خطبة عن الشباب والصلاة

خطبة عن الشباب والصلاة
خطبة عن الشباب والصلاة

مقدمة الخطبة

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدِ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أوجب علينا الصَّلاة؛ ليكون فيها الهدى والصَّلاح؛ صلاح القلب والعقل والِّلسان؛ جعل الله -تعالى- الصَّلاة صِلةً وقربةً بين الخالق والمخلوق.

والحمد لله على ما أنعم في الدُّنيا وفي الدِّين، وأشهد أنَّ لا إله إلَّا الله، (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)،[١] وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم- خير من صام وصلَّى، سيد الخلق أجمعين، صاحب رحلة الإسراء والمعراج، حيث عاد منها بالصَّلاة الواجبة، ليطهِّر بها القلوب الظامئة المتعبة.[٢]

الوصية بتقوى الله

معاشر المسلمين، أوصيكم ونفسي المقصِّرة بالتَّقوى، فإنَّها سلاح لمن لا سلاح له، وأوصيكم وإياها بالطَّاعة، وأحذركم وإياها من مخالفة الأمر، وارتكاب الذَّنب، والوقوع بالزَّلل، وأسأل الله لي ولكم، ولسائر المسلمين النَّجاة من النَّار، والعصمة من الزَّلة، فاتَّقوا الله يا عباد الله كما أرادكم، وأطيعوه كما أمر وشرع، فقد قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).[٣][٤] 

الخطبة الأولى

معاشر المسلمين، إنَّ أهميَّة الصَّلاة آتيةٌ من كون الصَّلاة أكثر العبادات دلالةً على العبوديَّة لله -تعالى-، ألا ترى -يا عبد الله- أنَّك إذا قمت إلى الصَّلاة اتجهت إلى جهةٍ لا يجوز لك الالتفات إلى غيرها، ووقفت وقوفاً لا يجوز لك تغيير هيئته.

ثمَّ تقول كلاماً لا يجوز الكلام بغيره، ثمَّ تنحني بظهرك وتركع والركوع هو الخضوع، فإنَّ المسلم إذا ركع وحنى ظهره فإنَّه بهذا الركوع قد دلَّ على مدى خضوعه وانقياده لربِّه العلي العظيم، وإنَّ الركوع علامةٌ من علامات العبوديَّة والتذلل والخشوع والانقياد لله -تعالى-.

أمَّا السجود فهو غاية الانقياد والتذلُّل، وهو غاية العبوديَّة، ونهاية الرضا بأن تكون عبداً الله -تعالى-، ألا ترى -يا عبد الله- أنَّ أوَّل عبارةٍ في الأذان هي (الله أكبر)، ومفهوم المخالفة من هذه العبارة هو: أنت أيُّها السَّامع أصغر من الله، والأصغر دائماً يخضع للذي هو أكبر منه.

لذا جاء السجود ليدلَّ على مدى صغر الإنسان أمام ربِّه الكبير، فأنت -أيُّها الساجد- عندما تضع أنفك وجبهتك على الأرض فقد رضيت بكبرياء الله عليك، ورضيت بعبوديتك وتذلُّلك لله -تعالى-، ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَقْرَبُ ‌مَا ‌يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ).[٥][٦]

أيُّها الشاب، الذي ملأك الله -تعالى- حيويةً، لا تغترَّ بها، وإنَّ الله -تعالى- قد أعطاك الطاقة فسخِّرها للطاعة، وأعطاك النشاط فاجعله في القيام، واستخدم منحة الله -تعالى- التي أعطاك إياها وسخِّرها في أعمال الخير، وإنَّ أفضل الخير وأفضل العبادات والقربات إلى الله -تعالى- هي الصَّلاة.[٧]

ألا ترى أنَّ الله -تعالى- أوَّل ما يحاسب العبد عليه هو الصَّلاة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنْ أَتَمَّهَا، وَإِلَّا قِيلَ: انْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمَفْرُوضَةِ مِثْلُ ذَلِكَ).[٨][٧]

أيُّها الشباب، أيُّها الخلف الصَّالح، أخشى على من ترك الصَّلاة منكم أن يصيبه قول الله -تعالى-: (فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا[٩] فكم من الشباب المسلم ممَّن ضيَّع الصَّلاة بالكليَّة.

