد ألمانيا والنمسا في وجه الحلفاء، ولكنَّها لم تتمكن من الوقوف في وجه الدول العُظمى، فأعلنت استسلامها للحلفاء في عام 1918م، أمَّا سقوط الخلافة العثمانية السياسي الرسمي فكان في الأول من نوفمبر من عام 1922م، ثمَّ في الرابع والعشرين من يوليو من عام 1923م سقطت الدولة العثمانية بوصفها دولة قائمة على حكم قانون خاص بها، وبعد توقيع معاهدة لوزان انتهت الخلافة العثمانية بشكل نهائي في التاسع والعشرين من أكتوبر من عام 1923م وقامت مكانها الجمهورية التركية، وفيما يأتي سيتم تسليط الضوء على أحوال العالم العربي والغربي بعد سقوط الخلافة العثمانية.[١]

المؤتمر العربي الأول

في مطلع القرن العشرين، كانت أحوال العالم لا تُبشِّر بالخير بالنسبة للعثمانيين، فقد عمَّت الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية في كلِّ أرجاء الدولة العثمانية حتَّى عاصمتها، إضافة إلى أنَّ الحرب العالمية الأولى كانت على الأبواب، ومما زاد نقم الشعوب على الخلافة العثمانية هو اتباع سياسة التتريك بعد الثورة التركية التي قامت عام 1908م والتي أدَّت إلى إزالة حكم السلطان عبد الحميد، هذه السياسة رفعتْ مستوى الاحتجاجات وخاصَّة من الشعوب غير التركية، فبدأت المطالبات بالانفصال والاستقلال، كما ظهرت بعض الجمعيات والأحزاب والحركات القومية التي تطالب باستقلال الوطن العربي من الأتراك، ومن هذه الجمعيات جمعية العربية الفتاة التي تأسست في باريس في عام 1911م، كانت هذه الجمعية تتألف من اجتماع 300 شخص تقريبًا، كانوا من المثقفين والدارسين العرب، دعا هؤلاء المثقفون باسم الجمعية إلى اجتماع أو مؤتمر عربي يندد بالاستبداد ويدعو لإصلاح أمور العرب الداخلية، فأقيم المؤتمر العربي الأول في باريس في قاعة جمعية الجغرافيا من 18 إلى 23 حزيران من عام 1913م.[٢]

تألَّف المؤتمر العربي الأول من أربع جلسات، الأولى كانت في الثامن عشر من حزيران عام 1913م، خطب في هذه الجلسة رئيس المؤتمر عبد الحميد الزهراوي وحدد فيها أسباب انعقاد المؤتمر، والثانية كانت في العشرين من حزيران من عام 1913م، وعُقدت الجلسة الثالثة في الواحد والعشرين من حزيران من العام ذاته، والرابعة كانت في الثالث والعشرين من حزيران من العام ذاته أيضًا، وفي نهاية اليوم الأخير أصدر المؤتمر العربي الأول قرارته وملحقاته، وقد تضمَّنت هذه القرارات ما يأتي:[٣]

  • لا بدَّ من تنفيذ الإصلاحات الفعلية والحقيقة بأسرع وقت ممكن.
  • يجب أن يضمن العرب التمتع بحقوقهم السياسية ويجب أن يضمنوا اشتراكهم الفعلي في الحكم وفي إدارة المملكة.
  • يجب إنشاء إدارة لا مركزية في كلِّ ولاية عربية يتم أخذ طلباتها ومقترحاتها بعين الاعتبار.
  • يجب وجود اللغة العربية في مجلس النواب العثماني ويجب إصدار قرار ينص على أنَّ اللغة العربية لغة رسمية في كلِّ الولايات العربية.
  • أن تكون الخدمة العسكرية للعرب في الولايات العربية إلَّا في الظروف القاهرة التي تستدعي خروجهم خارج الولايات العربية.

