سرقات المتنبي في النقد القديم

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٢٢ ، ١٣ سبتمبر ٢٠٢٠
سرقات المتنبي في النقد القديم

السرقات الشعرية

كيف تجلّت السّرقات بينَ الشعراء؟

إنّ مسيرة النقد الأدبي قديمة وحافلة بالقضايا، سواء كان ذلك عند العرب أم الغرب، وفي العصور السابقة كان النقد الأدبي له طابع مختلف عمّا هو عليه في العصر الحاضر، إلا أنّه لم يكن يخلو من القضايا ذات الأثر في قراءة النصوص الشعرية والنثرية، وإحدى القضايا التي ظهرت في النقد الأدبي عند العرب قضية السرقات الشعرية. كان أبو الحاتمي يرى أن كلّ كلام العرب متصل بعضه ببعض، والذي يخترع فيه شيئًا جديدًا ويبدع قليل ونادر، إضافة إلى أن السرقات الشعرية كانت تتجلى بإعجاب أحدهم بلفظ فيأخذه كلّه أو بعضه، أو إعجابه بأحد المعاني وإعادة صياغتها بطريقته، وقد كتب الحاتمي كتابًا بعنوان "الرسالة الموضّحة"، وأحاط فيه بكل السرقات الأدبية، وكان يذكر مثلًا سرقات المتنبي ويبيّن إساءة المتنبي في أخذ اللفظ أو المعنى من غيره من الشعراء، وتارة يذكر بعض إحالات الشاعر، ويذكر النص الأصلي الذي أخذ منه، ويبيّن موضع الخلل في اللفظ أو المعنى.[١]

البيئة النقدية في العصر العباسي

كيف أثّرت حياة التّرف على مفهوم الأدب في عصره الذهبيّ؟

إن العصر العباسي واحد من عصور الازدهار والتحول الثقافي، والاتساع الحضاري، حتى وصل إلى مرحلة الترف في كل نواحي الحياة من العمران والسياحة والمال والعلم أيضًا، فقد أثّرت الظروف المحيطة في هذا العصر على الشعراء، وانعكس أثَر الترف في شعرهم، وبدؤوا يحولون الشعر والأدب إلى فن وصناعة، ويهتمون بتنميق الشعر وزخرفته وتحسينه بكلّ الصور الممكنة، حتى سُمي هذا العصر بعصر البديع، ولقد انعكس هذا الترف بالضرورة على النقاد أيضًا في العصر العباسي، ومما يجدر ذكره أن علماء هذا العصر جمعوا كل ما يمكن جمعه من شعر للشعراء في العصر الجاهلي والعصر الإسلامي واطّلعوا عليها، فصار لديهم مادة غزيرة للدراسة والنقد.[٢]

وفي العصر العباسي كان النقاد على قسمين، أوّلهما كان يسير كما سار السلف في تذوّق الشعر وقراءته ويعتمد على إبداء رأيه الشخصي في كل شاعر، ويبين أن فلانًا أشعر من فلان، ويكون ذلك تبعًا لصفة معينة يحبها الناقد، كأن يقول أحدهم مثلًا إن امرأ القيس أشعر من غيره لأنه يستخدم اللفظ الغريب، ويأتي ناقد آخر، ويقول إن الأعشى أشعر بسبب معاني الغزل التي طرحها في قصائده، وهكذا دواليك، في حين اتجه القسم الثاني من العلماء إلى العلمية والموضوعية في النقد الأدبي، وحاولوا جهدهم الابتعاد عن الآراء الشخصية والأذواق الفردية التي تمثل الناقد فقط، وأو ل ما بدأت هذه الحركة في البصرة، وبدأت حركة تأليف كتب مختصة بالنقد فقط، وأول كتاب نقد أُلّف هو كتاب طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي، وجاء بعده ابن قتيبة وابن المعتز وقدامة بن جعفر والآمدي والصولي

