خطبة عن فلسطين مكتوبة

خطبة عن فلسطين مكتوبة
خطبة عن فلسطين مكتوبة

مقدمة الخطبة

إنَّ الحمد لله، حمداً طيباً مباركاً، -سبحانه- الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى، حيث الجلالة والملكوت الأعلى، فتزيَّنت به السماوات العُلى، وفرحت به الملائكة والملك جبريل شديد القُوى، (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى).[١]

ثمّ عاد إلى الأرض ليلقى، من قومه شديد البلوى، ليؤمن به أهل التُّقى، ويكفر الجاحد ويطغى، وليجزيَ الله نبيه بالحسنى، ويرفع له ذكره في العالمين وأعلى، وأشهد أن لا إله إلّا الله الفرد الصمد، مالك الآخرة والأولى، وأهل المغفرة والتقوى، وأشهد أنَّ محمداً سيد الخلق والورى، خير من وطئ الثرى، وخير من صام وصلَّى، وحجّ ولبّى، وطاف بين الصفا والمروة.[٢]

الوصية بتقوى الله

معاشر المسلمين، أوصيكم ونفسي بالتقوى، وأن تتمسكوا بالعروة الوثقى، وأن تتقربوا إلى الله بالحسنى، حيث النور والهدى، وأحذركم من الرضوخ إلى الدنيا، وأن تسلكوا سبيل الغواية والعمى، واحذروا عذاب الله فإنه يعلم سر الضمير وما نوى، ويعلم الجهر والنجوى، وما هو أدق من الذرة والنوى، فقد أعد للمتقين ما لم يَسمع به بشر ولا رأى، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).[٣][٢]

الخطبة الأولى

قال الله -تعالى-: (سُبحانَ الَّذي أَسرى بِعَبدِهِ لَيلًا مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إِلَى المَسجِدِ الأَقصَى الَّذي بارَكنا حَولَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ البَصيرُ[٤] إنّها الأرض التي بارك الله ترابها وشجرها وحجرها، هذه الأرض المقدسة التى بارك الله سماءها وأرضها، وجعلها مهبط الوحي وأرض الأنبياء وأولى القبلتين، وثالث المسجدين.

ولا تشدُّ الرحال بعد المسجدين إلاّ إليها، صلَّى المسلمون إليها زمناً ما يقارب ستة عشر شهراً، وجعلها الله -تعالى- موطن الأنبياء ومسكنهم، وقد سكنها الصالحون والعابدون والزهاد، وخرج من أرضها العلماء والفاتحون، والفقهاء والمحدِّثون.

وقد جعلها الله مباركة عند كلِّ الأمم، ولكلِّ البشر، حتى طمع فيها من لا يستحقُّها، ورغب بها من ليس له فيها حظٌّ ولا نصيب، وأنفقوا من أجل الوصول إليها طائل الأموال والأرواح، حملات صليبية، ثم حملات صهيونية لا تنتهي حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وكلُّ إشارة في هذه البلاد تصف الجمالَ والجلالَ والتعظيم والتقدير.[٥]

معاشر المسلمين، إنَّ الله -تعالى- أقسم بالأرض المقدسة -فلسطين- في كتابه العظيم، وذلك في قوله -تعالى-: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ[٦] حيث فسّر كثيرٌ من العلماء هذه الآية، وبيّنوا أنَّ المراد بالتين والزيتون بشكلٍ عامٍّ بلاد الشام، وبشكل خاصٍّ فلسطين، وبشكل أخصُّ القدس الشريف.[٧]

وإنَّها أولى القبلتين، حيث وجَّه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجهه في صلاته شطرها، فكيف فرَّطنا بها نحن المسلمون؟ وكيف تركناها؟ كيف يطيب عيش المسلمين وقبلة رسولهم مسلوبة بأيدي من عادوه، وتآمروا على قتله.