الحرب العالمية الأولى

تُعدُّ الحرب العالمية الأولى من أهم الأحداث العالمية التي حدثت قبيل سقوط الخلافة العثمانية، وهي من أهم الأسباب التي ساهمت في سقوط الخلافة العثمانية وقيام الجمهورية التركية على الأراضي التركية فقط وخروج العثمانيين من كلِّ أرجاء الوطن العربي، والحرب العالمية الأولى هي أوَّل صراع عالمي في القرن العشرين، وقد بدأت الحرب العالمية الأولى بسبب حادثة اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند ولي عهد الإمبراطورية المجرية النمساوية وزوجته الأرشيدوقة صوفي في مدينة سراييفو في الثامن والعشرين من يونيو من عام 1914م، فكانت بداية الحرب في آب من العام ذاته واستمرَّت أربعة أعوام،[٤] وبعد حادثة اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند أعلنت النمسا الحرب على صربيا، وبعد هذا الإعلان اشتعلت نار الحرب في كلِّ أرجاء القارة الأوروبية، وسرعان ما دخلتْ روسيا الحرب إلى جانب صربيا، فأعلنت ألمانيا الحرب على روسيا منضمَّة إلى النمسا، أمَّا الخلافة العثمانية فقد دخلتِ الحرب العالمية الأولى في صفِّ ألمانيا والنمسا ضدَّ روسيا والحلفاء، فقام الحلفاء بتجهيز حملة عسكرية ضخمة للهجوم على شبه جزيرة جاليبولي من أجل إنشاء ممر بين البحر الأبيض والبحر الأسود، ومن أجل الاستيلاء على مدينة القسطنطينية وإخراج روسيا من عزلتها إضافة إلى محاصرة ألمانيا، ولكنَّ هذه الحملة باءتْ بالفشل، فقد تعرَّض الأسطول الإنكليزي إلى هزيمة نكراء على السواحل العثمانية، فلجأت دول الحلفاء إلى مهاجمة الأراضي التابعة للدولة العثمانية في العالم العربي والشرق الأوسط والمحيط الهادي بهدف الضغط على الدولة العثمانية.[٥]

وفي نهاية المطاف مالت كفَّة هذه الحرب إلى الحلفاء، وانهزمتْ ألمانيا والنمسا والدولة العثمانية، فبعد الأزمة السياسية التي اجتاحت ألمانيا إضافة إلى الهزائم العسكرية المتوالية التي تعرَّضتْ لها القوات الألمانية على مختلف الجبهات، أدَّى هذا إلى استقالة الإمبراطور الألماني وقيام الجمهورية في ألمانيا، وتمَّ توقيع الهدنة التي انتهت بها الحرب العالمية الأولى في الحادي عشر من نوفمبر من عام 1918م بعد أربعة أعوام من القتال، وفي هذه الأعوام الأربعة قُتل أكثر من عشرة ملايين عسكري وجُرح ما يزيد عن 21 مليون، فقد كانت الحرب العالمية الأولى أكبر حرب في تاريخ البشر حتَّى تلك الفترة، اشتركت فيها دول عديدة من مختلف قارات العالم، فكانت الآثار السلبية لهذه الحرب عائدة على كلِّ شعوب العالم دون استثناء، كما أنَّ نهاية هذه الحرب كشفت عن اختلاف جديد في ميزان القوى العالمي، وكانت من أهم أسباب سقوط الدولة العثمانية التي سقطتْ فعلًا بعد الحرب العالمية الأولى بفترة قصيرة.[٦]