وبدأت حقبة جديدة للنقد الأدبي في العصر العباسي، وتتالت المؤلفات التي تختص بالنقد بطريقة موضوعية علمية.[٢] وقد أجمع أغلب نقاد العصر العباسي على قضية السرقات الشعرية، إلا أنهم اختلفوا في بعض الآراء، فقد كان الآمدي يرى أن سرقة المعاني أمر ليس سيئًا إلى حد كبير، وذلك لأنه من الأمور التي قلما يسلم منها أحد، ولا يمكن أن يُعاب الشاعر إذا سرق المعنى من الشاعر السابق، بل الذي يعاب عليه هو أن يسرق من الشاعر نفسه معاني عدة ويقوم بالبناء عليها، وعلى هذا الأساس بدأ يدرس الخصومة في تفضيل أبي تمام على البحتري أو العكس، وهذا مما ساعد في إطفاء نار الخصومة بين البحتري وأبي تمام، ولكن ما لبثت ان اشتعلت نار جديدة بظهور أبي الطيب المتنبي، فإن نبوغه وتجديده في المعاني أدى إلى وجود خصوم كثر له، ومما زاد من الخصومة أن سيف الدولة الحمداني كان يقربه من بلاطه، وهنا ألّف عبد القاهر الجرجاني كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه وكان فيه عادلًا موضوعيًا بعيدًا عن الأهواء الشخصية والمواقف الفردية، وقارن بين شعر المتنبي وشعر غيره وبين رأيه بالأجود والأأفضل.[٢]

سرقات المتنبي في النقد القديم

كيف خفّف النقّاد من وطأة مصطلح السرقة الشعريّة؟

إن مصطلح السرقات الشعرية على أنه انتشر انتشار النار في الهشيم في النقد العربي القديم، إلا أنه يدل على فعل سيّئ وقبيح، ومن الصعب بمكان أن يُقال لشاعر أنه سرق معنى أو سرق بيتًا شعريًا، ولذلك بدأ النقاد بالتخفيف من وطأة هذا المصطلح، ووضحوا بأن ليست كل سرقة مذمومة، بل ثمة سرقات لا يُعاب صاحبها، كأن يسرق المعنى ويغير في الألفاظ، وبذلك صنفوا السرقات في درجات ومراتب حسب الطريقة التي أعاد فيها الشاعر بناء المعنى، ومع كل هذه الجهود في تحديد السرقات الشعرية وأنواعها لم يخلُ النقد الأدبي من بعض الأحكام التعسفية على بعض الشعراء بالسرقة الشعرية، مثل هجوم كثير من النقاد على المتنبي، والحديث عن سرقات المتنبي واتهامه بأمور ليست فيه ربما ولا في شعره.[٣]

وقد بين الجرجاني في كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه رأيه بسرقات المتنبي، وأول أمر نبه إليه هو أن كثيرًا ممن تكلموا عن سرقات المتنبي كانوا يطلقون أحكامًا اعتباطية دون قراءة وتمحيص وتدبر وتأنٍ، ومهد بكثير من القواعد والأصول التي سيسير عليها في دراسته لسرقات المتنبي، فكان أبرز ما يميز دراسته أنه عندما بدأ بمناقشة أبيات المتنبي التي اتُهم فيها بالسرقة لم يكن يعلّق بناء على ما ذُكر سابقًا إنما بناء على القواعد الصحيحة لتحديد السرقات الشعرية.[٤]

وممّا يجدر ذكره أن كتبًا كثيرة كتبت عن سرقات المتنبي، منها ما بدأ مع كتب شرح قصائد المتنبي، وفي الشرح أُشعلت أول جذوة للفت الانتباه إلى سرقات المتنبي، ومنها كتب نقديّة عامة عرضت بعض سرقات المتنبي، ومنها كتب تخصصت بالحديث عن سرقات المتنبي وفق أصول وقواعد، ومما يجدر ذكره أن دراسة هذه السرقات كان هو السبب الذي ساعد في توضيح مدى إبداع الشاعر أبي الطيب وقدرته على توليد المعاني وتجديدها، وبذلك يكون المتنبي قد اتُهم بالسرقة الشعرية، وفي الوقت نفسه نال الشهرة الكبيرة، وشهادة قسم كبير من النقاد بأنه ولّد المعاني وأبدع في صياغتها.[٥]

المراجع[+]

  1. دعاء فرج كامل أحمد سليم، قضية السرقات قراءة نقدية في فكر الحاتمي، صفحة 4. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت "النقد في العصر العباسي"، www.hindawi.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-19. بتصرّف.
  3. "السرقات الشعرية"، www.diwanalarab.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-19. بتصرّف.
  4. "الوساطة بين المتنبي وخصومه"، site.iugaza.edu.ps، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-19. بتصرّف.
  5. ملكة علي كاظم الحداد، سرقات المتنبي في النقد العربي القديم، صفحة 9-10. بتصرّف.