خواطر عن الحياة

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٥٩ ، ٤ نوفمبر ٢٠٢٠
خواطر عن الحياة

خاطرة عن الحياة السعيدة

إنّ الحياة هي الرحلة الطويلة التي يعيشها كل فرد، فيتعثر بخطواتها، ويتنقل بين ظروفها، فتغنى الكثير من الشعراء بالحياة ومنهم المتنبي إذ يقول:[١]


إنّي لأعلَمُ واللبيبُ خَبيرُ

أنَّ الحياةَ وإن حَرَصتَ غُرورُ

ورأيتُ كُلًّا ما يُعلِّلُ نَفسَهُ

بِتَعلَّةٍ وإلى الفَناءِ يَصيرُ


إن الشاعر في الأبيات السابقة يذكر مدى تقلب الحياة وتبدّل ظروفها، فالحياة هي في حقيقتها جميلة، ولو نظر الفرد إلى أبسط النِعم التي وهبها إليه الله، لشعر بمدى نعمة وسعادة ما رُزق به، كما أن السعادة الحقيقية لا تقتصر على شيء زائل، كالجمال، والغنى، والحب وغيرها، بل تكمن السعادة بالطريقة التي يراها العقل لهذه الأشياء، فثمة الكثير من الناس من يملكون القليل ولكنهم بهذا القليل هم أسعد من في الدنيا، والبعض الآخر يملك الكثير ولكنه لا يستطع أن يستشعر سعادته.


فالسعادة هي شعور داخلي، خُلق من الأمان والحُب والإيجابيّة، والنظر لكل شيء بعينِ الجمال وذلك بحد ذاته سعادة، كما أن الحياة متجددة، فهي دائمًا تتبدل في صروفها، إذ تُعطي وتأخذ، وفي كل عطاء هناك مرة أولى يكمن الجمال بها، لا بأس أن ينظر كل فرد إلى أول نسمة هواء في فصل الشتاء ويأخذ النفس العميق الذي يُعطيه السعادة بالراحة، إن السعادة شيء بسيط وسهل جدًا، يُمكن الحصول عليه بأبسط الأشياء، من قطرة مطر، أو فنجان القهوة، أو حتى قطعة شوكلاته لذيذة.


تكمن السعادة بكلِّ شيء صغير قادر على أن يهزَّنا من الداخل، وأن يمدَّنا بكامل القوَّة، تلك القوَّة في الحياة، فأحيانَا قد يُسعد الفرد بأشياء لا قيمة لها عند غيره، ولكنَّه يشعر بأنَّه ملك الدنيا بوجودها، وذلك لأنَّ السعادة في حقيقتها تتجوهر بالقناعة والرضا، إذ أنَّ الرضا هو الذي يحقق سعادة الحياة، والشعور بالطمأنينة بها، فمن كان يريد أن يحصل على كل شيء في الحياة، فإنَّه بذلك لن يحصل على شيء، لأنَّ الأنانية لا تخلق السعادة، بل هي تزيد من طمع صاحبها دون أي سعادة تُذكر.


هناك الكثير ممن يبحثون عن السعادة، والكثير ممن يتمنى أن يبقى طوال عمره سعيدًا، وذلك لأن السعادة هي دواء كل داء، فهي ترياق الحياة، ومصدرًا لكل عمل إيجابي، وبابًا مهمًا في الحياة، يُفتح هذا الباب على الكثير من الأشياء، فمثلًا البعض يرى السعادة بالمال، والبعض في السفر، والبعض الآخر في محبة الناس، إذن فأسباب السعادة كثيرة وتختلف من شخص لآخر لذلك فمن أراد الحصول على كامل السعادة عليه الرضا، والأمل بأن ما هو قادم أجمل، وبأن الحياة التي بين يديه كثير ممن يتمنى الحصول عليه.