معاهدة لوزان

إنَّ من أهم المجريات التي حدثت بعد سقوط الدولة العثمانية معاهدة لوزان، وهي معاهدة حدثت بعد الحرب العالمية الأولى، تُسمَّى هذه المعاهدة باسم "معاهدة لوزان الثانية"، تم توقيعها في الرابع والعشرين من يوليو تموز 1923م، وهي معاهدة سلام تم توقيعها في مدينة لوزان السويسرية، وقد أدَّت هذه المعاهدة إلى تسوية وضع منطقة الأناضول التي كانت تتبع للخلافة العثمانية كما سوَّت أمر منطقة تراقيا الشرقية وهي منطقة تركية تقع في القارة الأوروبية، وقد أبطلت معاهدة لوزان ما كان في معاهدة سيفر، وهي معاهدة وقعتها الخلافة العثمانية بعد حرب الاستقلال التركية التي دارت بين الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وبين الجمعية الوطنية العليا في تركيا أو ما تُعرف باسم الحركة القومية التركية والتي كانت بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وجدير بالذكر إنَّ معاهدة لوزان حددت حدود مجموعة من الدول، وأهمها: اليونان وبلغاريا وتركيا ودول المشرق العربي، وفي معاهدة لوزان تنازلتْ تركيا عن مطالبها بضم جزر دوديكانيسيا وجزيرة قبرص ومصر والسودان والعراق وسوريا، كما تنازلتْ تركيا عن الامتيازات التي تحصَّلت عليها في معاهدة أوشي التي وقَّعتها مع إيطاليا عام 1912م، وفي لوزان أيضًا تمَّ رسم الحدود السورية التركية، وقد شملتْ أراضي تركيا مجموعة من المدن الحدودية التي تقع من الغرب إلى الشرق، وهي: مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش وأورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر.[٧]

الجمهورية التركية

كانت تركيا بعد الحرب العالمية الثانية المركز الرئيس لحكم الخلافة العثمانية حتَّى عام 1923م، ثمَّ بعد أن خلع مصطفى كمال أتاتورك السلطان العثماني أُلغيت الخلافة العثمانية بشكل نهائي في عام 1924م، وهذه التغييرات كانت من أهم نتائج حرب الاستقلال التركية التي استمرت من عام 1919م حتَّى عام 1922م، والمُراد أنَّ تركيا بشكل عام تعرَّضتْ لعدَّة تغييرات بعد سقوط الخلافة العثمانية وإعلان مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية التركية وتوليه رئاسة الدولة سنة 1923م، وفي عام 1937م أرسى مصطفى كمال أتاتورك دعائم نظام علماني في البلاد، كما أدخل بعض العادات الغربية إلى البلاد، كما قام باستبدال الكتابة من الأحرف العربية والفارسية إلى الأحرف اللاتينية، وفي الحرب العالمية الثانية وقفت تركيا موقف المحايد في أغلب فترات الحرب، ثمَّ دخلت في صف الحلفاء في الثالث والعشرين من فبراير من عام 1945م، ثمَّ أصبحت بعد الحرب عضوًا من أعضاء الأمم المتحدة، وقد واجهت الجمهورية التركية بعض الصعوبات في ردِّ المد الشيوعي من جهة اليونان، ثمَّ في عام 1947م أصدرتِ الولايات المتحدة الأمريكية مبدأ ترومان الذي ردَّ مطامع الاتحاد السوفيتي عن المضائق البحرية التابعة لتركيا، وقد أدى مبدأ ترومان إلى تدخل الولايات المتحدة الأمريكية ودعم تركيا عسكريًا واقتصاديًا، وجدير بالذكر إنَّه في عام 1945م تخلَّصت تركيا من حكم الحزب الواحد وانتقلت إلى الديموقراطية التعددية والتي استمرَّت عقودًا في البلاد.[٨]

وقد اختفتِ الديموقراطية التعددية في تركيا في فترة الانقلابات العسكرية التي كانت في عام 1960 و 1971 و 1980 و 1997، وقد حكم تركيا بعد أتاتورك الرئيس عصمت إينونو الذي استلم عام 1950م، وفي عام 1952م انضمَّت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي، ثمَّ في عام 1974م غزتْ تركيا قُبرص ردًّا على ما قام به المجلس العسكري اليوناني؛ حيث دعم الانقلاب الذي حدث على نظام الحكم في قبرص، وانتهت عملية تركيا العسكرية في قبرص بانتصار القوات العسكرية التركية، ومن أبرز الأحداث التي حصلت في تركيا هي أعمال العنف التي حدثت عام 1980م وفي عام 1984م تمرَّد حزب العمال الكردستاني المسلح ضد الدولة التركية، هذا الصراع المسلح أدَّى إلى مقتل أكثر من أربعين ألف إنسان، ولم يزل الصراع قائمًا حتَّى هذه الأيام.[٨]

