ما هو القربان

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٣٣ ، ١٠ أكتوبر ٢٠١٩
ما هو القربان

التقرب إلى الله

إن التقرب من الله -عزّ وجلّ- والرغبة في تحقيق رضاه ومحبته من أولويات المسلم الحاذق الحريص على دينه، ووسيلة الإنسان لمعرفة كيفية التقرب هي النصوص الشرعية من قرآن وحديث وقد روى البخاري في صحيحه عن رسول الله قال: "إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ"،[١] يظهر من هذا الحديث أن التقرب إلى الله يكون بفعل الفرائض واجتناب النواهي والمحرمات مثل الزنا وعقوق الوالدين، أما محبة الله -عزّ وجلّ- فتُنال بالقيام بالنوافل مثل الصدقة والذبح لوجه الله وتقديم القرابين، فما هو القربان وما مشروعيته هذا ما ستتم الإجابة عليه في هذا المقال.[٢]

ما هو القربان

إن معرفة ما هو القربان متوقفة على المعنى اللغوي للكلمة الذي يظهر من لفظه فهو من القرب وفي الإجابة عن سؤال ما هو القربان وتعريفه في معجم المعاني جاء أنه مصدر الفعل قَرِبَ وجمعه قرابين، وهو ما يبتغي الإنسان به التقرب إلى الله -عزّ وجلّ-، كما أن القربان يُطلق على حاشية الملك وأتباعه المقربون والملازمون له،[٣]أما المعنى الاصطلاحي الشرعي لكلمة القربان فهو قريب جدًا من المعنى اللغوي حيث يمكن تعريفه بأنه كل طاعة يُتقرب بها إلى الله -سبحانه وتعالى- من صلاة وصيام وحج وكذلك جميع الأعمال المستحبة مثل الصدقة وفعل الخير والذبح لوجه الله.[٤]

ولكثرة إطلاق كلمة القربان على الذبح أصبحت وكأنها علَم عليه فأول ما يتبادر إلى الذهن عند طرح سؤال ما هو القربان يكون ذبح الأنعام قُربةً إلى الله وهذا يشمل الأضاحي والنذور وغيرها وكذلك فإن تقديم الطعام للفقراء والمساكين مما يشمله معنى القربان، قال تعالى في كتابه العزيز: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}،[٥] فالطعام من الأشياء المحببة للنفس البشرية لذلك كان تقديمه لوجه الله مع إخلاص النية سببًا في القرب من الله والفوز بالجنة -بإذن الله-.[٤]

وفي تمام الحديث عن ما هو القربان لا بدّ من الإشارة إلى ورود كلمة القربان في عدة آيات وسور من القرآن الكريم، منها قوله تعالى في سورة الأحقاف: {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ۖ}،[٦] ومعنى قربان في هذه الآية أن اتخاذهم لآلهة أخرى غير الله تعالى ما كان إلا وسيلة للقرب منه سبحانه وكأنهم جعلوا تلك الآلهة وسيط وشفيع بينهم وبين الله وفي هذه الآية استهزاء وسخرية بهم إذ أن عبادة الله لا تحتاج إلى وسطاء فهو سبحانه سميع مجيب لجميع عباده،[٧]

أما المعنى الخاص لكلمة قربان والذي يمكن اعتباره إجابة عن السؤال ما هو القربان فهو ما ورد في قصة ابني آدم في سورة المائدة حيث قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}،[٨] لم يكن على الأرض إلا النبي آدم -عليه السلام- وزوجته، ولكي تستمر البشرية ولا ينقطع النسل شاء الله -سبحانه- أن تلد زوجة آدم في كل حمل لها مولود ذكر والآخر يكون أنثى.[٩]

وعندما يكبرون يتزوج الأخ من أخته التي لم تكن معه في نفس البطن، ولكن أحد أبناء آدم رفض هذا الأمر وأراد الزواج من أخته التي كانت معه وتخاصم مع أخيه لهذا السبب، فأشار عليهم أبوهم أن يقدم كلاهما قربانًا والذي يُقبل منه يكون صاحب الحق في الزواج من الأخت المختارة، فما كان منهما إلا أن امتثلا لأمر أبيهما فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر وهذا ما حكته الآية بشكل صريح، ومن الملاحظ أن الآية لم تذكر ما هو القربان الذي تم تقديمه وهذا من إعجاز القرآن وبلاغته حيث لا يتم ذكر فضول الكلام وما ليس فيه فائدة حقيقية.[٩]

مشروعية القربان

بعد ما تمّت الإجابة عن سؤال ما هو القربان، بات بالإمكان تفصيل أمر مشروعية القربان، فقد بدأت منذ قصة أبناء آدم فهو من العبادات المشروعة والتي يحصل بها التقرب من الله -عزّ وجلّ- والتي تدخل ضمن دائرة النوافل ومنها الأضحية والنَّذْر، كما أن السبب الذي يؤدي إلى قبول الله للقربان المقدم من شخص ما هو التقوى وهو ما بينته الآية الكريمة، أما عن كيفية قبول القربان فهو ما تم شرحه وبيانه في قوله تعالى في سورة آل عمران: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}،[١٠] يظهر من الآية أن علامة قبول القربان هي نزول نار من السماء تأكل القربان فيكون ذلك دليل على صدق المقرِّب فيما ادعى أو نازع وهذا خاص بتلك الأزمان، ولكن تقديم القرابين وأكل النار لها ليس من شروط صدق الأنبياء فهم -عليهم السلام- مؤيدون بالحجج والبراهين والبينات العقلية والمنطقية التي لا يُنازع فيها عاقل ووجود المعجزات وغيرها ما هو إلا لدعم صدقهم في ادعاء النبوة والدعوة إلى الله.[١١]

