قصة عن حب الوطن

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٤٢ ، ٢٣ مايو ٢٠١٩
قصة عن حب الوطن

قصة عن حب الوطن

الوطن، تلك الكلمةُ الصغيرة من حيث عدد الحروف، العميقة من حيث المعنى، الضاربة في وجدان كلّ من يسمع بها، حروفٌ ثلاثة قد تجعل المرء يبكي إذا سمع بها، أو يستبدّ به الحنين، كلّ ذلك كفيلة به هذه الحروف، وإذا أراد أحد أن يكتب قصة عن حب الوطن فحسْبُه أن يتذكّر قصصَ الشرفاء الذين عشقوا أوطانهم، ويستلهم منهم قصصًا تصلحُ لِأنْ يقرأها أيّ شخص، كبيرًا كان أم صغيرًا، ويأخذ منها درسًا مهمًّا جدًّا، عنوانه: الوطن فوق الجميع.

في المأثور العربيّ أنّ رجلًا كان يشتغل في تهريب السِّلَع الغذائيّة إلى بلده من بلد مجاور، لم يكن هدفه أنْ يجني مالًا، ولكنّه كان يشفق على أهله الذين لا يجدون هذه البضائع في بلدهم، وإن وجدوها فهي باهظة الثّمن، فكان يأتي بها لهم بأسعار زهيدة، ولأنّه يشتغل في التّهريب فقد أصدرت حكومة بلاده قرارًا يقضي بملاحقته والقبض عليه وسجنه عقوبة له لخرقه القوانين السائدة في بلده، ولكنّه ظلّ متخفّيًا عن عيون الجنود والحكومة، ولم يمسكوا به.

وفي يوم كان هذا الرّجل مختبئًا في كهف في جبال قريته الحدوديّة، وإذ برجل مصاب يتكلّم بلهجة قريبة للهجة قريته، فحسِبَه من القرى المجاورة، فنهض إليه وساعده، وعالج جرحه، وتركه في الكهف، وذهب ليحضرَ له طعامًا وشرابًا، ولكنّه حين عاد إلى البيت وجد زوجته تستمع إلى المذياع، وعلِمَ منها أنّ الجنود يبحثون عن طيّار قد أسقطوا له طائرته فوق بلادهم، وهذا الطيّار يبدو أنّه من الصّهاينة المجرمين، فطلب من زوجته أن تصفه له كما وصفوه في المذياع، فإذا هو يشبه ذلك الرجل الذي آواه في الكهف وعالجه، وأيضًا هو مصاب، ولا بدّ أنّ ذلك كان بسبب إسقاط طائرته، فعاد إلى الكهف، فوجد الرّجل مستيقظًا متيقّظًا عالضّبع الذي يريد الغدر بفرسته، فقال له: هل أنت الطيّار الصهيونيّ الذي أُسقطت طائرته؟ فقال: نعم، فماذا تريد منّي؟ قال: سآخذك إلى الحكومة لتقبض عليك، وآمل أن يقتلوك لأنّ أمثالك لا يليق بهم سوى القتل! قال الطيّار: وتسلّم نفسك؟ يبدو أنّك هارب منهم أيضًا، وإذا ذهبت إليهم سيمسكون بك، وسيسجنونك معي في زنزانة واحدة! قال الرجل: اخسَأ، ليس مثلي من يشاطرك مكانًا واحدًا ولو كان ذلك في الجنّة، سآخذك، سيقبض عليك جنود بلادي، وستكون عبرة لكل المجرمين من أمثالك.

وبينما هم كذلك استغلّ الطيّار لحظة شرود من ذلك الرّجل، وأراد أن يغدر به، ولكنّ اللّٰه-سبحانه-شاء أن يرتدّ كيده عليه، فنبّه ذلك الرّجل إلى غدر الطيّار، فضربه على رأسه وأفقده وعيه، ثمّ حمله على ظهره وذهب به إلى مخفر الشّرطة ليسلّمه، وتقدّم إلى رئيس المخفر وقال له: يا حضرة الجنديّ، هذا عدوّي وعدوّكم أراد أن يهرب فأمسكت به، وجئتكم به لا أبالي ما ستفعلون بي، وإن شئت فهات الأصفاد وضعها في معصمي، فلا أبالي بعد اليوم أسجنتموني أم لا، المهمّ عندي أن أكون وفيًّا لوطني ولا أغدر به.

تقدّم إليه رئيس المخفر، وقبّل جبينه، وأطلَقَ سراحه، وقال له: ليس من شيمنا أن نكافئ أبناء الوطن الأوفياء بالسّجن، ومثلُكَ يستحقّ أكاليل الغار على وفائه، فاذهب واعمل ما شئت، فوطنك لا يغدر بك، ويعزّ عليه أن يراك خلف القضبان وأنت الذي جئته بعدوّه مكبّلًا مشدود الوثاق، وعاد الرّجل إلى عمله، واستمرّ بتأمين البضائع الرّخيصة لأبناء قريته، ولكن هذه المرّة تحت أنظار حكومة بلاده، وبرضاها؛ فهو اليوم بطل قد أسدى لوطنه خدمة لا تقدّر بثمن، وأمسك بعدوّ غادِرٍ حاقدٍ لا يؤمَنُ جانبُه.

والعبرة من هذه القصّة أنّ الذي يرى وطنه فوق كلّ شيء، ويدافع عنه بشرف ونزاهة فإنّ اللّٰه -تعالى- سيكون معه، وينجّيه من المخاطر، ويتولّاه برحمته، وهذه قصة عن حب الوطن قد جادَ بها هذا المقال.