الثورة العربية الكبرى

تُعدُّ الثورة العربية التي قام بها العرب في مختلف الأقطار العربية التابعة للخلافة العثمانية من الأسباب المباشرة التي أدَّت إلى خروج العثمانيين من الأراضي العربية، أمَّا أسباب الثورة العربية الكُبرى فقد جاء فيها أنَّه في السابع من تشرين الثاني نوفمبر من عام 1914م أعلن شيخ الإسلام والمُفتي العام في إسطنبول الجهاد ضد قوى الخلفاء: فرنسا وبريطانيا وروسيا، وعدَّ هذه الدول أعداءً للإسلام، في هذه الأثناء بدأت بريطانيا بالبحث عن شخصية عربية مؤثرة لتضمها إلى طرفها محاولة زعزعة الاستقرار الداخلي في الخلافة العثمانية، وكان هذا خوفًا من التأثير الذي قد تُحدثه الفتوى التي أصدرها شيخ الإسلام في إسطنبول، فقامت بريطانيا بالتواصل مع أمير مكة الشريف حسين الهاشميّ، وهو الشخصية الأنسب والأمثل لقيادة الثورة برأي البريطانيين، وذلك لما يتمتع به الشريف الحسن من نفوذ وقوَّة ومكانة بين القبائل في الحجاز بسبب كونه من نسل النِّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد استغلَّت بريطانيا أيضًا الغضب العربي الذي كان جليًّا واضحًا بعد أعمال جمال باشا السفَّاح في سوريا ولبنان، كلُّ هذه الأحوال هيأت ومهَّدت لقَبول العرب الثورة على العثمانيين، فما كان من الشريف حسين إلَّا أن وقف إلى جانب الحلفاء ثائرًا على العثمانيين في سبيل حصول الدول العربية على استقلالها، وفي العاشر من حزيران من عام 1916م رفع الشريف حسين علم الثورة العربية الكُبرى، وسرعان ما انتشرت الثورة في كلِّ أرجاء شبه الجزيرة العربية، على عكس العراق التي لم تشهد استجابة كبيرة، وسوريا التي كانت تحت قبضة العثمانيين الصارمة.[٩]

في بداية الثورة استسلمت الحامية التركية في مكة المكرمة وجدَّة وفي بعض مدن الحجاز أيضًا، وبعد أسابيع لم تبق إلَّا المدينة المنورة تحت سيطرة العثمانيين، وجدير بالذكر إنَّ البريطانيين دعموا الثورة العربية الكُبرى بالسلاح والسيارات المدرعة والمتفجرات أيضًا، وذلك بهدف إضعاف الخلافة العثمانية ولأهداف استعمارية لاحقة، وفي الثاني من تشرين الثاني عُيِّن الشريف حسين ملكًا للدول العربية من قبل رجاله، واعترف الحلفاء به ملكًا على الحجاز، وفي تلك الفترة دخلت بريطانيا بغداد بحجَّة أنَّ دخولها إجراء احترازي مؤقت، وفي عام 1917م بدأت الثورة العربية الكُبرى تتجه نحو سوريا ولبنان وفلسطين، حين انضم عدد من الضباط الوطنيين في هذه الدول لجيش الشريف حسين، وقد انتهت الثورة العربية الكُبرى في الثلاثين من تشرين الأول من عام 1918م، وذلك عندما أعلنت تركيا استسلامها ووقَّعت هُدنة مودروس، ثمَّ بدأ العمل على تشكيل أوَّل حكومة عربية في بيروت، وتمَّ رفع علم هذه الحكومة فوق سرايا بيروت، لتكون هذه الثورة خاتمة للوجود العثماني في المنطقة العربية.[٩]