إن الجميع يسعى إلى السعادة ولكن دون أن يدرك ذلك، لكن البحث عن السعادة في غالبه لا يكمن بالخارج، بل هو يتأصل بداخل كل فرد، فيمكن أن تكون بالذاكرة، فالكثير من الأفراد يسترجعون ماضيهم ويشعرون بمدى السعادة بوجود هذا الماضي في ذاكرتهم، إنه الماضي الذي يحمل الحب والحنان والعطف، ويُقرب الكثير من الأشخاص الذي فُقدوا فماتوا، إن الذكريات تُحيي كل ما هو مفقود، وكل ما نشعر بالحنين له، فشعور الحنين بحد ذاته سعادة، لأنه يذكرنا بأجمل محطات الحياة التي مرّ الفرد بها.


تختلف السعادة باختلاف أصحابها، وهذا الشيء من قوانين الحياة، ومن الطبيعي أن السعادة لا تتشابه بين الأفراد، ولكن الشيء المتفق عليه أن السعادة تكن في معناها الأصدق والوحيد، انها حالة من الرضا على الحياة، وحالة من الصلح الذاتي بين ما هو باطن وظاهر، وبين كل ما هو محسوس وملموس، وبين الإنسان وبين الله، وبين الإنسان وبين جميع ما خُلق، ذلك الصًلح سيحقق الشعور الحقيقي للسعادة، ذلك لأن الفرد قد تخلّص من كل المشاعر السلبيّة والتي تجلب له الشؤم بالحياة، لذلك فلا بد من البحث عن السعادة في داخل النفس أولًا.


وفي النهاية، إن الحياة جميلة رغم كلِّ شيء، وذلك لأن كل فرد هو بين يدي الله، فالله أعلم بما أفضل لكل فرد، فهو الذي يُسير الحياة، إذن فلا بد من تقدير الحياة، والعيش بها بسلام، فما دامت السعادة تتشبث في القلب، فهذا يعني أن صاحبها قادر على تحقيق كل أمل وطموح يسعى له، فالسعادة هي ما تجلب النجاح في كل شيء في هذه الحياة.

خاطرة عن الحياة الحزينة

يشعر كثير من الناس أنَّ الحياة في مجملها هي كئيبة وحزينة، ولكنَّه بذلك يبتعد عن المعاني الجميلة بهذه الحياة، ومن أجمل القصائد التي عبرت عن ذلك هي قصيدة إيليا أبو ماضي، فقال:[٢]


قالَ السَّماءُ كئيبةٌ وتَجهَّما

قُلتُ ابتسم يَكفي التَّجهُّمُ في السماء

قالَ الصِّبا ولَّى فَقُلتُ له ابتسم

لَن يُرجعَ الأسَفُ الصِّبا المًتَصرِّما


إنّ القصيدة السابقة عبّرت بصدق عن الحياة، وعن نظرة الحياة المتشائمة في أعين البعض، فهم يرون التعاسة في أبسط التفاصيل، فلا يستطيعون أن يشعروا بجمال أي شيء، إذ سيطرت عليهم الطاقة السلبيَّة، فتمكنت منهم النظرة السوداوية للحياة، وذلك ما زاد من ضيق أنفسهم، وتعثرات حياتهم، والبُعد عن كلِّ شيء، لأنَّهم يرون بالإنعزال راحة من هذه التعاسة، ومن هذا الحزن في الحياة.


الكثير من الأشياء المزعجة في الحياة تسبب الحزن، كالحروب والصراعات، وانتشار الأمراض، وفقدان الأصدقاء، فكلُّ هذه الأشياء هي ضربات موجعة تستمر بالنزيف دون توقف، وتجعل الفرد يفقد مقاومة الضعف والبكاء، فالحزن هو دليل على مدى الوفاء للحياة، لأن الحزن لا يولد إلا من شعور الألم ذلك الألم الصادق والذي ينبع من داخل القلب، والحياة مليئة بالأسباب التي تستدعي الحزن، فيحاول الفرد بكامل قواه بأن يحارب هذا الشعور وأن يسعد من أجل عدم الاستسلام، والمحاولة بالمقاومة لأنَّ الحياة تستدعي ذلك أيضًا.