متى لنا أن نفيق نحن المسلمون؟ ومتى نعلم أنَّ الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن رسول الله وعن الأنبياء وعن الكتب السماوية التي عظَّمت فلسطين ورفعت من قدرها؟ قال الله -تعالى-: (وَلِسُلَيمانَ الرّيحَ عاصِفَةً تَجري بِأَمرِهِ إِلَى الأَرضِ الَّتي بارَكنا فيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيءٍ عالِمينَ)،[٨][٩] هي فلسطين الأرض المباركة.

معاشر المسلمين، يعتصر القلب اليوم مما يرى ويسمع من ألم الفرقة والانكسار، والبعد عن الدين، أين نحن ممّن يَغضب لله ويفعل ما فعله القائد صلاح الدين الأيوبي الذي انتصر لله، ونصر حمى الله، وطرد الصليبين الغزاة من مسرى رسول الله، وأعاد البلاد إلى أهلها، وفرح هناك المسلمون.

فبارك الله -تعالى- الأرض المقدسة، وطهَّرها من رجس من دنّسوها، فالبلاد تعاني من الذي لا يراعى حُرمةً لبشرية ولا لإنسانية، فيقتل ويهدم ويدنِّس ويسلب، والمسلمون مجتمعون على ملذَّاتهم، يتهافتون على الملاهي والترَّهات، وما أصدق الشاعر حين يقول:[٥]

أقول والقلب يشدو في خمائلها

هذا الجمال إلى الفردوس ينتسـب

يـا للجبـال إذا مـا زينت وعلى

سفوحها غرد الزيتون والعنب

يا للرّبى والمروج الخضر مصبحة

والورد من كل لون منظر عجب

هنا السموات بالأرض التقَيْن وقد

عمّ السرور جميع الكون والطرب

هذي فلسطين يا من ليس يعرفها

كأن أحجارها القدسيـة الشهبُ

عندما فتح المسلمون بيت المقدس، ورفض أهلها أن يسلموا المفاتيح إلاَّ للخليفه العادل الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الذي أمّنهم على أموالهم ومساكنهم وكنائسهم، وكتب لهم الأمان، وهو ما يُسمّى حتى اليوم بالعُهدة العمرية، ونفّذ المسلمون العهدة العمرية على مرّ العصور المتلاحقة.

إلا أنّ الصليبين عندما احتلُّوا بيت المقدس في حملاتهم، لم يرقبوا في مؤمنٍ إلّا ولا ذمّة، وصبّوا غضبهم على المسلمين، ولم يعاملوا المسلمين كما عاملوهم بالحسنى، وقد قال الله -تعالى-: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)،[١٠] فها هو الزمن قد دار وعاد، وها هم اليهود قد عادوا؛ ليجدّدوا زمن العداء، وفعلوا ما فعلوا بالمسلمين، فقتَّلوا ودمروا وشردوا، وأهانوا أهل البلاد، وأخذوا مساكنهم.

لكنَّ وعد الله قريب، فقد وعد الله المحسنين بالنصر والتمكين، وسوف يُقاتَل اليهود وننتصر عليهم بإذن الله ومشيئته، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تقومُ الساعةُ حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقولَ الحَجَرُ وراءَهُ اليَهُودِيُّ، يا مسلم، هذا يَهُوديُّ ورائي فاقتله).[١١]

وقد جعل الله بيت المقدس محطّ امتحان لهِمم الصالحين وعزائم الرّجال، مصداقاً لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)،[١٢] وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي لكم، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، ثم الصلاة والسلام الأتمَّين الأكملين على النبي المصطفى، المبعوث رحمة للعالمين، أرسله الله -تعالى- بالدين القويم؛ من أجل هداية البشرية أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله، ربّ الدنيا والآخرة، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم الله -تعالى- به الرسالات، وجعل أمته خير الأمم.