سايكس بيكو

عندما تحالفتِ الدول العربية مع الحلفاء وأشعل الناس الثورة العربية الكُبرى، كان الاعتقاد السائد أنَّ هذه الثورة ستحقق الاستقلال الذاتي للدول العربية كما وعدهم الحلفاء، ولكنَّهم بعد طرد العثمانيين فوجِئوا بوجود اتفاقيات سرية تُحاك ضدَّ العرب، تهدف إلى تقسيم الدول العربية على الحلفاء، عُرف هذا الاتفاق باسم اتفاق سايكس بيكو، وقع هذا الاتفاق كلٌّ من فرنسا وبريطانيا، وعلى الرغم من أنَّ الشريف حسين كان قد اشترط استقلال البلاد العربية لإشعال الثورة ضدَّ العثمانيين، وعلى الرغم من الوعود البريطانية الكاذبة في الاستقلال، إلَّا أنَّ أمرًا سريًّا دُبِّرَ بليل بين المندوب البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو، اتفق فيها سايكس وبيكو على اقتسام الأراضي العربية الواقعة في منطقة الهلال الخصيب، واقتسام أراضٍ أخرى كانت تقع تحت سيطرة الخلافة العثمانية، وقد كانت روسيا على دراية بأمر الاتفاقية، وكانت الاتفاقية تنص على وضع مضائق تركيا البحرية تحت سيطرة روسيا، وقد بقيت اتفاقية سايكس بيكو سرِّية حتَّى تمَّ نشرها من قبل البلاشفة الروس في جريدتي إوفيستيا وبرافدا في الثالث والعشرين من نوفمبر من عام 1917م، وذلك عند اندلاع الثورة البلشفية، وبعد نشر هذه الاتفاقية أرسل جمال باشا السفاح رسالة إلى الأمير فيصل وإلى جعفر العسكري عارضًا عليهما الصلح، ولكنَّ الشريف حسين كان يثق بالبريطانيين ثقة عمياء، فرفض الصلح مع العثمانيين وأكمل الثورة العربية الكُبرى، التي انتهت بطرد العثمانيين وتطبيق ما جاء في اتفاقية سايكس بيكو.[١٠]

وعد بلفور

يُعدُّ وعد بلفور من الأمور التي حدثت في الفترة التي سقطت فيها الخلافة العثمانية، وهو تصريح بريطاني صدر في الثاني من نوفمبر من عام 1917م، أعلنت فيه الدولة الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى تعاطفها الكامل معاليهود ورغبتها في مساعدة يهود العالم في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، وكان هذا التصريح على شكل رسالة أرسلها وزير الخارجية البريطاني بلفور إلى اللورد روتشيلد المليونير اليهودي، وقد نصَّ وعد بلفور على ما يأتي: "عزيزي اللورد روتشيلد، يسعدني كثيرًا أن أنهي إليكم نيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي: تعاطفـًا مع أماني اليهود الصهيونيين التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء، فإن حكومة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل أفضل مساعيها لتسهيل تحقيق هذه الغاية على أن يفهم جليـًا أنه لن يسمح بأي إجراء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الجماعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، ولا بالحقوق أو بالمركز السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى".[١١]

ومن الجدير بالقول إنَّ وعد بلفور كان حصاد ما زرع مناصرو الصهيونية في الحكومة البريطانية، ومنهم: وزير الخارجية بلفور، ورئيس الوزراء ديفيد لويد جورج، وعضو مجلس اللوردات هربرت صموئيل، كما لعب حاييم وايزمان دورًا مهمًا في وقوف الحكومة البريطانية إلى جانب الأطماعالصهيونية في فلسطين، حيث كان حاييم وايزمان على علاقة طيبة مع بلفور ومع لويد جورج وونستون تشرتشل، وهؤلاء الثلاثة من الشخصيات السياسية المؤثرة في الحكومة البريطانية،[١٢] وكان وعد بلفور وعدًا يهدف إلى إعطاء ما لا يملكُ لمن لا يستحق، وبعد إعلانه بدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين من كلِّ بقاع الأرض، وجاء اليهود إلى فلسطين من مختلف الجنسيات لينصهروا جميعًا في بوتقة اليهودية في فلسطين، وفي عام 1948م ارتفع عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين من خمسين ألف مهاجر إلى ستمائة وخمسين ألف مهاجر، ليستمر الوجود اليهودي في فلسطين حتَّى هذا اليوم.[١٣]