كما أن القربان هو من ضمن معتقدات الأديان الأخرى مثل اليهودية، فاليهود هم الذين حاججوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطلبوا منه أن يأتيهم بقربان تأكله النار ليؤمنوا به ويصدقوه،[١١] كما أن تقديم القرابين من الطقوس الموجودة في الدين المسيحي وغالبية الأديان البشرية مثل الهندوسية والبوذية وغيرها، والقرابين لدى بعض الأمم والحضارات قد تشمل بالإضافة إلى الطعام والشراب وذبح الحيوان تقديم البشر لإرضاء آلهة معينة أو للتكفير عن خطيئة ما، وهذا من الأشياء المحرمة في الدين الإسلامي وتم ذكرها لاستكمال الجواب عن سؤال ما هو القربان ولمعرفة أنه مشروع وموجود في الأديان والحضارات القديمة وفق تفصيلات وطقوس ليس هنا مجال ذكرها.[١٢]

حكم الذبح لغير الله

بعد معرفة ما هو القربان وأن معناه الشائع لدى عامة الناس هو الذبح لله فلا بدّ من معرفة حكم الذبح لغير الله كالذبح عند قبور الأولياء والصالحين وهذا مما يفعله بعض المسلمين، وكذلك من صور الذبح لغير الله الذبح لكوكب أو وثن وهذا ما يوجد في بعض الأديان الأخرى وجميعها تأخذ حكم الحرمة والنهي وقد تصل إلى درجة الشرك فالعبادة لا تُصرف إلا لله وصرفها لغيره من المنكرات العظيمة، كما وردت نصوص صريحة في وجوب كون الذبح وتقديم القرابين لله وحده منها قوله تعالى في سورة الأنعام: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}،[١٣] ومعنى "نُسُكِي" أي ذبحي، فالذبح قربة مهمة وتظهر أهميتها من خلال اقترانها بالصلاة في هذه الآية الكريمة وفي سورة الكوثر حيث قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}،[١٤] كما ورد حديث في صحيح مسلم يُبين خطورة هذا الفعل وأن فاعله يستوجب اللعن، حيث قال -عليه السلام-: "لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ"،[١٥] والواجب على المسلمين من علماء وطلبة علم وحملة لواء الدعوة أن ينبهوا إلى خطورة هذا الفعل فهو من البدع المنتشرة نتيجة جهل بعض الناس وظنهم أن ذبحهم عند قبر رجل صالح وسيلة للتقرب من الله -سبحانه وتعالى-.[١٦]

العلاقة بين القربان والفداء

إن مما تجدر معرفته بعد الإجابة عن سؤال ما هو القربان هو إدراك العلاقة بين القربان والفداء، والمقصود به فداء النبي إسماعيل من الذبح وقد وردت القصة مفصّلة في سورة الصافات، حيث أوحى الله لنبيه إبراهيم في المنام أن يذبح ابنه إسماعيل ومن المعروف أن رؤية الأنبياء حق، فالنبي عندما يرى شيئًا في منامه فإنه يكون بمثابة الوحي، وأخبر النبي إبراهيم ابنه بما رآه وما يتوجب فعله فامتثل الاثنان لأمر الله تعالى على صعوبة هذا الفعل، وعندما تم تهيئة مقدمات الذبح افتدى الله نبيه إسماعيل وأنزل فداءه من السماء، حيث قال تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}،[١٧] وقد كان هذا الفداء كبشًا عظيمًا ذبحه النبي إبراهيم تقربًا إلى الله وفداءً لابنه وقد احتفظ إسماعيل -عليه السلام- بقرني ذلك الكبش في الكعبة المشرفة،[١٨] ومن لطائف تفسير هذه الآية أن الكبش الذي أُنزل من السماء ما هو إلا القربان الذي قدمه ابن آدم وتقبله الله منه فكان يرعى في الجنة ولما حصل هذا الابتلاء مع الأنبياء الكرام أنزله الله فداءً لنبيه وصفيّه إسماعيل -عليه السلام-.[١٩]

المراجع[+]

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 6502، صحيح.
  2. "طريق التقرب إلى الله"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  3. "تعريف و معنى قربان في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "القربان - معناه وأحكامه"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  5. سورة الإنسان، آية: 8-9.
  6. سورة الأحقاف، آية: 29.
  7. "تفسير الألوسي"، www.library.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  8. سورة المائدة، آية: 27.
  9. ^ أ ب "قصة قابيل وهابيل"، www.kalemtayeb.com، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  10. سورة آل عمران، آية: 183.
  11. ^ أ ب " تفسير الطبري"، www.library.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  12. "قربان"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  13. سورة الأنعام، آية: 162-163.
  14. سورة الكوثر، آية: 2.
  15. رواه مسلم، في علي بن أبي طالب، عن صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 1978، صحيح.
  16. "حكم الذبح لغير الله"، www.binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  17. سورة الصافات، آية: 107.
  18. "وفديناه بذبح عظيم"، www.ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  19. "تفسير النسفي"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.