كم منهم لا يعرف الجُمَع ولا الجماعات ولا يعرف مواعيد الصَّلاة ولا مواقيتها ولا عدد ركعاتها، ولا ماذا يقال فيها، وكم من الشباب من يصلِّي صلاةً هي أقرب لضياع الصَّلاة من إقامتها، يصلِّي وقلبه مشغولٌ بملذَّات الدُّنيا، وقلبه معلَّقٌ بما هو خارج المسجد.

والله -تعالى- طلب منَّا أن تتعلَّق قلوبنا بالمساجد، ولذا قرن الله -تعالى- إضاعة الصَّلاة باتباع الشهوات، فكلُّ مضيِّع للصَّلوات؛ سواءً ضيعها بتركها وهجرها، وعدم القيام بأفعالها، أو ضيَّع الصَّلاة بعدم إحسانها وعدم الخضوع فيها؛ فإنَّ سبب هذا الضَّياع شهوةٌ من الشهوات أو مجموعةٌ من شهوات صدّته عن أداء الصَّلاة ومنعته من تمامها.[١٠]

أيُّها الشاب المسلم، إنَّ بإقامتك للصَّلاة إقامة للدِّين والإيمان، فإنَّ الله -تعالى- قد سمَّى الصَّلاة في القرآن إيماناً، قال الله -تعالى-: (وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ)،[١١] والصَّلاة هي الإسلام، فهي الرُّكن الأوَّل بعد الشهادتين.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بُنِيَ ‌الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)،[١٢] وإنَّ الصَّلاة هي الإحسان، فقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حديث جبريل الطويل عندما سأله عن الإحسان، قال: (أَنْ ‌تَعْبُدَ ‌اللَّهَ ‌كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ).[١٣]

والصَّلاة هي أفضل العبادات، وهي وصيَّة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بل هي آخر وصاياه، قال أنس بن مالك: (كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: الصَّلَاةَ ‌وَمَا ‌مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ‌الصَّلَاةَ ‌وَمَا ‌مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. حَتَّى جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُغَرْغِرُ بِهَا صَدْرُهُ، وَمَا يَكَادُ يُفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ).[١٤]

وإنَّ الصَّلاة هي عمل الأنبياء جميعهم، فهي رأس العبادات وأفضلها، حيث اجتمع فيها الإيمان والإسلام والإحسان والوصيَّة من الرسول -صلى الله عليه وسلم-،[١٥] فحافظ عليها، وأقِمها كما أراد الله، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي خلق الخلق، وهداهم إلى طاعته، وجعل الجنَّة لهم جزاءً ونعيماً، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، هو ربُّ الدُّنيا والآخرة، ومالك يوم الدِّين، الرحمن الرحيم الفرد الصمد، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله، وبعد.

أيُّها الشاب المصلي، إنَّ الصَّلاة هي مجمع لصنوف العبادات، وهي أوَّل ما اشترطه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهي فرض عينٍ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ، ولمكانها عند الله -تعالى- فقد فرضها في السَّماء، وليس في الأرض، وجعلها الله فريضةً في يوم من أعظم الأيَّام عند الله -تعالى-؛ وهو يوم الإسراء والمعراج.

فرضها الله -تعالى- ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أقرب الأحوال إلى الله؛ من أجل ذلك فإنَّ الصَّلاة هي أقرب الطَّاعات والعبادات إلى الله -تعالى-، وهي أوَّل الأعمال المطلوبة بعد التَّوبة إلى الله -تعالى-، قال الله -تعالى-: (فَإِن تابوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلّوا سَبيلَهُم إِنَّ اللَّـهَ غَفورٌ رَحيمٌ).[١٦]

واعلم أنَّ الصَّلاة تعصم الأرواح وتحقن الدماء، كما ورد عن أبي سعيد الخدري في قصَّة الذي اعترض على توزيع الغنائم، قال: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ: وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ، قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: لَا، ‌لَعَلَّهُ ‌أَنْ ‌يَكُونَ ‌يُصَلِّي).[١٧]

ولذلك كانت الصَّلاة حافظةً، حتى إنَّها تحفظ الدِّين، فمن حافظ على الصَّلاة حافظ على سائر الطَّاعات والعبادات، ومن حافظ على الصَّلاة في أوقاتها المعلومة، وأتمَّ قيامها وركوعها وسجودها، لا يمكن إلَّا أن يكون قد حافظ على ما سواها من العبادات والطاعات، فلا تجد مصلياً يشرب الخمر ويرتكب الفواحش إلَّا ما ندر، والنادر لا حكم له.[١٨]

معاشر المسلمين، إنَّ صلاح قلوبكم وأنفسكم، وصلاح دينكم ودنياكم باتباع شرع الله -تعالى-، وخير ما شرع الله -تعالى- الصَّلاة، حيث جعل الله فيها صلاح الدُّنيا والآخرة، بل إنَّ الله -تعالى- اختصر الدِّين كلَّه على لسان أبينا إبراهيم -عليه السلام- فحصر الدِّين كلَّه في الصَّلاة.