مؤتمر سان ريمو

سارعت الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى إلى عقد مؤتمر سان ريمو في مدينة سان ريمو في إيطاليا في عام 1920م بعد أن أعلنت سوريا استقلالها ونصَّبت الأمير فيصل بن الحسين ملكًا عليها في آذار من عام 1920م، وفي هذا المؤتمر بحث الحلفاء شؤون الدول العربية التي كانت تحت سيطرة الخلافة العثمانية، ورسموا لهذه الدول مخططًا يهدف إلى تجزئة المنطقة وتوزيعها بالتراضي بين الدول الاستعمارية وفرض الانتداب الذي هو استعمار واضح المعالم، وقد خرج المجتمعون في مؤتمر سان ريموبمعاهدة سيفر، كما أقر وعد بلفور وأظهر غدر الدول الاستعمارية الواضح للعرب الذين كانوا ينتظرون الاستقلال مكافأة لهم على انضمامه ومشاركتهم في الحرب ضد العثمانيين، وجدير بالقول إنَّ تركيا رفضت معاهدة سيفر، وكان هذا الرفض السبب المباشر لاشتعال الثورة التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك، ليستمر الخلاف حتَّى عام 1922م حين وقعت تركيا معاهدة لوزان التي تنازلتْ بموجبها عن ممتلكاتها في المناطق العربية كاملة.[١٤]

القوى العظمى

إنَّ في كلِّ فترة زمنية وبعد انتهاء كلِّ حرب عالمية تُسفر النتائج عن قوى عظمى تكون هي المحرك الأساسي في العالم، فإبان الحرب العالمية الأولى أي قبل سقوط الخلافة العثمانية كانت القوى العُظمى في العالم متمثلة ببريطانيا وفرنسا وروسيا والدولة العثمانية وألمانيا والإمبراطورية النمساوية أيضًا، ولكنَّ خسارة الإمبراطورية النمساوية وألمانيا والخلافة العثمانية الحرب غيَّر موازين القوى في العالم، فظهرت بريطانيا وفرنسا روسيا كقوى عُظمى في العالم، تحكَّمت هذه الدول بمصائر الشعوب بعد الحرب، واقتسمت فيما بينها أراضي الدول التابعة للخلافة العثمانية وغيرها، وجدير بالقول إنَّه في القرن التاسع عشر والقرن العشرين كانت فرنسا تشكل ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم بعد بريطانيا وكانت تملك مجموعة من المستعمرات الخارجية وخاصَّة في إفريقيا، أما بريطانيا فكانت تملك أقوى اقتصاد في العالم كلِّه، كما أنَّها امتلكت عددًا كبيرًا من المستعمرات في أمريكا والهند وآسيا وإفريقيا، وبعد الحرب العالمية الثانية ظهر الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى في العالم كما ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية التي كان لها دور كبير في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية أيضًا.[١٥]

الاستعمار البريطاني في الوطن العربي

بعد سقوط الخلافة العثمانية وخروج العثمانيين من الأراضي العربية على خلفية قيام الثورة العربية الكُبرى، ظهرتِ الأطماع الاستعمارية البريطانية والفرنسية جليَّة واضحة من خلال اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور ومؤتمر سان ريمو، وقد حقَّقت الدول الاستعمارية مرادها بشكل فعلي على الأرض، حيث توغَّل الاستعمار الفرنسي والبريطاني في أراضي الوطن العربي، فالاستعمار البريطاني كانت له حصة الأسد من الكعكة العربية، حيث وقعت منطقة الخليج العربي تحت حكم البريطانيين بعد القضاء على النفوذ البرتغالي والهولندي في المنطقة، كما وقعت اليمن تحت الحكم البريطاني منذ عام 1839م إلى 1967م، واحتلت بريطانيا مصر أيضًا كما كانت بريطانيا من الدول التي شنَّت الهجوم الثلاثي على السواحل المصرية عام 1956م، ولم تنل الصومال استقلالها من الاستعمار البريطاني حتَّى عام 1960م وذلك بعد أنَّ دخلت بريطانيا الصومال في عام 1884م، ووقَعَتِ السودان تحت الاستعمار البريطاني عام 1898م بعد سقوط الدولة المهدية، أمَّا العراق فقد كانت من المناطق التي أخذتها بريطانيا بموجب اتفاقية سايكس بيكو، وقد طمعت بريطانيا بالعراق بسبب ما تحوي أراضيه من ثورة نفطية هائلة، ولم تنل العراق استقلالها من بريطانيا حتَّى عام 1958م، وكانت الأردن أيضًا من الأراضي التي أخذتها بريطانيا بموجب ما جاء في سان ريمو وكانت الأردن تحت الانتداب البريطاني منذ عام 1923م ولم تنل استقلالها حتى عام 1946، أمَّا فلسطين فقد أعلنت بريطانيا انتدابها عليها عام 1921م واستمرَّ هذا الانتداب حتَّى عام 1948م حين خرجت بريطانيا وسلَّمت البلاد لليهود.[١٦]