معاشر المسلمين، اعلموا أنّه لا نُصرة للحقّ والدين، ولا إرجاع للمغتصب من الأرض إلاّ باتحاد المسلمين وتماسكهم، وقال الله -تعالى-: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).[١٣]

وإنَّ الذي يمارسه الصهاينة ليس بالجديد ولا بالغريب، وقد أخبرنا عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن هذا المآل في أحاديثه الشريفة، فقال: (يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ ‌غُثَاءٌ ‌كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ).[١٤]

وينبغي على المسلمين أن يغيِّروا ما بأنفسهم حتى يساعدهم الله على عدوهم، فقد قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم[١٥] ولن تعود الأرض حتى نعود إلى هذا الدين القويم، ولن تعود الأوطان إلّا بدين الله -تعالى-، فإنَّها قد فُتحت من قبل بهذا الدين العظيم، وكذا لن تعود فتقوم إلاّ به.

معاشر المسلمين، لن ننسى أنَّ فلسطين هي المُبتدأ والمَنشأ والمنتهى، فيها بدأت الرسالات، وفيها تنتهي البطولات؛ حيث على أرضها سوف يقتل المسيح الدجال، فهي حبل موصول بهذا الدين على مرّ الزمان.

ولذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي ‌شَامِنَا وفِي يَمَنِنَا)،[١٦] هذه هي المكانة والبركة التي حظيت بها فلسطين على مرِّ الأزمان في قلوب المسلمين، ومن أجل ذلك قال القائد البطل المسلم نور الدين زنكي: "أَسْتَحِي مِنَ اللهِ أنْ أَتَبَسَّمْ وبيتُ المقدسِ في الأسر".[١٧]

الدعاء

معاشر المسلمين، إنِّي داعٍ فأمِّنوا:

  • اللهم اغفر لنا وارحمنا، واعفُ عنا وتجاوز، وأنت الكريم الأكرم.
  • اللهم أبعد عنا العقوبة، وأجزل لنا في المثوبة.
  • اللهم اعف عن المسيء منا، وتجاوز عن المخطئ والمسرف، وارحم الضعيف والعاجز.
  • اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان.
  • اللهم انصرهم، ولا تنصر عليهم.
  • اللهم سدد رميهم، ووحد كلمتهم، واشف جريحهم، واخلفهم في أهليهم، وتقبل الشهيد منهم.
  • اللهم عجّل نصرك للمسلمين، وكُن معهم يا قويّ يا عزيز.
  • اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
  • اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك.
  • اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وآتنا في الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المراجع[+]

  1. سورة النجم، آية:8-9
  2. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين، خطب المسجد النبوي، صفحة 18. بتصرّف.
  3. سورة آل عمران، آية:102
  4. سورة الإسراء، آية:1
  5. ^ أ ب عبيد بن عساف الطوياوي (2/4/1431)، "فضل فلسطين وبيت المقدس "، ملتقى الخطباء، اطّلع عليه بتاريخ 20/10/2021.
  6. سورة التين، آية:1
  7. أبو عبد الله القرطبي (1384)، الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، القاهرة:دار الكتب المصرية، صفحة 110، جزء 20. بتصرّف.
  8. سورة الأنبياء، آية:81
  9. عبد الكريم الخصاونة (20/6/2011)، "مكانة المسجد الأقصى في قلوب المسلمين"، دار الإفتاء الأردنية، اطّلع عليه بتاريخ 20/10/2021. بتصرّف.
  10. سورة آل عمران، آية:140
  11. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2926، صحيح.
  12. سورة البقرة، آية:143
  13. سورة البقرة، آية:216
  14. رواه شعيب الارناؤوط، في سنن أبي داود، عن ثوبان، الصفحة أو الرقم:4297، حسن.
  15. سورة الرعد، آية:11
  16. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:1037، صحيح.
  17. "خطبة جمعة: من أجل القدس عاصمة فلسطين عربية إسلامية"، إسلام، اطّلع عليه بتاريخ 20/10/2021. بتصرّف.

15 مشاهدة