أصعب الأشياء في الدنيا هي أن يجلس الإنسان مع نفسه، فيسترجع كل مُحزن مرَّ به، إذ يفقد بصيص كلِّ أمل، فتصبح الحياة لا معنى لها، هي حياة خالية من البهجة، مجرد أنفاس زائدة على الكرة الأرضية، رغم أنه ثمة مجموعة صور جميلة عن الحياة فيما سبق، ولكنها أصبحت صورًا ممزقة، فلا شيء يجمع بين الماضي والحاضر سوى الألم، والذكرى التي تُرجع هذا الألم، فتولد آهات مؤلمة، تتألم من شكوى القلب، وهم الروح، لكن هذه الآلام هي في حقيقتها جيَّدة لأنَّها تعلِّمنا كيف نصبح أناسًا لا زيف فينا، وإنما نحن أصحاب كلمة طيبة، لأننا نعلم مدى وقعها على قلب من يقابلنا، فالحزن جعلنا أكثر رحمة ورأفة بكل شيء حولنا.


لا بدَّ للحلو والمرِّ في هذه الحياة أن يمرَّ، فالحياة السعيدة غالبًا ما تتحول إلى حياة حزينة ليصبح الحزن جزءًا منَّا، فتعتاد أعيننا على فقدان النظر لكل جميل، فلا شيء يُرى سوى السوداويَّة، فالحزن هو صمت الروح الذي يكتم كل المشاعر المؤلمة في داخل قلوبنا، تلك المشاعر التي في حقيقتها تبحث عن الراحة ولكنها لا تستنجد بها، لأنَّ الحزن يفوق كل شعور، وهو شيء من قلة الحيلة والخذلان من تجربة كل جديد وخوض مواقف أكثر، فيصبح الفرد معزلًا لا يبحث عن شيء، ويقول جلال الدين الرومي: "إن كنت تفتش عن قطعة خبز فأنت الخبز، وإن تستطع إدراك هذه الفكرة الدقيقة فسوف تفهم، أن كل ما تبحث عنه هو أنت".[٣]


إنَّ الحزن قبل أن يكون شعور فهو قرار، لذلك فهو نتاج النفس في البحث عن اليأس والتعلق به ما إن وجدته، ولا إنكار أنَّ هذا الشعور هو شعور نبيل وصادق، ولكنَّ ديمومته ستسبب المزيد من الألم والتعب، فالحزن أمر صعب، يحتاج صاحبه إلى القوة من أجل أن يُسيطر عليه، ذلك لأن الفرد الذي يريد الحفاظ على الحزن، سيجعله ذلك يتخذ طريقًا بعيدًا عن الحياة، فيتعمق بالوِحدة، والاكتئاب، وهذا في محصلة الأمر سيجلب التعاسة، وسينهي كل معاني الحياة، فالحياة مصطلح لا يرتبط بالحزن أبدًا، لأن الحياة عبارة عن روح تحيا، ولا تحيا الروح سوى بالإطمئنان والسعادة.


إن الحياة الحزينة هي عبارة عن وجهات نظر مختلفة، فالحياة الحزينة عند البعض هي ذاتها حياة سعيدة عند الآخرين، فمثلًا يشعر أحدهم بالحزن بسبب حنينه إلى ماضيه، والشخص الآخر يشعر بالسعادة بالحنين إلى الماضي فيشكر هذا الماضي على وجوده، وهذه الذكريات على حصولها، إذن فالحياة هي كما المنزل، ولكل فرد أن يختار نافذته كما شاء، فإمَّا أن يذهب إلى السعادة فيسعد، وإمَّا أن يتعمَّق في سراديب الحزن ويبقى متأسفًا طيلة عمره، لذلك فلا بد أن يأخذ الحزن وقته في حياتنا، ولكن سرعان ما علينا أن نحاول استرجاع سعادتنا، لأن الحياة الحقيقية لا تكمن إلا بالفرح.

المراجع[+]

  1. "إني لأعلم واللبيب خبير"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 2020-11-03. بتصرّف.
  2. "إيليا أبو ماضي"، اقتباسات، اطّلع عليه بتاريخ 2020-11-03. بتصرّف.
  3. "رباعيات جلال الدين الرومي"، اقتباسات، اطّلع عليه بتاريخ 2020-11-03. بتصرّف.