الاستعمار الفرنسي في الوطن العربي

سعتْ فرنسا بكلِّ قوَّتها لأخذ أكبر مساحة ممكنة من البلاد العربية، ولعل أبرز المناطق التي كانت فرنسا تسعى للسيطرة عليها هي الجزائر، وتونس وسوريا ولبنان، وكان لها هذا حيث دخلت فرنسا الجزائر في عام 1830م واستمرَّت فيها حتى عام 1962م، كما دخلتْ فرنسا تونس بعد أنَّ أجبرت الباي على توقيع معاهدة باردو سنة 1881م ولم تحصل تونس على استقلالها حتَّى عام 1956م بعد توقيع معاهدة المرسى التي كانت نتيجة طبيعية لتكاتف الجهور السياسية والعسكرية في تونس، وكان لفرنسا وجود استعماري في المغرب أيضًا، حيث انتهزت فرصة الثورة التي قامت بها القبائل على السلطان عبد الحفيظ ودخلت مدينة فاس التي كانت عاصمة المغرب آنذاك في عام 1912م، ولم تخرج منها حتَّى عام 1956م، واستعمرت فرنسا جيبوتي أيضًا وكانت بداية هذا الاستعمار بشراء ميناء أوبوك عام 1862م واستمرَّت فرنسا في جيبوتي حتَّى عام 1977م، أمَّا وجود فرنسا في سوريا ولبنان فقد كان بعد مؤتمر سان ريمو، حيث وجهت فرنسا إنذارًا إلى الملك فيصل الذي أعلنه الشعب السوري رئيسًا لسوريا، تضمن الإنذار قبول فيصل بالانتداب الفرنسي وتسريح الجيش السوري خلال يومين فقط، وقبل نهاية المدَّة زحفت القوات الفرنسية إلى سوريا وهزمتِ القوات السورية التي كان يقودها يوسف العظمة في معركة ميسلون واحتلت دمشق في عام 1920م، كما احتلت باقي المدن السورية فيما بعد، والله أعلم.[١٧]

المراجع[+]

  1. "الدولة العثمانية"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-08. بتصرّف.
  2. "المؤتمر العربي الأول"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-08. بتصرّف.
  3. "المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913م"، www.yabeyrouth.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-08. بتصرّف.
  4. "الحرب العالمية الأولى"، encyclopedia.ushmm.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-08. بتصرّف.
  5. "الحرب العالمية الأولى.. أحداث ونتائج (ذكراها : 13 من رمضان 1332 هـ)"، archive.islamonline.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-08. بتصرّف.
  6. "أسباب الحرب العالمية الأولى"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-08. بتصرّف.
  7. "معاهدة لوزان"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-08. بتصرّف.
  8. ^ أ ب "تركيا"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  9. ^ أ ب "الثورة العربية الكبرى"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  10. "اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور"، sites.google.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  11. "وعد بلفور"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  12. "وعد بلفور"، www.paljourneys.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  13. "وعد بلفور"، www.dorar.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  14. "سان ريمو (مؤتمر)"، www.palestinapedia.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  15. "قائمة القوى العظمى الحديثة"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  16. "الاستعمار البريطاني في الوطن العربي"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  17. "الاستعمار الفرنسي في الوطن العربي"، wikiforschool.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.