قال الله -تعالى-: (رَبِّ اجعَلني مُقيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتي رَبَّنا وَتَقَبَّل دُعاءِ)،[١٩] وهنا إبراهيم -عليه السلام- لا يريد الصَّلاة فحسب، بل يريد الدِّين كلَّه، ولكنَّه اختصره في الصَّلاة، فطلب من ربِّه -تعالى- أن يكون مقيماً للصَّلاة؛ لأنَّها رأس الإسلام وسنامه، وقوّته ومادته الأولى.[٢٠]

الدعاء

  • اللهمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
  • اللهمَّ اغفر لمن تاب وصلَّى، وأمر بالتَّقوى، ونهى النَّفس عن الهوى.
  • اللهمَّ أعزَّ شباب المسلمين بالصَّلاة والصَّلاح، اللهمَّ اغفر لهم ما أسرفوا في أمر الله وفرَّطوا.
  • اللهمَّ ردَّ شباب المسلمين إلى دينك ردَّاً جميلا، اللهمَّ اعصمهم من شرور الخلق والعصاة.
  • اللهمَّ اربط على قلوبهم، وأعنهم على الصَّلاة والصِّيام، واعصمهم من الرذائل والآثام.
  • اللهمَّ اغفر لنا ما أسررنا وما أعلنَّا، وما قدمنا وما أخرنا، وما علمنا وما جهلنا، وما أنت أعلم به منا.
  • اللهمَّ اغفر الخطيئات، وتجاوز عن الزَّلات، وامح الآثام، واعفُ عن السيئات.
  • اللهمَّ أنت الكريم الأكرم العليم الأعلم، فاعفُ واصفح وتفضل وأنعم وأكرم.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المراجع[+]

  1. سورة الحشر، آية:23
  2. مجموعة من المؤلفين (1423)، خطب مختارة (الطبعة 3)، المملكة العربية السعودية :وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 164. بتصرّف.
  3. سورة آل عمران، آية:102
  4. ابن عثيمين (1408)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 395. بتصرّف.
  5. رواه مسلم، في الصحيح، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:482، صحيح.
  6. مجموعة من المؤلفين (1423)، خطب مختارة (الطبعة 3)، المملكة العربية السعودية : وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 165. بتصرّف.
  7. ^ أ ب مظهر الدين الزَّيْداني (1433)، المفاتيح في شرح المصابيح (الطبعة 1)، وزارة الأوقاف الكويتية :دار النوادر وهو من إصدارات إدارة الثقافة الإسلامية، صفحة 306، جزء 2. بتصرّف.
  8. رواه ابن ماجه، في السنن، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:1425 ، صحيح.
  9. سورة مريم، آية:59
  10. عبد الرحمن السعدي (1412)، الفواكه الشهية في الخطب المنبرية والخطب المنبرية على المناسبات (الطبعة 1)، صفحة 43، جزء 1. بتصرّف.
  11. سورة البقرة، آية:143
  12. رواه البخاري، في الصحيح، عن ابن عمر، الصفحة أو الرقم:8، صحيح.
  13. رواه البخاري، في الصحيح، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:50، صحيح.
  14. رواه أحمد، في المسند، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:1216، صحيح.
  15. محمد إسماعيل المقدم، لماذا نصلي، صفحة 1، جزء 1. بتصرّف.
  16. سورة التوبة، آية:5
  17. رواه البخاري، في الصحيح، عن أبي سعيد، الصفحة أو الرقم:1064، صحيح.
  18. محمد إسماعيل المقدم، لماذا نصلي، صفحة 2-3. بتصرّف.
  19. سورة إبراهيم، آية:40
  20. أبو بكر الجزائري (1434)، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير (الطبعة 5)، المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية :مكتبة العلوم والحكم، صفحة 63، جزء 3. بتصرّف.

24 مشاهدة